الرئيسية / الجماعة في الإعلام / مستقبل غامض ينتظر حزب جماعة الإخوان المسلمين في سورية
ikhwan-in-media

مستقبل غامض ينتظر حزب جماعة الإخوان المسلمين في سورية

* يزيد صايغ, ** رافاييل لوفيفر

مركز كارنيغي للشرق الأوسط

09 كانون الأول/ديسمبر 2013

ملخّص:

يحوز أحدث حزب إسلامي في سورية على طموحات ليبرالية مثيرة، لكنه يفتقد إلى المضمون الكفيل لتحويله إلى حزب نافذ وقادر على البقاء في الصراع الراهن.

وسط الموت والدمار المستمرين في سورية، تعكف جماعة الإخوان المسلمين السورية على تشكيل حزب سياسي هو “الحزب الوطني للعدالة والدستور”. ومن شأن الحزب المعروف باسمه المختصر “وعد” أن يمثّل جماعة الإخوان، الموجودة في المنفى في الوقت الراهن، في أي عملية انتقال ديموقراطي تشهدها سورية في نهاية المطاف. كما أن العضوية في حزب “وعد” الذي يصف نفسه بأنه “حزب وطني بمرجعية إسلامية” يتبنّى آليات ديموقراطية في برامجه، مفتوح، من الناحية النظرية، أمام جميع شرائح المجتمع السوري.

إن حرص جماعة الإخوان على إظهار التزامها بحياة سياسية جامعة وتعدّدية، وتأكيد هويتها باعتبارها تنظيماً إسلامياً “وسطياً”، أمر يستحق الثناء نظراً لتنامي موجة التطرّف والطائفية في سورية. بيد أن الوفاء بوعدها سيشكل تحدّياً صعباً. إذ من المرجّح أن ترفض الأقليّات الدينية والعرقية، فضلاً عن المسلمين السنة العلمانيين، حزب “وعد” بوصفه مجرّد واجهة لجماعة الإخوان المسلمين. وفي المقابل فإن السنة المحافظين، بمن فيهم بعض أعضاء جماعة الإخوان نفسها، والإسلاميين المتشدّدين سينفرون من صورة “وعد” المتعدّدة طائفياً وغير المتجانسة عقائدياً ولن يثقوا بوجود أشخاص من غير السنة وغير العرب في قيادته.

وستواجه جماعة الإخوان تحدّيات أصعب في حال حصول انتقال ديموقراطي في سورية. ولكي تتخلّص من صورتها كتنظيم سرّي يسيطر على حزب “وعد” من وراء الكواليس، سوف تضطرّ جماعة الإخوان إلى التنازل عن النشاط السياسي لصالح الحزب، والطلب إلى أعضائها أن يركّزوا بشكل حصري على إنجاز مهمتهم الإسلامية الأساسية المتمثّلة بالنشاط الدعوي الديني والاجتماعي. والواضح أن لدى جماعة الإخوان أولويات أخرى طالما استمرّ الصراع السوري، ولذلك فهي لن تعمد إلى إجراء مثل هذا التحوّل الجذري قريباً. بيد أن هذا يلغي أي أمل في إمكانية أن يتمكّن حزب “وعد” من بناء نفسه كتنظيم سياسي مستقل ذو قاعدة شعبية في هذه الأثناء.

دعم ضعيف ورسائل متضاربة

يبدو أن أعضاء جماعة الإخوان أنفسهم منقسمون بشأن حزب “وعد”. إذ ينظر البعض إلى الحزب بوصفه بادرة جاءت في التوقيت الخطأ ومن شأنها أن تقوّض جهود الجماعة المستمرة لكسب النفوذ داخل التمرّد المسلح على الأرض، حيث أصبحت الجماعة في الآونة الأخيرة أقلّ حذراً بشأن دورها في دعم الجماعات المسلّحة ذات الميول السياسية و العقائدية المشتركة. كما أن حقيقة أن قادة الإخوان الذين يؤيّدون الحزب الجديد يعتبرونه وسيلة لإبراز اعتدال الجماعة قبل بدء مفاوضات محتملة مع نظام الأسد في جنيف تزيد من شكوك الأقليّة المعارضة.

