الرئيسية / تاريخ الجماعة / الصراع مع حزب البعث الحاكم
mbl-gray-01

الصراع مع حزب البعث الحاكم

المشكلة الكبرى التي واجهها الإخوان المسلمون ودفعوا ثمنها، هي أنهم لا يقبلون للجيش الذي يُبنى ليحمي الوطن، أن يكون وسيلةً للقفز إلى السلطة، وأنّ الدّبابة يمكن أن تحلّ محلّ صندوق الاقتراع!.. هذا التصوّر الذي عمل به الآخرون، فتمكّنوا من السيطرة على مقاليد الجيش والآلة العسكرية التي فرضوا من خلالها أنفسهم على الوطن والشعب، وأزاحوا عن الخريطة الوطنية كل القوى السياسية التي يمكن أن تنافسهم!..

إنّ أطيب ثمرات مرحلة الحرية في أجواء الوطن بشكلٍ عام، هي ظهور قدرة الإنسان السوري على أن يتحمّل مسؤولية الخيار الديمقراطي، وأن يعيش تجربته بنجاحٍ واقتدار، وأن يحقق تلاحماً وطنياً حقيقياً، يضم تعدّديةً عرقيةً ودينية ومذهبية وسياسية، تنصهر كلها في بوتقة عملٍ وطنيٍ شامل، تسدّده وتُغينه وتطوّره.

فالنسيج السكانيّ السوريّ يتشكّل من: عربٍ وأكراد وشركس وتركمان ومسلمين ومسيحيين (كاثوليك وأرثوذوكس وبروتستانت وأرمن)، وسنّة وشيعة وعلويين ودروز وإسماعيليين.. وليبراليين (حزب الشعب و الحزب الوطني).. وشيوعيين وبعثيين و إخوان مسلمين !.. وكان لكل حزبٍ أو تيارٍ صُحُفُه ومنتدياته ونوابه، وأحياناً وزراؤه!.. كان الوطن يموج بالحركة والحيوية والنشاط والأمن والأمان (ما عدا فتراتٍ محدودة تعرّضت فيها الحياة الديمقراطية لبعض الانقلابات العسكرية).. إلى أن جاءت صبيحة الثامن من آذار عام 1963 م، فوَأَدَ الانقلابُ العسكري كل ما كان، وأُدخِلَت البلاد في نفقٍ مظلمٍ، ما تزال تعاني من وطأته حتى الآن!..

أولاً: نُذُر الصراع وأسبابه

إنّ خلاف الإسلاميين مع النظام السوري الحاكم، كان في الأصل جزءاً من الخلاف بين الفكر العلماني والفكر الإسلامي، إلى أن استأثر حزب البعث بالسلطة عام 1963 م، واتبع أساليب القمع والإرهاب ضد خصومه السياسيين، وقام بخطواتٍ استئصاليةٍ ضد الحركات الإسلامية عامةً في سورية، وذلك تنفيذاً لمقرراتٍ حزبيةٍ بعثيةٍ اتخذت منذ عام 1965 م وما بعده، إذ صُنّفت بموجبها الحركات الإسلامية ضمن القوى الرجعية المضادة للثورة، فبدأت حملات التصفية، وفُتحت المعتقلات لأبناء الحركات الإسلامية والإسلاميين، وقد كانت حالة الطوارئ والأحكام العرفية المفروضة على البلاد منذ عام 1963 م، وأساليب القمع ومحاولات استئصال الآخر التي اتبعها النظام.. كانت الخطأ الأكبر والسبب الأول والأهم، الذي أسّس للصراع بين الطرفين، كما أنّ الحرب المعلنة على الحركات الإسلامية وعلى الإسلاميين وتهديدات النظام لهم بالتصفية، والشروع في تنفيذ تهديداته بحقهم، واتهامهم اتهاماتٍ باطلة، وتحميلهم مسؤولية أحداثٍ واعتداءاتٍ لا علاقة لهم بها، واستمرار الاعتقالات والتصفيات في السجون، والإعدامات الظالمة من غير محاكمات، وفرض القانون رقم (49) لعام 1980 م، الذي يحكم بالإعدام على كل مَن انتسب سابقاً وعلى كل من ينتسب حالياً أو مستقبلاً إلى جماعة الإخوان المسلمين (مجرد الانتماء)، واستمرار الملاحقات داخل الوطن وخارجه، وتنفيذ المجازر الجماعية العديدة التي باتت معروفةً للجميع، كـمجزرة سجن تدمر، و مجازر حماة، وحلب، وجسر الشغور، و.. كل ذلك قاد إلى حالة الاحتقان القصوى، ثم إلى تفجّر الصراع بين الطرفين!..

