الرئيسية / فكر ودعوة / قراءة في كتاب: السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية لابن تيمية
ali-al3toom-59

قراءة في كتاب: السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية لابن تيمية

كتابٌ في مائة وثمانٍ وستِّينَ صفحةً، نشر دار الكتاب العربي بمصر الطبعة الرابعة سنة 1969م. وهو كما يقول مؤلّفه: (رسالة مبنيّة على آية الأمراء في كتاب الله، وهي قوله تعالى: إنّ الله يأمركم أن تؤدّوا الأماناتٍ إلى أهلها، وإذا حكمتم بين النّاس أن تحكموا بالعدل) . وهذه هي المرّة الثانية التي أقرأ فيها الكتاب، إذْ كانت الأولى قبل ما يقرب من أربعين عاماً. وقد دعاني لقراءته مجدَّداً ما يدور في هذه الأيّام من المناداة بالدّولة المدنية والفصل بين السياسي والدّعوي في محيط الحركة الإسلامية. ومعلومٌ أنّ ابن تيمية (661-728ه) رحمه الله، هو شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الحرّاني الدمشقي النَّمَري الحنبلي، من أشهر علماء السّلف ودعاة الإصلاح في عصره.

يقوم الكتاب على أنّ المقصود من خلق الخلق عبادةُ الله، لقوله سبحانه: (وما خلقت الجنّ والإنس إلاّ ليعبدونِ). وعبادته تعني الأخذ بدينه عملاً بما أمر وكفّاً عمّا زجر. وحتّى يستقيم هذا الشّأن في واقع الحياة، لابدّ لهم من أميرٍ يقيمه فيهم. ومن هنا يقول رحمه الله: (وولي الأمر إنّما نصّب ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وهذا هو مقصود الولاية) ويردف: (ومتى اهتمّت الولاة بإصلاح دين النّاس صلح لهم دينهم ودنياهم، وإلاّ اضطربت الأمور عليهم) . ودنيا النّاس هي معايشهم . وهي ممّا يجب أن تُساس – حتّى تستقيم أمورَهم – بالدّينِ بحيث يقدّم فيها المرء مصلحة أخراه على مصلحة دنياه، فيسعد وإلاّ فهو الشّقاء. ويستشهد ابن تيمية على ذلك بقوله صلّى الله عليه وسلّم – كما جاء في التّرمذي –: (من أصبح والآخرةُ أكبر همّه، جمع له الله شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدّنيا وهي راغبة، ومن أصبح والدّنيا أكبر همّه فرّق الله عليه ضيعته، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدّنيا إلا ما كُتب له).

ومن أولى واجبات وليّ الأمر أن يقيم شرع الله في رعيّته. ومن هنا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يقول للمسلمين: (إنّما بعثت عمّالي إليكم ليعلّموكم كتاب ربّكم وسنّة نبيّكم، ويقيموا بينكم دينكم). ولا شكّ أنّ أهمَّ معالم الدّين التي يجب أن تُقام، العباداتُ وعلى رأسها الصّلاةُ، لأنّها عماد الدّين. ولذا (لمّا بعث النّبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن قال له: يا معاذ، إنّ أهمّ أمرك عندي الصّلاةُ). وذلك لأنّها عمود الإسلام، من أقامها فقد أقامه، ومن هدمها فقد هدمه. ومثل الصّلاة بقيّة العبادات وهي أركان الإسلام التي لا يقوم بدونها، وإلاّ فعلى الوالي قتالُ من أنكرها. يقول ابن تيمية في هذا: (فالواجب على ولي الأمر أن يأمر بالصلوات المكتوبات جميعَ من يقدر على أمره، ويعاقب التّارك بإجماع المسلمين، فإن كان التّاركون طائفةً ممتنعةً قوتلوا على تركها، وكذلك يقاتلونهم على ترك الزّكاة والصّيام وغيرهما).

