الرئيسية / فكر ودعوة / نحن أُمة مسلمة، لا أهل السنة والجماعة!
a7mad-esma3eel-s3oud-2

نحن أُمة مسلمة، لا أهل السنة والجماعة!

أفكر أحياناً بذلك المسوّغ الذي جعل الكبار يفكرون بعقل الصغار، والأمة تتقزّم لتتجلى بصورة طائفة، من الذي جعل الأمة المسلمة تستبدل الاسم الذي سمّاها الله به، لتتحوصل في كيان يسيء لها حين يجعلها قسيماً لطوائف مارقة!
يظلمون ابن عباس إذ يلصقون به طوأفتهم، ويحملونه وزر فهمهم لتفسيره آية من كتاب الله، أرادوا جعلها عنوان بدعتهم! فقد تكلّم رضي الله عنه عمّن تبيض وجوههم وتسود وجوههم، ففسر صفة المتقين الذين تبيض وجوههم بأنهم أهل السنة والجماعة، وهم كذلك، وأهل التوحيد، وأهل التقوى، وأهل الصبر والبذل، وأهل الجدّ والاجتهاد والجهاد، فهل ثمّة حديث عن طائفة في كل ذلك؟ وكيف يتسنّى الحديث عن طيف واسع بأنه طائفة، لم يزالوا يضيقونها، ويقصون منها، ويهمّشون، حتى غدت أقزم من عدد من الطوائف!
قبل ثلث قرن سأل سفر الحوالي ردّا على محمد علي الصابوني في مجلة المجتمع: هل الأشاعرة من أهل السنة والجماعة؟ فأخرجهم، ثم كانت مادة مفاصلة لكتب الصابوني، وطبع مقاله في رسالة مستقلة! وقبل أيام اجتمع أحمد الطيب ومن جمعتهم غروزني برعاية روسية ليخرجوا السلفية من أهل السنّة والجماعة، ولا يزال سيف السلطان هنا وهناك يمارس وصايته وإقصاءه لكل مختلف ومخالف، تحت طائلة: كلها في النار إلا واحدة!
باسم الجماعة تمزقت الأمة شيعاً وطوائف! وباسم السنّة تقزّم المنهح حتى غدا عنوان طائفة، مع أنه يفترض أن يكون عنوان الأمة، ونجح الشيطان في أن يحرّش بيننا، منذ قبلنا قبل قرون أن نجعل الجماعة فرقة من فرق الأمم لا جماعتهم، وأهل السنّة طائفة من طوائفها، وكان المفروض أن تكون طيفهم جميعاً، فما كان من مصلحة أحد أن نحتكر السنّة، فنحشرهم في زاوية معاداتها! لكننا بطوأفتنا جميعاً رضينا أن نكون أوصياء على السنّة ونقصيه، ورضي أن تكون حربه للسنّة فشرد وأبعد!
ومضت آلة الإقصاء والوصاية حتى وصلت داخل البيت الذي يسمّى سنّياً، تارة يتسلّط المعتزلة على شركائهم في البيت السنّي، فيستعينون بالمأمون والمعتصم للتنكيل بمخالفيهم، والمختلفين معهم! وتارة يتسلّط الأشاعرة على شركاء البيت، ويستعينون بسلاطين المماليك للتنكيل بمخالفيهم والمختلفين معهم! وتارة يتسلّط الماتوريدية الأحناف والمتصوّفة على شركائهم، فيحاربون المخالف والمختلف.. وتارة يتسلّط الوهابيون على شركاء البيت، فيحاربون بسيف السلفية ما يسمونه بدع وشركيات خصومهم، مستعينين بالسلطان أيضاً! فهل عجيب أن تخرج من هذا النسيج المسرطن المتشظي دعاوى المجتمعين مؤخراً في غروزني، وهم يخيطون مذهب أهل السنّة والجماعة بمقاسهم، حتى لا يسع غيرهم؟!
الوحدة الإسلامية، وكم نعاني من آثار ابتذالها كشعار للتفرقة لدى بعض الطائفيين، لكنها تبقى أصلاً من أصول الإسلام، فكلمة التوحيد وتوحيد الكلمة صنوان، والمرتد عن الدين حقيقة هو الكافر بهما معاً، (التارك لدينه المفارق للجماعة). ارتدّ الناس في عهد أبي بكر لما فرقوا صفّ الأمة، وفرّقوا بين شعائرها، ونحن في ردّة اليوم بذات المعايير، ولكنها ردّة لا أبا بكر لها! وحين يقبل الثور الأسود والأحمر أن يأكل أخيهم بمؤازرتهم، فلات حين مندم أن يقال: (أكلنا يوم أكل الثور الأبيض)!
(إني خشيت أن تقول فرقت بين بني “إسرائيل” ولم ترقب قولي) كانت معذرة هارون لأخيه موسى عليهما السلام حين اخذ برأسه ولحيته تعنيفا على عدم تغيير منكر عبادة العجل!