ثانياً: انقلاب البعث وبداية احتدام الصراع (في عام 1963م)

لقد كان انقلاب الثامن من آذار عام 1963 م كارثةً حقيقيةً ما تزال سورية تعاني منها حتى اليوم، إذ دخلت البلاد في نفق حكم الحزب الواحد ، فقُمِعَ الإنسان السوريّ على نحوٍ لم يسبق له مثيل في تاريخه، وأُدخِلَت سورية في مرحلة تدمير البنية التحتية الأساسية للمجتمع، عبر صراعاتٍ طبقيةٍ اتخذت فيما بعد الصبغة الطائفية الواضحة، حين فتح حزب البعث الباب على مصراعيه أمام أبناء الطائفة العلوية، لتمسك بزمام الأمور ومفاصل القوّة الحقيقية والسلطة في البلاد، وبدأت تظهر الحالة العدائية الحزبية للإسلام، عبر تحدي قِيَمِه وعقيدته، وإكراه الناس على عقائد وسلوكياتٍ معاديةٍ لعقيدة الإسلام، وعبر منهجٍ تدميريٍ تمتعت به كل الحكومات المتعاقبة.. فمن أدبياتهم في تلك المرحلة:

آمنتُ بالبعثِ رباً لا شريكَ لهُ

                    وبالعروبةِ دِيناً ما لهُ ثانـي

كان وثوب حزب البعث إلى السلطة نقطة انعطافٍ خطيرةٍ في تاريخ سورية، فقد عمد إلى مصادرة الحريات العامة، وحلّ الأحزاب السياسية، وإغلاق الصحف والمجلات ومنابر الرأي، وفرض الأحكام العرفية، واحتكار وسائل الإعلام، وإلغاء كل دورٍ للمعارضة السياسية! فقد بدأ في سورية حكمٌ فرديّ، عطّل الحياة السياسية، ولاحق الأحرار وأصحاب الرأي المخالف وطاردهم، وأعلن قوائم طويلةً للإقصاء المدنيّ، كان ضحاياه مئات رجال الفكر والدين و السياسة، وتشبّث بالشعارات والأدبيّات الاستبدادية، وتبنّى عقيدة (العنف الثوري) لتصفية خصومه المخالفين له في الرأي، ولم ينجُ من عواقب هذا السلوك حتى رجال البعث أنفسهم، عبر التصفيات البينية، والانقلابات العسكرية التي وقعت من قِبَل بعضهم على بعضهم الآخر!..

أمام شدّة الهجمة القمعية، وتحت وطأة الاستبداد الدمويّ، التي بدأت بفرض قانون الطوارئ الصادر بالأمر العسكري رقم (2) وتاريخ (8/3/1963 م)، أمام ذلك كله.. أخلى كثير من القوى السياسية الساحةَ، وتُرك المجتمع السوريّ وحده يواجه البطش والتنكيل وعمليات التضليل الأيديولوجي والفكري!.. لكنّ جماعة (الإخوان المسلمين)، على الرغم من أنها كانت في رأس قائمة الاستئصال.. فقد وَعَتْ أنها دخلت مرحلةً صعبةً قاسيةً من التحدي الفكري والعقدي والنفسي، فقرّرت خوض الصراع الشامل المفروض: فكرياً ودعوياً وعقدياً وتربوياً، وذلك من منطلق أنّ الدعوة فرض عينٍ على كل مسلم، وأنّ الدفاع عن عقيدة المجتمع السوري وإسلامه واجب شرعيّ لا يمكن التخلي عنه، وهذا ما بدأ يطبع الفكر الإخواني وحركة الجماعة بطابعٍ مميّز، مختلفٍ عن سائر العهود الماضية السابقة لهذه المرحلة، كما فرض على الجماعة طابع التنظيم السرّي مع المحافظة على علنية الدعوة، وذلك لتحفظ أبناءها من شرّ الاستبداد، وتحافظ في نفس الوقت على مسيرة العمل الدعويّ الإسلاميّ.

