الرئيسية / أقلام وآراء / المشروع الإيراني في سوريا
m-zahed-gool-13

المشروع الإيراني في سوريا

لم يكن التدخل الإيراني في سوريا وتقديم المساعدة السياسية أو الأمنية أو العسكرية لحكومة بشار الأسد على أساس الفزعة العشائرية، ولا على قاعدة النصرة الطائفية، ولا على أساس اتفاقيات الدفاع المشترك بين الدولتين فقط، وإنما على أساس أن الدولة الإيرانية لها أطماعها الحقيقية في سوريا، بداية باعتبار الشيعة العلوية في سوريا من رعايا أو تابعية الدولة الإيرانية المذهبية، مثل شيعة لبنان أو العراق، واعتبارهم رعايا المرجعية المذهبية في قم، وهم يستندون إلى سابقة دولية تتفهمها أمريكا وأوروبا وروسيا، مثل تابعة المسيحيين السوريين للكنيسة الكاثوليكية الغربية أو تابعيتهم للكنيسة الأرثوذكسية الشرقية، سواء في سوريا أو غيرها من البلاد العربية والإسلامية، فهؤلاء مواطنون سوريون ولكن تابعيتهم للكنيسة أمر تقر به الحكومات السورية، وقد عملت إيران ومن خلال تفاهماتها مع أمريكا سواء قبل احتلال أفغانستان أو بعد احتلال العراق عام 2003 على ذلك.
وقد توافق ذلك مع الرغبة أو الخطط الأمريكية بتقسيم العراق وسوريا وغيرها، فأمريكا عملت لأن يكون لإيران نفوذا في البلاد العربية حيثما يكون لها تابعية مذهبية شيعية في هذه البلاد، ليس بحكم التعاون العسكري والاستخباراتي بين الدولتين في حربي أفغانستان والعراق، وإنما بحكم رغبة أمريكا بإشراك إيران في إدارة بعض البلاد العربية، وذلك للتمهيد لتنفيذ مخططات تقسيمها، وبالأخص العراق وسوريا والسعودية، ومن حظ أمريكا أن إيران تشاركها هذه الأطماع في هذه الدول.
وقد نجحت أمريكا وإيران في استغلال الثورات الشعبية بعد عام 2011، في تسريع عملية التقسيم، وقد وجدت في إيران شريكا يمكن الركون عليه، فأخذت أمريكا بالتفاهم مع إيران باسم الاتفاق النووي وإطلاق يد حرسها الثوري وأحزابها السياسية مثل حزب الله في لبنان للعبث في المنطقة، وتهيئتها للتقسيم الذي تخطط له مراكز الدراسات الأمريكية منذ عام 1974 فيما عرف بمؤتمر كولورادو، وقد وافق عليه البنتاجون الأمريكي وتبناه عام 1986، في إستراتيجية الانتشار العسكري الأمريكي في العالم، لضمان هيمنة أمريكا على العالم طوال القرن الحادي والعشرين، بعد ظهور بوادر التراجع والانهيار العسكري والسياسي للاتحاد السوفيتي، وقد رأى البعض بأن إيران استطاعت أن تجد لها موطئ قدم في خدمة المشروع الأمريكي التوسعي في العالم، والتقسيمي للبلاد العربية المحيطة أو المهددة للكيان الصهيوني إسرائيل، بينما فشلت الدول العربية في ذلك، وحيث إن إيران لا تستطيع التحرك في البلاد العربية بحرية، ودون ممانعة ومقاومة عربية، حاولت أن تكسب لجانبها الأقليات الشيعية في البلاد العربية في العراق وفي لبنان وفي سوريا وفي السعودية وفي اليمن وفي البحرين وفي غيرها، فأخذت الضوء الأخضر من أمريكا أولًا، ورفعت شعارات أمريكا في الدفاع عن حقوق الإنسان الشيعي في هذه البلاد ثانيًا، بأسماء وأوصاف تنطلي على الشيعة أنفسهم، مثل حقوق المستضعفين، أو حماية المراقد التي تدعي إيران أحقيتها برعايتها الطائفية، وغيرها من شعارات المقاومة وتحرير فلسطين وإنقاذ القدس وغيرها.
وفي هذا السياق تلجأ إيران الآن لاصطناع مشكلة وأزمة سياسية مع المملكة العربية السعودية حول أداء مناسك الحج، لإيجاد مبررات لها للتدخل في السعودية ودول الخليج الأخرى، بحجة حرية تأدية الشعائر الدينية، وهذا أمر لن تعارضه أمريكا، لأنه يخدم الإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط الموضوعة منذ عام 1985 بتقسيم البلاد العربية.