وعلاوة على ذلك فقد حارب الأعضاء المحافظون في الجماعة بقوّة ضدّ إدخال مصطلح “الديموقراطية” في البرنامج السياسي لحزب “وعد”، حيث أصرّوا على أن مفهوم الشورى الإسلامية يجسّد بصورة كافية قيم المشاركة والتعدّدية والتشاور مع الجمهور. لم يقتصر الأمر على أنهم خسروا هذه المعركة، بل إنه من الصعب أض اعتبار “وعد” حزباً إسلامياً بأي حال من الأحوال، استناداً إلى وثائقه. فباستثناء التأكيد على ضرورة أن تكون “أحكام القضاء متوافقة مع الشريعة الإسلامية”، فإن البرنامج السياسي للحزب الذي صدر يوم 10 تموز/يوليو يشكّل نموذجاً للقيم الليبرالية، وحتى العلمانية، يقلّل من مكانة الإسلام بصورة فعلية ويحوّله إلى أصل ثقافي وآصرة مع الدول العربية والإسلامية الأخرى.

تمكّن زعيم جماعة الإخوان السورية، المراقب العام رياض الشقفة، حتى الآن من احتواء الخلاف الداخلي. بيد أن فترة ولايته تنتهي في تموز/يوليو عام 2014، ولعلّه من شأن عملية اختيار زعيم جديد أن تعيد هذه الخلافات إلى الواجهة.

غير أن حزب “وعد” يواجه من الآن بعض الصعوبات، وإن كانت من نوع آخر. فقد تم تشكيل الحزب في اسطنبول في حزيران/يونيو 2013، لكن تأجّل الإعلان عنه لأن “السلطات التركية طلبت توضيح مبادئ الحزب وبرنامجه السياسي”، وفقاً لأحد التقارير. وقد تم تحديد 12 تشرين الثاني/نوفمبر موعداً جديداً لإطلاق الحزب لكن حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا طلب المزيد من التأجيل، بحسب ما أكّد محمد حكمت وليد زعيم “وعد”.

قد يضطر حزب “وعد” إلى الانتظار إلى أجل غير مسمّى. فالسلطات التركية، التي تواجه معارضة داخلية متنامية بشأن سياستها إزاء سورية، وتدهوراً في علاقاتها مع المملكة العربية السعودية التي تعادي جماعة الإخوان المسلمين بعناد، تبدو حذرة تجاه تقديم الدعم للمبادرة السياسية الجديدة. فالدعم التركي ضروري لأن تركيا تشكّل القاعدة الآمنة الوحيدة لجماعة الإخوان في الدول المجاورة لسورية، حيث توفّر مكاناً آمناً لاجتماع زعماء الحركة وتستضيف مكاتبها. ولذا يعتمد حزب “وعد”، الذي ليس له وجود داخل سورية وبوصفه كياناً جديداً، إلى حدّ كبير على حسن النوايا التركية.

بيت من منازل كثيرة

لقد طالت فترة الحبل بحزب “وعد” قبل أن يأتي المولود الجديد. فقبيل بضعة أسابيع من موعد إطلاقه المفترض، كشف الناطق الرسمي باسم جماعة الإخوان المسلمين زهير سالم أن الحركة فكرت في تشكيل حزب منذ عدة سنوات. ووفقاً لما يقوله محمد زهير الخطيب، عضو المكتب السياسي للحركة، فقد أجّلت جماعة الإخوان اتّخاذ قرار بهذا الخصوص لأنها كانت تعتقد أن تشكيل الحزب يجب أن يتم داخل سورية، وهو الأمر الذي كان مستحيلاً تماماً حتى اندلاع انتفاضة العام 2011. وفي أواخر العام 2012 أبلغت قيادة الإخوان مؤتمراً لجناح الشباب فيها بأنه تم إحياء الفكرة، وفي كانون الثاني/يناير 2013 صدرت تعليمات للجنة التحضيرية بصياغة المبادئ الأساسية واللائحة الداخلية لحزب “وعد”.

في غضون ذلك تغيرت الإيديولوجية الرسمية للحزب المقترح. ففي كانون الثاني/ديسمبر 2012، تحدثت قيادة جماعة الإخوان عن تأسيس “حزب إسلامي”، ولكن يبدو أن تنامي نزعة التطرف في سورية دفعها إلى إجراء مراجعة لتبنّي برنامج أكثر توافقية. وعندما أعلن زعيم جماعة الإخوان المسلمين السورية رياض الشقفة علناً عن نية الجماعة تشكيل حزب في كانون الثاني/يناير 2013، فقد وصفه بأنه “ذو هوية وطنية … ومفتوح أمام الجميع”.