ثالثاً: تسخين الصراع في المراحل الأولى من حكم البعث (حتى عام 1970م)

تميزت هذه الفترة من حكم البعث بثلاث ميزات رئيسة:

الأولى: بطش السلطة بالقوى المعارضة لاسيما الناصريين والإسلاميين.

الثانية: وقوع سلسلةٍ من التصفيات والانقلابات الانشقاقية داخل حزب البعث نفسه، انتهت إلى إقصاء مؤسّسي الحزب الأصلاء وملاحقتهم، من مثل: (ميشيل عفلق، و صلاح البيطار، و شبلي العيسمي،..)!..

الثالثة: اشتداد زحف الأقلية العلوية باتجاه الحزب والجيش، والسيطرة عليهما، وقد تُوِّج ذلك بحركة الضابط العلوي (صلاح جديد) في 23 من شباط عام 1966 م، ثم بحركة الضابط العلوي وزير الدفاع (حافظ الأسد).

إنّ سيطرة شريحة طائفية على أهم مراكز القوة في الحزب والجيش السوري كان قد دُبِّر بليل، فمنذ عام 1959 م، تشكّلت اللجنة العسكرية للحزب (على الرغم من قرار حلّه في عهد الوحدة) من خمسة ضباط، ثلاثة منهم علويون، هم (محمد عمران وصلاح جديد وحافظ الأسد)، واثنان إسماعيليان، هما: (عبد الكريم الجندي و أحمد المير)!.. وبعد انقلاب آذار في عام 1963 م، تم توسيع تلك اللجنة العسكرية، ليصير عدد أعضائها خمسة عشر عضواً هم:

– خمسة علويون: (محمد عمران، و صلاح جديد، و حافظ الأسد، و عثمان كنعان، و سليمان حداد).

– اثنان إسماعيليان: (عبد الكريم الجندي، و أحمد المير).

– إثنان درزيّان: (سليم حاطوم، و حمد عبيد).

– ستة من السنّة: (موسى الزعبي، و مصطفى الحاج علي، و أحمد سويداني، و أمين الحافظ، و حسين ملحم، و محمد رباح الطويل).

إن التصفيات التي وقعت في صفوف الحزب ومراكز القوى، آلت أخيراً باللجنة العسكرية إلى ثلاثةٍ من الطائفيين العلويين، هم: (محمد عمران، و صلاح جديد، و حافظ الأسد)، وانتهت أخيراً في عام 1970 م، إلى (حافظ الأسد)، الذي كرّس نظاماً يوظف الطائفة، بعد أن تغلغل حشد غير مسبوق من أبناء الطائفة العلوية –فضلاً عن الحزب والجيش- في كل مفاصل الدولة السياسية والاقتصادية والأمنية.

من القضايا المهمة التي وقعت في هذه الفترة (1963-1970 م)، وكان لها الأثر الكبير في تحديد معالم الصراع بين الشعب السوري والنظام الحاكم، ما يلي:

أولاً: تصعيد السلطة لدرجة الصراع مع الإسلاميين و الإخوان، بتعرّضها الاستفزازيّ للمسلمين وعقيدة الإسلام، ومن الإجراءات والسلوكيات التي مارستها السلطة:

1- إلغاء كلمة (مسلم) من البطاقة الشخصية.

2- تحويل مالية وزارة الأوقاف (ذات الموارد الضخمة) إلى الموازنة العامة، وبيع ممتلكاتها بأسعارٍ زهيدة، استغلها أعضاء السلطة المتنفذة، وأصبحوا من كبار الأثرياء.

3- إلغاء علامة مادة التربية الإسلامية من مجموع علامات الشهادتين الإعدادية والثانوية.

4- تعديل مادتي التربية الإسلامية والتاريخ بشكلٍ ضارٍ سافر.

5- التحرك نحو إلغاء المدارس الشرعية.

6- الاعتداء على القرآن الكريم في بعض المحافظات، لاسيما في حماة ودمشق.

7- الاعتداء على بعض مدرّسي التربية الإسلامية، ونقل عددٍ منهم من مدارسهم نقلاً تعسّفياً.