ويستشهد ابن تيمية على هذا الحكم بقوله تعالى: (وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ، ويكونَ الدّين كلّه لله). بمعنى أن يُخلَصَ السّلطانُ لله وحده، ويُخلع ما دونه من أندادٍ. كما يستشهد بقوله تعالى: (وأنزلنا الحديدَ فيه بأسٌ شديدٌ ومنافعُ للنّاسِ، وليعلم اللهُ من ينصُرهُ ورسلَه بالغيب، فمن عدل عن الكتابِ قُوِّمَ بالحديد. ولهذا كان قِوام الدّين بالمصحف والسّيف. وقد رُوِي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قولُه: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن نضرب بهذا يعني السّيف من عدل عن هذا يعني المصحف). وهذا ما يسمّيه ابن تيمية الجهاد في سبيل الله، بقوله: (فالعقوبة على ترك الواجبات وفعل المحرّمات هو مقصود الجهاد في سبيل الله). ومن هنا ربط عليه الصلاة والسّلام – كما يستشهد ابن تيمية – بين الصّلاة وقتال العدوّ، بقوله – عندما كان يعود مريضاً –: (اللهمّ اشفِ عبدك يشهدْ لك صلاةً وينكأْ لك عدوّاً). ولأهميّة الجهاد – لإقامة أمر الدّين، كما يقول ابن تيمية –: (كانت السنّة أنّ الذي يصلّي بالمسلمين الجمعة والجماعة ويخطب فيهم، هم أمراء الحرب الذين هم نوّاب ذي السّلطان على الجُند) شريطةَ – حتّى يكون الجهاد أو القتال في سبيل الله – أن تكون كلمة الله هي العليا كما جاء في الحديث الذي يرويـــــه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، عنه عليه الصلاة والسلام.
ومن هنا يُروى – كما يذكر ابن تيمية – (أنّ السلطان ظلّ الله في الأرض). ومن هنا جاء كذلك – كما يذكر ابن تيمية في سنن النسائي وابن ماجة عن أبي هريرة – أنّه صلى الله عليه وسلّم – قال: (حدٌّ يعمل به في الأرض خيرٌ لأهل الأرض من أن يُمطروا). وبالمقابل كانت جريمة الأمير إذا عطّل أمر الله وهو متمكّنٌ من إقامته، جِدّ نكراءَ كما يقول ابن تيمية: (من عطّل حداً وهو قادرٌ على إقامته فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً) أي لا توبةً ولا فديةً. وفي هذا خيانةٌ لله ورسوله بعدم تأديته الأمانة التي أمر الله بها، وخاصّةً إذا كان هذا التعطيل نتيجة رشوةٍ أو شفاعة في حدٍّ وصل أمره إلى القاضي. فقد جاء في الأثر عن الأول: (إذا دخلت الرشوة من الباب خرجت الأمانة من الكُوّة). وعن الثاني: (إذا بلغت الحدودُ السلطانَ، فلعن الله الشافِعَ والمشفِّعَ) يعني الوسيط وقابل الوساطة.

وإزاء إمكانية زيغ الأمراء عن تحكيم شرع الله في النّاس لسبب أو لآخر، ممّا يترتّب عليه من الفساد ما يترتّب، كان لابدّ أن ينهض من الأمّة من ينكرُ على هؤلاء انحرافَهم وخاصّةً العلماء، لأنّهم والأمراء إذا صلَحوا صلَحَ المجتمع كما يقول ابن تيمية – وهو يعد العلماء من أولي الأمر –: (وأولو الأمر صنفان الأمراء والعلماء) . فعلى كلٍّ منهما أن يتحرّى ما يقوله وما يفعله في طاعة الله ورسوله . وإزاء هذا كذلك وجب على من يتصدّى لإصلاح أمر النّاس أن يأخذ للأمر أهبته من إقامة حكم الله، وذلك بالعمل في سبيلين معاً: الالتزام بأمر الدّين في نفسه ومن معه ثمّ السعي للسلطان بما يساعد على تحصيله من علمٍ ومالٍ وسلاح، فهذا هو طريق النّجاح. وأمّا إذا سعى للسلطان وغفل عن الدّين أو ناهضه، ففي ذلك الطّغيان والفساد، وأمّا إذا اكتفى الناهض للأمر بأمر الدّين في نفسه خوفاً من السّلطان وما قد سيلحقه من الإيذاء نتيجة الدّعوة إلى تحكيم شرع الله، فإنّ ذلك عجزٌ يغري الأمير بالطّغيان في الرعيّة ويجرئه على إذلال الدّعاة . وفي هذا الشأن يقول ابن تيمية : (إذا كان المقصود بالسلطان والمال هو التّقرب إلى الله وإنفاق ذلك في سبيله، كان ذلك صلاحَ الدّين والدنيا، وإن انفرد السلطان عن الدّين أو الدين عن السلطان فسدت أحوال النّاس). وفي التّخوف من عناء حمل الدّعوة إلى الله لأمرٍ بمعروف ونهي عن منكر، ولاسيّما أمام الحكّام مما يجرؤ هؤلاء الأخيرين على استذلال الدّعاة وتمرّدهم في الطّغيان، يقول ابن تيمية: (وكذلك لمّا غلب على كثير من أهل الدّين العجزُ عن تكميل الدّين والجزع لما قد يصيبهم في إقامته من البلاء، استضعف طريقتَهم واستذلها مَنْ رأى أنّه لا تقوم مصلحته ومصلحة غيره بها) أي طريقتهم وهي إقامة الشّرع.