سمّى الله سبحانه تنازع الجماعة المؤمنة كفراً، فحين تنازع بعض الأوس والخزرج بتحريش يهودي يعرف أيامهم الجاهلية وعصبياتهم القديمة، أنزل الله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ. وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ الله وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِالله فَقَدْ هُدِيَ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) وما أقساه من تعنيف: (وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله)!
من هنا وجب علينا أن نتبرأ من مخرجات مؤتمر غروزني لا لكونه أخرج من أهل السنّة والجماعة مجموعات من شركاء هذا الفرز بإيحاء من سلطان ما، لأغراض ضرار، لا تخلو من أبعاد سياسية! ولكننا نتبرأ من أصل فكرة هذا الفرز الذي أغرى بعضنا ببعض، وجعل للشيطان مدخلاً للتحريش بيننا، فنحن أمة واحدة، أمة لها طيف واسع، لا طوائف، وبياضها وصفاؤها لا يكون بغير امتزاج هذه الأطياف جميعاً، ووجودها جميعاً، فاختلافها قدري، وجمالها في تعدديتها، وقوتها في احتوائها وتسامحها، مثلما كان مقتلها في وصايتها وإقصائها!
وحتى تلك المجموعات المبتدعة، فنحن نتبرأ من البدعة، لكننا لا نعزلها بها عن سياج الأمة الواحدة، ولا نضطرها لمفاصلة هويتها الثقافية، فكلنا أهل قبلة واحدة، نعتزّ بالإسلام ديناً، وبالرسول صلى الله عليه وآله وسلّم نبياً، وبالقرآن الكريم كتاباً، إلا من أبى! ولا نعمّم القدح والذمّ، ولا نقول لمن ألقى إلينا السلام: لست مؤمناً!
ربّ ضارة نافعة، (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، فلو استفدنا من درس مؤتمر الضرار حاجتنا للوحدة لكان درساً رائعاً يكفينا اسثماره في تقوية الصف المسلم لمواجهة الكيد العاتي بسلاح الصبر والتقوى، (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ).
أعجب ممن يفرّق صفّ الأمة حتى لا يكاد يعترف بوجودها لبدعة ابتدعها، أو ابتدعت لها، فمرّ عليها تقليداً وتعصّباً! وأعجب أكثر ممن يفرّق صفّ الأمة لسنّة يزعمها، وتوحيد يتخذه عضين، فإذا هو يمزّق السياج بدعوى غيرته على جناب التوحيد! وكم من مدّع للتوحيد يسعى حثيثاً للتفريق والتمزيق، والتدقيق والتضييق، حتى لا يكاد يجد في أمّة المليار بضعة أصفار يزعمهم أهل المنهج والفرقة الناجية والطائفة المنصورة، ثم يواسي نفسه بطوبى للغرباء، وقليل ما هم!
ونسي أن من يتبع غير سبيل المؤمنين، ويخرج على جماعتهم، فهو ضال شاذ، فالأمة ميزان الاعتدال، ولا تجتمع على ضلالة، وكل انتماء يمزّق لحمة الأمة يجب أن تتبرأ منه، فالولاء للأمة لا للمذهب والطائفة، وهذا لا يعني التبري من مسمى أهل السنة والجماعة الذي استخدمه ابن عباس وغيره، فهذه أسماء تعريفية في سياقها، فنحن أمة الإسلام أهل الهداية، وأهل التوحيد، وأهل السنة والجماعة، وأهل الإصلاح، وأهل القرآن، لكننا لا نقبل أن يتخذ اسم من هذه الأسماء عنواناً لتحزّبنا ومفاصلتنا غيرنا من أهل الإسلام، فنحن مسلمون فقط، وأمتنا أمة مسلمة فحسب!
(رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ). (مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ). وكل حمية دون ذلك فهي ردّ.
مدونات الجزيرة

عن أحمد إسماعيل سعود

wavatar
باحث في السياسة الشرعية

شاهد أيضاً

kameess-alnnaqeeb-37

نسمات إيمانية رمضانية (1).. حفاوة الاستقبال

ضيف كريم طالت غيبته، وافد عزيز أوشكت عودته، زائر رحيم حلت زيارته، فإن لكل غائب …