8- طعن أحد مؤسّسي حزب البعث ، هو (زكي الأرسوزي).. بالإسلام في مقالةٍ كتبها في مجلة (جيش الشعب)، التي تحدث فيها عما سمّاها بـ (أسطورة آدم)!..وفي مقال آخر ادعى أن العهد الجاهلي هو العهد الذهبي للعرب، وأن الانحطاط بدأ مع ظهور الإسلام !!

9- السخرية من الإسلام والمسلمين في مجلة (الفجر)، بنشر صورة حمارٍ على رأسه عمامة!..

10- نشر مقالةٍ استفزازيةٍ في مجلة (جيش الشعب) الصادرة عن إدارة التوجيه المعنوي للجيش والقوات المسلحة، بقلم (إبراهيم خلاص) بتاريخ (25/4/1967 م)، وفيها دعا إلى (وضع الله -جل جلاله- والأديان.. في متاحف التاريخ)!..

11- اعتقال مجموعةٍ كبيرةٍ من رموز الإخوان وقادتهم وأصدقائهم من الإسلاميين ورجال الدين والعلم، في عام 1966 م، من حلب: الأستاذ (عادل كنعان – مدير ثانوية الغزالي)، والصيدلي (أحمد بنقسلي)، والمحامي (عبد الرحمن قره حمود)، والشيخ (عبد الفتاح أبو غدة)، والدكتور الحقوقي (محمود بابلي)، ومن دمشق: الشيخ (حسن حبنكة الميداني). ومن دير الزور كل من: الدكتور حسن هويدي، والمدرس أمين شاكر، والمدرس إبراهيم الطه، والمحامي زكريا يحيى الجابر، والمدرس يوسف طلب، والمدرس صالح طعمة، والمهندس رمضان عبود، والصيدلي جابر طعمة.

12- اعتقال مجموعةٍ كبيرةٍ أيضاً من رموز الإخوان وقادتهم وأصدقائهم في عام 1967 م بعد فتنة (إبراهيم خلاص)، وعدم الإفراج عنهم إلا بعد انتهاء حرب حزيران، ومن الذين اعتقلوا وسجنوا:

في حلب: المدرسون: محمد فاروق بطل، وعبد القادر الخطيب، ومحب الدين أبو صالح، وعمر الحلواني، وسعاد السمان، والدكتور فخر الدين قباوة، ومحمد الحسناوي، ومحمد ناشد، وعمر شوقي زين العابدين، ورياض كمال، والشيخ طاهر خير الله، والمحامي الشماع،…

في إدلب: الشيخ نافع شامية، والدكتور عادل سفلو، والمحامي جلال حسون، والمدرس إبراهيم الديب، والمدرّس أحمد قطيع،…

في حماة: الحاج ياسين كعيد، وشاهر خلوف، وعبد المعين حزواني، والحاج مصطفى دبيس، والشيخ عبد الحميد الأحدب، والحاج بديع عدي، والمهندس رامي علواني، والمدرس سعيد مشهور، والشيخ مروان حديد، وعبد الله السفاف، والحاج علي خير الله،…

في الساحل: الشيخ مصطفى الأعسر…

في حمص: تم اعتقال عشرين مواطناً في سجن (القلعة) الذي كان مسؤولاً عنه آنذاك (جمال طيارة) نذكر منهم: المدرس عبد الإله شربك، وعبد الوكيل صافي، وعبد القادر تدبير…

في دير الزور: الدكتور حسن هويدي – المدرس أمين شاكر، المدرس إبراهيم الطه، المحامي زكريا الجابر، المدرس صالح طعمة، ثابت غريب، المدرس إبراهيم سلطان، المدرس حسين حسيني، المهندس رمضان عبود، مفتي الميادين العلامة محمود مشوح.

13- وقوع كارثة هزيمة حرب الخامس من حزيران في عام 1967 م، التي ضاعت فيها هضبة الجولان الجبهة المنيعة جداً، حين أمر وزير الدفاع (حافظ الأسد) الجيشَ بالانسحاب الكيفي من الخطوط الأمامية وجعل نقطة الازدلاف مدينة حمص، بما يعني التخلي عن العاصمة دمشق، بعد أن أعلن في الإذاعة ببلاغٍ عسكريٍ رسميٍ ممهورٍ باسمه (وزيراً للدفاع) وبتوقيعه.. سقوط عاصمة الجولان: (القنيطرة)، بيد الجيش الصهيوني، وذلك قبل سقوطها فعلياً بثمان وأربعين ساعة. أضف إلى ذلك نزوح كبار الضباط عن العاصمة إلى قراهم قبيل الحرب.