وقد أكد هذا التوجّه الإيديولوجي “الآباء المؤسّسون” المئة الذين ينتمون إلى خلفيات متنوّعة، والذين أسّسوا حزب “وعد” في إسطنبول في حزيران/يونيو الماضي. تعهّد المؤسّسون بتطبيق العدالة الانتقالية وأعربوا عن التزامهم بالتعدّدية البرلمانية في سورية المستقبل، والفصل بين السلطات بصورة رسمية، واستقلال القضاء، وإيلاء اهتمام خاص للمرأة والشباب. كما أقرّ المؤتمر التأسيسي وحدة وسلامة أراضي سورية وشعبها، وأيّد “القضايا العادلة وعلى رأسها القضية الفلسطينية”، ووعد بالانفتاح على بقية بلدان العالم بوسائل “تضمن مصالح سورية وتدعم سيادتها”.

على الرغم من المبادئ التي تأسّس عليها، ارع حزب “وعد” من أجل تحقيق توازن مقنع بين طابعه الإسلامي وهويته الوطنية المعلنة. وفي تموز/يوليو وصف المراقب العام السابق للإخوان السوريين علي صدر الدين البيانوني مرة أخرى “وعد” بأنه “حزب إسلامي”. بيد أن مصدراً مقرّباً من قيادة “وعد” يقول إنه “يقوم على مبادئ وطنية ويعتبر الإسلام تراثاً ثقافياً ومرجعية أكثر منه إيديولوجية صارمة”. وقال الخطيب مراراً وتكراراً، عندما تحدث في وقت سابق من العام الجاري، إن “المرجعية الإسلامية” للحزب الجديد “ستكون تديّناً لمن أراد وثقافة وحضارة لمن أراد”.

ويشير البعض الآخر إلى أن محمد حكمت وليد، الذي كان أحد خمسة نواب للشقفة إلى أن تخلى عن القيام بهذا الدور كي يترأس حزب “وعد”، هو في الأصل من اللاذقية المدينة التي تشتهر بالتنوّع الطائفي. ويحظى وليد، كما يقول هؤلاء، باحترام واسع يتجاوز الأوساط الإسلامية بسبب “اعتداله” و”روحه المنفتحة”. وبالطبع فإن اختيار كاهن مسيحي هو نبيل قسيس نائباً لوليد يهدف أيضاً إلى تعزيز صورة “وعد” بوصفه بيت من منازل كثيرة يضم جميع السوريين، مثلما هو الزعم بأن هناك أعضاء علويين وأكراداً في مجلسه التأسيسي.

ولتأكيد هذه الرسالة، فقد نصّ النظام الداخلي الذي تمت الموافقة عليه عند تأسيس “وعد” في حزيران/يونيو الماضي على ألاّ يشكّل الإخوان المسلمون أكثر من ثلث مجموع أعضاء الحزب الجديد. ويشكّل “الإسلاميون المستقلّون” ثلثاً آخر من الأعضاء، في حين تشكّل “شخصيات وطنية” ذات خلفية أكثر ليبرالية، إضافة إلى شخصيات مسيحية وكردية وعلوية، الثلث المتبقي. أصرّ الخطيب، الذي تولى إدارة الكثير من النقاش العام حول حزب “وعد”، في أيار/مايو الماضي على أن التخصيص الثلاثي للعضوية لا يرقى إلى كونه نظام “محاصصة”، لكنه اعترف بأن العثور على “الثلث الوطني” كان صعباً، حيث إن “البعض يعتقد أن الإخوان يبحثون عن شخصيات وطنية (ديكور)”.

تثير هذه العقبة مسألة ما إذا كان بوسع “وعد” اجتذاب أعداد كبيرة من غير السنّة وغير العرب وغير الإسلاميين. وقد لا تكون هذه أكثر من مشكلة نمو طبيعي لمنافس سياسي جديد غير مجرّب، حيث كشف الخطيب أن “العديد ممن اتصلنا بهم قد رتبوا أمورهم بتيارات وتحالفات وحركات لم يشاؤوا تركها إلى الحزب الجديد”.

