الرئيسية / أقلام وآراء / يافعون في قيادة العمل الإنساني!
a-rasheed140

يافعون في قيادة العمل الإنساني!

قرأتُ قبل مدة وجيزة قصة نجاح لطفل فلسطيني مقيم في كندا عمره تسع سنوات استطاع كفالة أسرة سورية لاجئة، بعد أن قام بإحضارها لكندا، واتخذ من ابنها أخا له، رغم أن لديه من أسرته أخوان أصلاً.
بدأت القصة بتأثر الطفل الفلسطيني بما يعرض عبر وسائل الإعلام من معاناة أقرانه من الأطفال السوريين الذين يتعرّضون للقصف والنزوح والتشرد، وفقدان أبسط مقومات الحياة والحقوق كحقهم في الأمن والأمان والتعليم وغيرها، وعزمه على فعل شيء يسهم في تخفيف معاناتهم.
العملية استغرقت عدة شهور وربما سنة أو أكثر، واحتاجت إلى جهد ودأب شخصيين، ومساعدة من أسرته، وتواصل مع المحيط وتسويق اجتماعي لهذا العمل الإنساني، فقد بدأ الطفل بادخار شيء من مصروفه، ثم وضع حصالات نقود في عدد من المحلات والمتاجر بمدينته، ثم عمد في الأيام الأولى لشرح المهمة التي ينوي القيام بها للجمهور، واستغرق ذلك منه عدة ساعات، ثم تواصل مع بنوك ورجال أعمال حتى نجح في نهاية المطاف بإنجاز المهمة.
القصة تكشف أن بالإمكان إشراك الأطفال منذ نعومة الأظفار في أعمال وأنشطة خيرية وإنسانية، وأنهم قادرون على الإبداع في هذا المجال من خلال مبادرات فردية أو جماعية، واستثمار مهاراتهم المختلفة (التواصل، التسويق، التمويل، اللوجستيك..) فضلاً عن التطوع بالوقت والجهد والمال والقدرات، للوصول للهدف.
ليست هذه القصة الأولى، ولن تكون الأخيرة في مساهمة الأطفال في العمل الإنساني عبر العالم، فقد عرفت عن قرب تجارب أخرى شارك فيها أطفال عرب بأعمال إغاثية ميدانية في المخيمات، أو إنجاز مشاريع تنموية كبناء مدارس وحفر آبار مياه وغيرها.
ما يهم خصوصاً ونحن مع بداية عام دراسي ألا تبقى مثل هذه الأعمال مجرد جهود فردية، أو أنشطة نادرة الحدوث، بل ينبغي أن تتحول إلى مبادرات ومشاريع مستدامة في برامج المؤسسات التربوية والهيئات الإنسانية على حد سواء، من خلال جهود تعاونية مشتركة، وأن يعاد النظر في تصميم البرامج والمشاريع في المنظمات الخيرية والتطوعية ليكون الأطفال والناشئة جزءاً أصيلاً فيها، بمساعدة ومشاركة الأسر.
على سبيل المثال لم لا يعاد النظر في برامج كفالة ورعاية الأيتام في المؤسسات الخيرية، كي يشارك أسر وأطفال الكافلين فيها بشكل عملي، بدلاً من اقتصار المهمة على دفع القيمة المالية للكفالة من قبل الكبار فقط، وليتضمّن الأمر تواصل زوجات الكافلين مع أمهات الأيتام من خلال وسائل التواصل الأخرى، وتبادل التهاني معهم في المناسبات والأعياد، وليشعر الأطفال بروح الأخوة عملياً، وأن لهم إخوة لم تلدهم أمهاتهم؟ ولماذا لا تكون هناك زيارات سنوية تنظمها الأسر الكافلة لرؤية المكفولين في بلادهم خلال الإجازات والعطلات بتنسيق مع المؤسسات الخيرية المشرفة عليهم، ليعيشوا معهم أياماً قليلة كجزء من التربية القيمية لأبناء الكافلين، ولإدخال السرور على قلوب الأيتام المكفولين؟ ولم لا تفكر الجمعيات الخيرية بتنظيم مثل الرحلات بالتنسيق مع الأسر أيضاً، ولماذا لا تطرح المدارس خصوصا في الدول الميسورة مبادرات سنوية تنافسية لكفالة الأيتام من قبل الطلاب، تتضمن التواصل معهم وتنظيم رحلات لهم بإشراف الإدارات.
وعلى مستوى التعليم وهو الجو القريب لعالم الطلاب، لم لا تتبنى إدارات المدارس ووزارات التربية والتعليم مبادرات يتم من خلالها كفالة أقرانهم من الطلبة الفقراء داخل بلادهم وخارجها، أو ترميم المدارس القديمة أو تقديم بعض الأجهزة الضرورية لمدارس ذوي الاحتياجات الخاصة..، على أن يقوم الطلبة المتطوعون بزيارات ميدانية إلى الدول المحتاجة لرؤية ثمرة عملهم الإنساني أو تقييم الاحتياجات أو المشاركة بصفة تطوعية بإنجاز بعض الأعمال الخيرية بأنفسهم، كتوزيع المعونات العينية مثل الحقيبة المدرسية؟ ولم لا تتوسع الجمعيات الخيرية في ترويج مشاريعها التي تخدم الأطفال والطفولة في أوساط الناشئة واليافعين لتكون لهم مشاركات مالية وتطوعية، تسهم في غرس قيم العمل الإنساني والخيرية في نفوسهم، والتنشئة عليها منذ الصغر، وتضيف للجمعيات رافداً تسويقياً إضافياً؟
ومما يزيد الحاجة للالتفات إلى هذا الجانب هو الأزمات والحروب التي تعاني منها عدة دول عربية في السنوات الأخيرة، حيث يعتبر الأطفال أكثر المتضررين منها، ويكفي أن أدلل على ذلك بإحصائية جديدة لمنظمة إنسانية دولية تشير إلى أن 750 ألفاً من أبناء اللاجئين السوريين في الأردن ولبنان وتركيا خارج التمدرس.

عن علي الرشيد

wavatar
كاتب سوري

شاهد أيضاً

kameess-alnnaqeeb-37

نسمات إيمانية رمضانية (1).. حفاوة الاستقبال

ضيف كريم طالت غيبته، وافد عزيز أوشكت عودته، زائر رحيم حلت زيارته، فإن لكل غائب …