14- إسراع حكومة البعث بإعدام الجاسوس الصهيوني (إلياهو كوهين) 18/5/1965 م، بعد افتضاح علاقته برموز السلطة، وذلك تغطيةً لمن وراءه.

15- تنظيم الحزب الحاكم ميليشياتٍ عمالية وجمعيات فلاحية ومنظماتٍ طلابية مسلَّحة (سميت بالحرس القومي)، وشحنها بمبادئه وأهدافه المعادية للإسلام والمسلمين، وبأحقاده ضد أبناء الوطن المخالفين له بالرأي.. ومن شعاراتهم التي رفعوها: (هات سلاح وخذ سلاح.. دين محمّد ولّى وراح)!..

16- صدور قراراتٍ عن المؤتمر القطري الثامن ل حزب البعث المنعقد في عام 1965 م، التي (تعتبر الحركات الإسلامية وخاصةً حركة الإخوان المسلمين ظاهرةً خطيرة، وأنّ الموقف منها ينبغي ألا يكون مقتصراً على الأسلوب العادي الذي يُتَّبَع مع الحركات التقليدية)!..

17- تصريح الضابط (حافظ الأسد) من (ثكنة الشرفة) في حماة عام 1964 م، بأن نية الحزب تتجه باتجاه تصفية المعارضين جسدياً، حين قال: (سنصفّي خصومنا جسدياً)!..

18 – قتل العميد الدمشقي (كمال الدين مقصوصة) عام 1967 م، وذلك برميه من نافذة مكتبه في مديرية التجنيد العامة بدمشق وإشاعة انتحاره، لاعتراضه على حصر الدعوة للاحتياط في الجيش لأبناء مناطق محددة في سورية (جبل العلويين)، وصرف الدعوة عن أبناء مناطق أخرى بمنهج طائفي.

ثانياً: وقوع بعض الصدامات بين الإسلاميين من جهة.. وبين السلطات البعثية الحاكمة من جهةٍ ثانية، ومن هذه الصدامات:

1- اندلاع ثورة حماة الأولى (ثورة جامع السلطان) في نيسان عام 1964 م، التي استشهد فيها أكثر من خمسين شخصاً من الإسلاميين، من مثل: (عبد الله المصري، و منقذ صيادي، و توفيق مدني، و محمود نعيم، و..)، وخرج عدد كبير منهم إلى العراق، من مثل: (الشيخ سعيد حوى، و عثمان الأمين،..)، وحُكِمَ على بعضهم بالإعدام، من مثل: (مروان حديد، و عبد الجبار سعد الدين، و..)، وهُدِمَ جامع السلطان بالسلاح وقصف الدبابات فوق رؤوس المصلين!..

2- تصدي مجموعاتٍ من الإسلاميين (كتائب محمد) للسلطة في عام 1965 م، بعد اقتحام الحرس القومي الجامعَ الأمويَ في دمشق بالدبابات والسلاح، وسقوط العشرات من القتلى والجرحى داخل الجامع الأموي، من الذين كانوا فيه للصلاة، واعتقال المئات من وجوه البلد و الشباب المسلم، مثل المحامي محمد بن كمال الخطيب (حفيد بطل ميسلون يوسف العظمة) و عبد الرحيم الطباع، وخروج بعضهم إلى لبنان كضابط أمن جبهة الجولان: مصطفى خليل بريز مؤلف من (ملفات الجولان) و(سقوط الجولان)،الذي تعرض بدوره بعد ذلك بسنوات للاختطاف، والإيداع في سجن تدمر العسكري طوال ربع قرن.

3- الاضطرابات والاحتجاجات الدامية التي وقعت في عدد من المدن السورية الكبرى، بسبب مقالة(إبراهيم خلاص) التي تتطاول على الذات الإلهية في نيسان 1967 م.