غير أنه أشار بصراحة أيضاً إلى أن من أصعب الأمور اليوم إقناع شرائح كبيرة من أطياف الوطن أن ينتسبوا إلى حزب كبير قوي و يكونون فيه أعضاء عاديين غير قياديين، و يصبروا على هذه العضوية العادية سنوات طويلة دون أمل واضح في أن يكونوا قادة أو مسؤولين”. وردّاً على ذلك، سعى الخطيب لإقناع جمهوره بأنه “قياساً على ما جرى في المغرب وليبيا ومصر وتركيا”، فإن “وعد” “سيكون الحزب الرئيسي في سورية الحرة الجديدة”.

كان الخطيب يتحدث في كانون الثاني/يناير 2013. ومنذ ذلك الحين تمت إطاحة الرئيس المصري محمد مرسي في مصر وازدادت التحدّيات التي تواجه الأحزاب الإسلامية الحاكمة في البلدان الأخرى التي ذكرها الخطيب، وكذلك في تونس. وقد أدّت تلك التطورات إلى كسر حدّة الثقة داخل جماعة الإخوان المسلمين السورية. كما أن فكرة بناء حزب “وعد” من خلال تجنيد “الشخصيات” البارزة – وطنية أو سوى ذلك – تعكس وجهة نظر محافظة حول كيفية بناء حزب حديث قائم على العضوية القاعدية ينخرط في أنواع جديدة من الحياة السياسية في سورية ديموقراطية.

فصل التوائم السيامية

تواجه جماعة الإخوان المسلمين مهمة شاقّة في محاولة طمأنة السوريين بشأن أهدافها الكامنة وراء تأسييس حزب “وعد” وتبديد الأفكار التي تشير إلى أنهما توأمان متلازمان. وفي تغريدة نشرها على حسابه الشخصي في موقع “تويتر” مطلع تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، أكّد المراقب العام للجماعة الشقفة أن حزب “وعد” سيكون “قريباً من جماعة الإخوان المسلمين”، بيد أن مسؤولين آخرين في جماعة الإخوان شدّدوا على أن “وعد” سيكون مستقلاً. وأكّد الناطق باسم جماعة الإخوان زهير سالم في منتصف تشرين الأول/أكتوبر أن الحزب الجديد لن يكون واجهة أو ذراع سياسي” لجماعة الإخوان، وهو التأكيد الذي كرّره رئيس الحزب وليد بعد شهر.

كان الهدف من هذه التصريحات أيضاً الردّ على مطالب أعضاء في جماعة الإخوان بإنشاء حزب سياسي مستقلّ منذ بعض الوقت. وقد كان جناح الشباب المتقدم في ذلك بشكل خاص. إذ أوضح صوت قيادي في أوساطه قائلاً: “لم نكن نريد النموذج المصري الذي كان فيه حزب الحرية والعدالة [الأداة البرلمانية لجماعة الإخوان المسلمين] في الواقع صورة منعكسة لجماعة الإخوان”. وأضاف: “رأينا أن ذلك النموذج فشل بصورة واضحة”. وظلت شخصيات بارزة في جماعة الإخوان في سورية تنتقد بصورة علنية الأداء السياسي لحزب الحرية والعدالة حتى إطاحة مرسي وحذّرت من أن تنامي عدم شعبيته سينعكس سلباً على جماعة الإخوان المسلمين المصرية. وجادل هؤلاء في أنه كان يجب على الحركة أن تسعى إلى تحقيق توافق وطني وأن تساوم على نحو أكثر فعالية.

بالنسبة إلى جماعة الإخوان المسلمين السورية، وفقاً للقيادي في جناح الشباب، فقد تمثّل الدرس المستخلص من التجربة المصرية في “أننا … في حاجة إلى حزب يجتذب جمهوراً عريضاً. وهذا يعني بطبيعة الحال أنه سيتوجّب على جماعة الإخوان المسلمين أن تبدأ بممارسة السياسة خارج نطاق الأمان وأن تساوم. إنها مقامرة”.