ويستأنف ابن تيمية مشنّعاً على الفريقين: الدّعاةِ الذين لم يستكملوا أمر دينهم بتحصيل القوّة له، والحكّام الذين طلبوا السّلطان بعيداً عن إنفاذ شرع الله، وذلك بقوله: (وهاتان السبيلان الفاسدتان: سبيل من انتسب إلى الدين ولم يكمله بما يحتاج إليه من السلطان والجهاد والمال، وسبيل من أقبل على السلطان بالمال والحرب ولم يقصد بذلك إقامة الدين، هما سبيل المغضوب عليهم والضّالّين). وأخيراً يرى ابن تيمية أنّ صاحب الملك إذا عمل المستطاع في القيام بالواجبات ومحاربة المحرّمات وصاحب الدّعوة إذا بذل وسعه لاستلام الحكم فلم يقدر عليه، فلا ضير على الاثنين في هذا الشأن، يقول في ذلك: (فالواجب على المسلم أن يجتهد في ذلك حسب وسعه. فمن ولِيَ الولاية يقصد بها طاعة الله وإقامة ما يمكنه من دينه ومصالح المسلمين، وأقام فيها ما يمكنه من ترك المحرمات لم يؤآخذْ بما يعجز عنه، فإنّ تولية الأبرار خيرٌ للأمّة من تولية الفجّار، ومن كان عاجزاً عن إقامة الدين بالسّلطان والجهاد ففعل ما يقدر عليه من النصيحة بقلبه والدعاء للأمّة ومحبّة الخير، وفعل ما يقدر عليه من الخير لم يكلّف ما يعجز عنه، فإنّ قِوام الدين بالكتاب الهادي والحديث النّاصر).

وأقول ختاماً: وهكذا على الدّعاة أن يثبتوا على مبادئ الإسلام التي لا تقبل غير تحكيم شرع الله في أمور الحياة، فلا يمالئوا الطّغاة ويرضوا بأنصاف الحلول ومداهنة الجاهلية، ويركنوا إلى الظّلمة، بل يستمرّوا في بذل الوسع من الجهد في الدّعوة إلى الله والنّصح حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً. فليس في دعوة الإسلام هذا التّفريق، إذ هذا لله وهذا لعبد الله أو هذا في دين الرحمن وهذا في دين السّلطان، فالكلّ يجب أن يكون في دين الرحمن، ومن ثمّ لنعُدَّ أيّة رابطةٍ أو مبدأ أو فكرة أو قانون غير رابطة الإسلام ومبدئه وفكره وقانونه جميعاً علائق بائرة، كما يقول ابن تيمية: (وكلّ ما خرج عن دعوة الإسلام بالقرآن من نسب أو بلد أو جنس أو مذهب أو طريقة فهو من عزاء الجاهلية). ويُلخّص ابن تيميه رحمه الله كلّ أقواله في رسالته بكلماتٍ يختم بها كتابه وهي: أنّ الدنيا يجب أن تكون في خدمة الدّين. ولننظر أخيراً إلى عظم قوله صلّى الله عليه وسلّم وزرايته على كلّ رابطة غير رابطة الدين بقوله: (ومن سمعتموه يتعزّى بعزاء الجاهلية فأعضُّوه هَنَ أبيه، ولا تكنُّوا)!!! الله أكبر، فهل بعد ذلك زرايةٌ على المبادئ المغايرة للإسلام أو الإنكار على السّياسات المخالفة لسياساته؟! وصدق الله العظيم: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنةٌ، أو يصيبهم عذابٌ أليم). وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين…

عن د. علي العتوم

wavatar
كاتب وداعية إسلامي أردني

شاهد أيضاً

kameess-alnnaqeeb-37

نسمات إيمانية رمضانية (1).. حفاوة الاستقبال

ضيف كريم طالت غيبته، وافد عزيز أوشكت عودته، زائر رحيم حلت زيارته، فإن لكل غائب …