لقد أفرزت هذه الفترة من تاريخ سورية (1963-1970 م) وضعاً سياسياً شاذاً، فقد انتُهكَت الوحدة الوطنية بصورةٍ بشعة، وبدأ الطائفيون يتخندقون حول الحكم البعثي، إلى أن انتهت مقاليد الأمر إلى اللجنة العسكرية الطائفية الثلاثية (عمران وجديد والأسد)، فاستأثر أعضاؤها بحكم سورية -حقيقةً وواقعاً- من بابها إلى محرابها؟!.. ثم وقعت التصفيات بين رؤوس مثلث الطائفيين العلويين، فآلت الأمور أخيراً إلى (حافظ الأسد)، الذي حوّل الحكم في سورية إلى حُكمٍ عائليٍ وراثيٍ بشكلٍ مطلق، بعد أن أطاح ب محمد عمران و صلاح جديد، بعد انقلاب البعثيين على حلفائهم الناصريين وإحباط انقلاب تموز 1963 م، وشن حملات الإعدام والتسريح عليهم (أي على الناصريين)، ثم الإطاحة برئيس الجمهورية البعثي (أمين الحافظ) بالقوة في عام 1966 م!..

ثالثاً: تبلور الصراع واشتداده في عهد حافظ الأسد (1970-2000م)

لقد بيّنا آنفاً، أنّ حزب البعث قفز إلى السلطة عن طريق تغلغله في الجيش، وأنّ شرائح من الأقليات تغلغلت في الحزب والجيش، ثم قفزت شريحة علوية، من الذين لا تتجاوز نسبة طائفتهم (8%) من عدد سكان سورية.. قفزوا إلى الحزب والجيش والسلطة، ثم قفز وزير الدفاع (حافظ الأسد) لاستلام الحكم، بعد أن قام بمجموعة تصفياتٍ ضد منافسيه وشركائه، منها:

1- قام بتاريخ (16/11/1970 م) بانقلابٍ عسكريٍ داخل السلطة الحاكمة، اعتقل بموجبها -بالتعاون مع مؤيديه- العناصر المناوئة له من كبار رجال السلطة، على رأسهم: رئيس الجمهورية (نور الدين الأتاسي)، واللواء (صلاح جديد)، ورئيس الوزراء (يوسف زعيّن)، ثم دعا الشعب (أي حافظ الأسد)، لانتخابه مرشحاً وحيداً لرئاسة الجمهورية!..

2- احتل الانقلابيون بقيادة (حافظ الأسد) مكاتب الحزب والمنظمات الشعبية.

3- أمر الأسد باعتقال قادة الحزب، خاصةً أعضاء المؤتمر القومي الاستثنائي، الذين كانوا قد أعفوه مع زميله رئيس الأركان (مصطفى طلاس) من منصبيهما، وقد هرب من استطاع الهرب من أعضاء المؤتمر المذكور إلى لبنان.

4- تخلّص من رئيس مخابرات الأمن القومي (عبد الكريم الجندي)، وادعى انتحاره.

5- دبّر بتاريخ (4/3/1972 م)، اغتيال شريكه في اللجنة العسكرية الثلاثية (محمد عمران)، في (طرابلس- لبنان).

منذ سيطرته على رأس هرم السلطة، بدأ (حافظ الأسد) بصياغة المجتمع السوري صياغةً مخالفةً لدين الشعب وعقيدته وتوجّهاته الفطرية الإسلامية، باتجاه التغريب والضلال والفساد والانحراف عن الإسلام، فكرياً وثقافياً وعقدياً وتعليمياً وإعلامياً وتربوياً واجتماعياً وأخلاقياً، وسخّر أجهزة الدولة وأجهزة الحزب كلها لسلخ الأمة عن قِيَمِها وإسلامها!.. ولفهم حقائق الصراع مع النظام الحاكم في هذا العهد (منذ عام 1970م)، وتسهيلاً للتقصي والبحث.. فإننا سنجزّئ هذه المرحلة من الصراع ما بين الإسلام والنظام الحاكم، إلى ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى (1970-1979 م): تكامل عوامل الصراع

2- المرحلة الثانية (1979-1982م): الانفجار الشامل

3- المرحلة الثالثة (1983-2000 م): الصراع السياسي والإعلامي والأمني