ومع ذلك فإن نظام المحاصصة الرسمية ليس هو الحلّ. يبدو أن الحدّ من عدد أعضاء الإخوان المسلمين في داخل حزب “وعد” يمثّل خطوة أولى معقولة نحو ضمان استقلاله. بيد أن النظام الجامد الذي تم اعتماده يثير من المشاكل أكثر مما يحلّ. فهو قد يحدّ من جاذبية “وعد” بالنسبة لنشطاء القاعدة الشعبية في الوقت الذي أنتج الربيع العربي أشكالاً فضفاضة وعفوية ومتقلّبة أحياناً من المشاركة السياسية والتنظيم.

إن ضبط عدد الأعضاء للحفاظ على الحصص لا يتماشى و الممارسة الديمقراطية. أن يتم رفض انضمام إخوان مسلمين جدد إلى حزب “وعد” بعد الوصول إلى الحدّ الأقصى المتمثّل بالثلث يشكّل عقوبة للمتأخرين بالانتساب، ويفترض أن تدقّق جماعة الإخوان المسلمين بقوائم العضوية باستمرار. كما أن من المفترض أن يتطلّب الحفاظ على نسبة الثلث من أعضاء جماعة الإخوان في حزب “وعد” زيادة أو تخفيض عددهم عندما تتذبذب قوة الحزب صعوداً أم هبوطاً، وهي مسألة غير عملية ومرهقة ومن شأنها أن تعزّز صورة “وعد” باعتباره نسخة من جماعة الإخوان. وعلاوة على ذلك، فإن الصراع السوري قد طمس الخطوط الفاصلة بين عضوية جماعة الإخوان الرسمية وبين الأعضاء المناصرين والمتعاطفين معها. وإذا ما انتسب الأخيرون أيضاً إلى حزب “وعد”، فقد تبتلع جماعة الإخوان عن غير قصد الحزب الذي صنعته.

تبدو جماعة الإخوان متردّدة في التعامل مع الآثار المترتّبة على تأسيس الحزب. فقد أيّدت لائحة تحظر على أعضائها الانضمام إلى حزب “وعد” إذا كانوا يتولون المناصب القيادية داخل جماعة الإخوان، لكنها تسمح بازدواجية العضوية العامة في التنظيمين. وللمفارقة، فإن النظام الداخلي في “وعد” يحظر العضوية المزدوجة في أي حزب سياسي آخر، وهو ما يعني أنه غير قادر على منح حصة الثلث التي وعد الإخوان بها من دون انتهاك نظامه. قد تجادل جماعة الإخوان، كما فعلت جماعات شقيقة لها في دول عربية أخرى، أن هذه القاعدة لا تنطبق على أعضاء جماعتها لأنها جزء من المجتمع المدني وليست حزباً سياسيّاً، غير أن هذه الحجة لا تقنع أحداً خارج صفوفها.

يمكن لجماعة الإخوان المسلمين حلّ هذه المشكلة من خلال حظر العضوية المزدوجة بصورة مماثلة لحزب “وعد”. ولكن هذا يكمن في صلب المعضلة الحقيقية التي تواجهها الجماعة. فكيف يمكنها تشكيل حزب برلماني مفتوح للجميع مع الحفاظ على النواة الداخلية أو التنظيم “الأم” الذي يسعى للتأثير بالسياست فيما يحقق أجندته الأساسية المتمثّلة في الدعوة خارج الساحة الحزبية الديموقراطية؟

وعد لا يمكن الوفاء به

تباينت استجابات فروع جماعة الإخوان المسلمين في البلدان العربية الأخرى تجاه المعضلة نفسها. إذ يقف حزب العدالة والتنمية المغربي في أحد طرفي الطيف، وهو قريب من الناحية الإيديولوجية من فرع الإخوان المحلي ولكنه مستقل سياسياً. ويبدو، على نحو متزايد، أن نجاحه في حكم البلاد مؤقت. وفي الطرف الآخر يقف حزب الحرية والعدالة في مصر، والذي ظل خاضعاً لرقابة مشدّدة من جانب جماعة الإخوان وتم حظره بصورة فعلية بعد عزل مرسي، وجبهة العمل الإسلامي في الأردن، التي ابتلعها التنظيم الأم في نهاية المطاف. أما حزب النهضة التونسي فيقف في منزلة بين المنزلتين، وهو يسعى إلى أن يكون تنظيماً دعوياً إخوانياً وحزباً برلمانياً يمثّل فئات وأجنحة إسلامية متنوّعة. ونتيجة لذلك فإن وحدته وتماسكه موضوعان على المحك.