إن إيران مع إدراكها لأهمية دورها في التدخل في الشؤون العربية في الإستراتيجية الأمريكية، إلا أنها لا تعمل على أن تكون مجرد أداة فيها، وإنما هي تعمل لتكون شريكا وصاحبة نفوذ حقيقي عند نجاح المشروع الأمريكي في تقسيم بعض البلاد العربية، وكأنها تريد حصة في تقسيم التركة العربية، وقد نجحت في تحقيق مصداقيتها لأمريكا حتى الآن في العراق، واستطاعت أن ترث العراق من الاحتلال الأمريكي، بعد أن دعمت إيران تنظيم القاعدة والمقاومة العراقية في مقاومة الاحتلال الأمريكي، لأنها تريد إبعاد الاحتلال الأمريكي عن أراضيها أولًا، وتريد إخراج أمريكا من العراق والتفرد بحكم العراق مع ضمانها للمصالح الأمريكية فيه ثانيا، وهو ما وافقت عليه وزارة الدفاع الأمريكية ثالثًا، فقامت الإدارة الأمريكية بنقض تعهداتها مع العراقيين السنة في تقاسم السلطة في العراق، بل تركت أمريكا العراق لسيطرة الحرس الثوري الإيراني بحجة محاربته للإرهاب السني، المتمثل بالقاعدة ثم بداعش أو غيرها من المسميات التي شاركت إيران أمريكا بتأسيسها أولًا، ثم بشيطنتها ثانيًا، ثم جعلها ذريعة لتدمير المنطقة وتقسيمها ثالثًا.
إن ما اتبعته إيران في سوريا لا يختلف عن ذلك، حيث لا يوجد شيعة اثنى عشر في سوريا، فقد عمدت إيران إلى شراء الممتلكات والأراضي قرب المراقد المذهبية التي تدعي حق رعايتها على طريقة الرعاية الكنسية الأوروبية، وهي تدعي حماية نظام حكم الأسد، وهي أي إيران تقوم بتوقيع حكومة الأسد على اتفاقيات اقتصادية وديون تستملك من خلالها مئات الشركات السورية، وأخيرا عملية ترحيل أو تهجير السوريين السنة من الأراضي التي تخطط لها إيران أن تكون مستعمرة إيرانية شيعية تسمى سوريا المفيدة أو دولة سوريا الساحلية، وما اتفاق داريا التي أشرفت عليها أمريكا من خلال الأمم المتحدة لترحيل (8000) مواطن سوري من داريا إلى إدلب وغيرها إلا تنفيذا لهذا الاتفاق الإيراني الأمريكي، وقد سبقته اتفاقيات في القصير وإخراج أهلها منها في منتصف 2013، وأخرى في حماة والقلمون والزبداني وغيرها، وسوف يتبعه اتفاقيات تهجير أخرى سلاحها التخويف والتجويع والحصار حتى الموت وأكل الجيفة والحيوانات، ولا خلاص لهم إلا بترك البيوت والمنازل والرحيل عنها إلى حيث توافق إيران بإشراف الأمم المتحدة أو الولايات المتحدة.
وهذا يعني أن سوريا المفيدة ليست مشروع تقسيم لسوريا بين السوريين فقط، وإنما تقسيم سوريا بين الإيرانيين والأكراد وما يتبقى من العرب، وما يهم أمريكا ليس الدفاع عن حقوق القسم العربي من سوريا، وإنما ضمان أن يكون القسم الإيراني سواء رأسه بشار الأسد أو حكومة أخرى تابعة لإيران لا تمثل خطرا على المصالح الأمريكية ولا الأمن الإسرائيلي، وكذلك الحال في القسم الذي تعمل أمريكا لجعله كيانا كرديا، بأن يكون أيضًا تابعا للنفوذ الأمريكي أولًا، وغير خطر على الأمن الإسرائيلي ثانيًا، ولا يهم أمريكا مدى خطورته على الأمن القومي التركي، وهو ما جعل الحكومة التركية تختلف مع الإدارة الأمريكية في سوريا، وأن ترفض فكرة التقسيم، وأن ترفض كل محاولات التطهير العرقي أو الطائفي، فإيران تقوم بترحيل أسر شيعية من جنوب العراق لإسكانها في دمشق، لأسباب عنصرية طائفية، والأحزاب الكردية قامت بترحيل العرب والتركمان من قراهم لأسباب قومية عنصرية، وهذا عبث دولي في سوريا تشارك فيه إيران والأحزاب الكردية الإرهابية، وبينما تجد تركيا نفسها مضطرة لرفضه دفاعا عن أمنها القومي، ودفاعا عن الشعب السوري، لا يزال الموقف العربي يتردد في ترجيح أولوية الصراع في اليمن أو في سوريا أو العراق، وكلها تهديدات مباشرة استفحلت بسبب التردد في مقاومتها في الوقت المناسب.
الشرق القطرية

شاهد أيضاً

7essen-abdelazeez-70

موقع الرقة في معادلة الصراع السوري

لا شك أن هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في الرقة تشكل تحولاً مهماً على صعيد موازين …