وقد تجاوزت جماعة الإخوان المسلمين السورية فروعها الشقيقة في تقديم حزب “وعد” بوصفه وجهها الجديد متعدّد الطوائف والأعراق في مجتمع متنوّع بصورة غير عادية. لكن لا تزال أمامها مسافة بعيدة قبل أن يكتسب “وعد” مضموناً حقيقياً كتنظيم سياسي مستقل يتمتّع بالصدقيّة.

وما من شك في أن هذا سيكون أمراً بالغ الصعوبة طالما استمرّ الصراع المسلّح في سورية. إذ لا يمكن أن تتخلّى جماعة الإخوان بسهولة عن هيكلها الأساسي الصلب وعاداتها السرّية التي أتاحت لها البقاء على مدى ثلاثين عاماً من المنفى. كما أنها لن تحلّ بسهولة التوتّرات الداخلية بين من يؤيّدون التوصّل إلى حلّ سياسي في سورية ومن يدافعون عن حلّ عسكري. بالإضافة إلى ذلك، فإن حقيقة تأكيد حزب “وعد” على الاعتدال الإيديولوجي والعضوية المتنوعة قد تنفّر الجماعات المتمرّدة الإسلامية والمتشدّدة التي تتحالف الآن مع الإخوان داخل سورية.

ترتسم خطوط المجابهة الإديولوجية منذ الآن. فالبرنامج السياسي لـحزب “وعد” يؤكد على ضرورة أن يخضع كل المواطنين إلى “مبدأ الإدارة الديمقراطية، أي سيادة الشعب”. وهذا يصطدم مباشرة مع البرنامج السياسي الرسمي الذي أصدرته في 22 تشرين الثاني/نوفمير الماضي الجبهة الإسلامية- التي تشكّلت أخيراً من سبع مجموعات إسلامية متمردة غير مرتبطة بالقاعدة هي الأكبر في سورية- والذي يشدّد على أن السيادة في سورية الجديدة “لشرع الله”. ونأت الجبهة الإسلامية، التي تدعو إلى إقامة “دولة إسلامية راشدة”، بنفسها صراحة عن العلمانية و”الديمقراطية وبرلماناتها” و حتى عن “الدولة المدنية”، وهو مصطلح تُحبذه جماعة الإخوان المسلمين لتتجاوز به تعبيري “العلمانية” و”الإسلامية” الخلافيين.

وسيفرض الانتقال إلى الديموقراطية في المستقبل تحدّيات إضافية. إذ يصرّ المسؤولون في جماعة الإخوان على أن حزب “وعد” سيكون حرّاً في تبنّي سياسات وتشريعات تختلف عن ميول الجماعة. ولكن هل سيكون الإخوان المسلمون في “وعد” موالين حقاً للحزب والتنظيم الأم في آن؟ ولمن ستكون السيطرة الفعلية؟

الأهم من ذلك هو أن الكثيرين يتوقّعون أن تحلّ جماعة الإخوان هذه المسألة إما من خلال التحوّل إلى حزب برلماني يمارس الدعوة لكنه مفتوح تماماً للجميع، أو من خلال إلغاء نفسها كتنظيم سياسي لمواصلة الدعوة كإحدى هيئات المجتمع المدني. ومن هذا المنطلق لا يمكن لجماعة الإخوان الحفاظ على نواة تنظيمية داخلية لا تخضع للشفافية والمساءلة أمام الجمهور، في حين تمارس السيطرة الفعلية على أداة برلمانية منفصلة اسمياً مثل حزب “وعد” أو أي حزب يخلفه.

إن الفشل في حلّ هذه الازدواجية سيثير الشكوك بشأن وجود أجندة “خفيّة” من النوع الذي شوّش على جماعة الإخوان في البلدان العربية الأخرى، في حين يقوّض حزبها المدني الذي سوف ينظر إليه باعتباره مجرد واجهة. قد تكون هذه المقاربة المزدوجة مفهومة في سياق النزاع المسلّح الدائر في سورية، بيد أن الحفاظ عليها خلال عملية الانتقال الديموقراطي سيكون مدمّراً.

وحتى في ذلك الحين، فإنه ليس من المؤكّد ما إذا كان بوسع حزب “وعد” البقاء باعتباره منبراً مشتركاً للعناصر الدينية والليبرالية عندما يبدأ النقاش حتماً حول دور الشريعة الإسلامية في سورية. ومن الممكن أن يزداد جمهور أنصار جماعة الإخوان الأكثر محافظة بسرعة، والذي يعتبر أقليّة في الوقت الحاضر، عندما يعود التنظيم إلى سورية وسط أجواء التطرّف، ما يجعل اعتدال حزب “وعد” موضع تساؤل. كما يمكن للمحافظين أن يجادلوا بأنه، في ظل زعم مسؤولين في جماعة الإخوان مثل المتحدث باسمها ملهم الدروبي بأن التنظيم سيفوز بما يصل إلى 25 في المئة من الأصوات إذا ما تم إجراء انتخابات حرة في سورية، ليس ثمّة من سبب وجيه للتقليل من الشخصية الإسلامية لجماعة الإخوان. في ظل هذه الضغوط فإن التوتّرات بين الجناحين المحافظ والأكثر ليبرالية، والتي جرى حتى الآن احتواؤها بأمان وراء الكواليس، يمكن أن تؤدّي إلى شق التنظيم.

حزب سابق لأوانه؟

كل هذه الأسئلة تكمن في المستقبل، ويمكن أن يُغفَر لقيادة الإخوان المسلمين اعتبارها أسئلة بعيدة لم يحن وقتها بعد، إن لم تكن مجرّدة. فقد اعترف وليد رئيس حزب “وعد” بذلك عندما قال إن “الكل كان يقول إن الأولوية لي لإنشاء الأحزاب بل لنصرة الشعب السوري، لكن صعوبة اللحظة وحرجها يجب ألا يمنعنا من التفكير في سوريا المستقبل”.

قد تسعى جماعة الإخوان المسلمين بصدق لتأسيس حزب جديد جامع وقابل للحياة، ولكن الغموض الذي يكتنف الغرض من “وعد” واحتمالات نجاحه لا تبشر بالخير للحزب. إذ لم تتخلّص جماعة الإخوان أبداً من نظرة الآخرين بأنها تمسك بكل خيوط المنبر الأول للمعارضة في المنفى، المجلس الوطني السوري، حيث يعتقد المراقبون المتشكّكون بأنها ستفعل الشيء نفسه مع حزب “وعد”. كما أن محاولة التعويض عن عدم حضور “وعد” على الأرض من خلال ملئه بـ “شخصيات وطنية” معتَبَرة تقلّل من الثقة في قدرته على البقاء كحزب مستقل.

ويعتبر هذا أمراً مُسفاً لأن البرنامج السياسي لحزب “وعد” يتكوّن من وثيقة مفصّلة من 91 صفحة تتناول بشفافية كل قضية مهمة للتطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والإداري في سورية في إطار ليبرالي رائع. ولكن الحقيقة القاسية هي أن “وعد” يفتقر إلى الجوهر اللازم كي يصبح حزباً فاعلاً وقابلاً للحياة، وقادراً على البقاء في الصراع الحالي. بدلاً من ذلك، من المحتمل أن ينضم “وعد” إلى قائمة طويلة من الأحزاب الجديدة التي تم تشكيلها في سورية والمنابر المعارضة التي أنشئت في المنفى منذ العام 2011، والتي انتهى بها الأمر لتكون صالونات نقاش لا تتّخذ أي إجراءات أو قرارات. سوف تحتاج جماعة الإخوان المسلمين إلى أداة برلمانية مثل حزب “وعد” تماماً للمشاركة في عملية الانتقال الديموقراطي في نهاية المطاف، ولكنه من شبه المؤكد أن حزب “وعد” هو وعد سابق لأوانه.

————————————————————————————————–
* يزيد صايغ باحث رئيسي في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيث يتركّز عمله على الأزمة السورية، والدور السياسي للجيوش العربية، وتحوّل قطاع الأمن في المراحل الانتقالية العربية، إضافة إلى إعادة إنتاج السلطوية، والصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وعملية السلام.

** رافاييل لوفيفر هو باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيث تتركّز أبحاثه على الحركات الإسلامية السنّية في لبنان.

wavatar