الرئيسية / فكر ودعوة / أي حضارة وحشية هذه؟!
ali-al3toom-61

أي حضارة وحشية هذه؟!

إنها حضارة الرجل الأبيض، حضارة الرجل الروماني المتغطرس، حضارة معذِّبي الحيوان ومصارعي الثيران، رعاة البقر والتلهي بقتل البشر. إنها حضارة العبث والسادية، حضارة الكفر وعبادة الأوثان، الحضارة التي رأينا صوراً منها قديمة في غزو المغول والتتار لبغداد ودمشق وتحطيم العمران فيهما وتذبيح الأبرياء وبناء الأهرامات من جماجمهم، الحضارة التي شاهدنا شبهها أو أقسى منها في الحملات الصليبية الظالمة على الديار المقدسة في فلسطين وديار الشام.

إنها الحضارة التي يتبجّح بها هؤلاء، فإذا فتشتها فلن تجد تحتها إلا الخراب والدمار والرغبة الجامحة في سفك الدماء ونشر الموبقات واحتقاب الأحقاد على كل ما هو طاهر وشريف في هذا الكون. وإذا صادقنا على أنّ الحضارة أية حضارة تقوم على اتساع العمران والتقدم في مسائل العلوم، فإن الحقيقة تقول: إن ازدهار البنيان والترقّي في مجالات العرفان لا تقوم بهما وحدهما الحياة البشرية، إذ لا بد لها من شقٍّ آخر أهم هو الخُلُق السامي والفكر السليم والهدف النبيل مما يُبقِي على تقدمها ورفعة أمرها، وليس على الحقد مما لا يؤدي إلا إلى التدمير والخراب شأن هذه الحضارة.

إن هذه الحضارة بكل تأكيد تقوم على الوثنية أو الشرك في المعتقد، وعلى المكافيلية في السياسة، فالغاية عندها تسوّغ الوسيلة، وعلى الأبيقورية الكلبية في الكظِّ من الشراب والطعام والعبِّ من الشهوات والآثام، كما تقوم على فكرة التسلّط على الآخرين وازدرائهم، فهم في نظرها مخلوقات دونٌ، إن عاشوا فعبيداً وخدماً لأصحابها وإلاّ فليُزهقوا فلا أسى عليهم فهم حشرات لا حساب لهم ولا قيمة !! ولا ريب أنّ هذه المفهومات الواطية تشترك فيها اليوم دول الغرب وشرقي آسيا ممن يمثّل الصليبية الدولية والصهيونية العالمية والماسونية الأممية والوثنية البوذية ويتبعهم أصحاب السلطة في إيران ومن لفَّ لفّهم ممن يدّعون حُبَّ آل البيت وآل البيت منهم براء.

إنه بالإضافة إلى ما ذكرت من جرائم قديمة لأصحاب الحضارة هؤلاء ارتكبوها بحق العرب والمسلمين في العراق والشام ومصر والأندلس، أُذكِّر بجرائمهم في كل بلاد العرب والمسلمين غربيها وشرقيها في هذا العصر من احتلالها بالحديد والنار وتمزيقها إلى دويلات متنابذة، وإعطاء فلسطين درّة بلاد الشام لقمة سائغة لليهود المغتصبين عطاءَ من لا يملك لمن لا يستحق، ظلماً وعدواناً. وقد ظهرت شناعة أصحاب هذه الحضارة الفاسدة في هذه الآناء بحيث أربت على ما سبق من مخازٍ وبشائع، وذلك فيما يرتكبه تحالف دول الغرب وعلى رأسه روسيا وأمريكا تعاونهم الصين بوثنيتها وإلحادها وإيران بحقدها وعنصريتها، في حلب بلد العلم والأدب والجهاد والتاريخ الوضيء هي وقراها وبلداتها المنكوبة بأعداءٍ لئام. إنها حرب على التوحيد وانتقام من الموحِّدين، حرب إبادة ومحق بلا أدنى رحمة أو شفقة مما قد يوجد في الوحوش ولا يوجد فيهم، لأن قلوبهم في كل ذلك أقسى وألأم. وصدق الله العظيم: (ثم قَسَتْ قلوبُكُمْ من بعدِ ذلك فهي كالحِجارَةِ أو أشدُّ قسوةً).

نعم إنها حضارة ضجّت منها ومن أهلها لغشمهم ووحشيتهم الأرضُ والسماء، وجأرَ الناس منها ولاسيما الأبرياء من العجزة والنساء والأطفال بالشكوى لكل العالم، ولكنْ لا من سامعٍ أو مجيب، لأنها الحضارة التي يقودُ خُطا أهلها الكُفرُ بالله والضغن على الإنسانية والشهوة بتذبيحها وتقتيلها. أما أهل البلاد المنكوبة بأصحاب هذه الحضارة الخسيسة من العرب والمسلمين، فلم يعد لهم في العالم وزنٌ لأنهم أعرضوا عن دين الله، ووالوا أعداءه فكبَّهم على وجوههم. زعماؤهم رُتِّبوا منذ زمان – إلا من رحم الله – عملاءَ لهم ونُخبهم خُدِعَتْ عن نفسها ودينها، وخانت أوطانها وشعوبها، أو كانت مهيّأة أصلاً للخديعة لِبُور قلوبها من الإيمان، وعمى بصائرها عن الإحسان.

إن ما يجري في حلب تشيب لهوله سود النواصي، ويُميتُ القلوب ويُدمي النفوس، ويترك الحليم أكثر من مشدوهٍ وحيران. كيف يحدث هذا في أمة الإسلام ولا مُنجد أو مغيث، ولا رادّ ولا دافع، والكل يعطي بيديه، وقد لا يدفع عن نفسه حتى بالرّاح كما تفعل النساء!! فالساسة الذين بيدهم مقاليد الأمور صاروا أعداء شعوبهم، إن لم تعبدهم كعبادة الله سلّطوا عليها أسلحتهم، فإن لم تَفِ بالغرض دعوا لسحقها كُلَّ زعران العالم وبلطجيته: مليشياتٍ ودولاً وجيوشاً تستبيح أرضاً يحكمونها وهم منتشون بذلك لأن الأرض حقيقة ليست أرضهم ولا البلاد بلادهم ولا الشعوب شعوبهم. إنهم رويبضات مُجتلبة ومدسوسون في أوساط هذه الأمة ومنذ دهور.

وبعدُ، أما آن لبعض زعماء العرب ممن قد يكون لم تطله يد الاستجرار للكفرة والملحدين، ولبعض أصحاب الأفكار ممن يُطلق عليهم النُّخب من الساسة والحزبيين وأصحاب الفكر، أن يصحوا على واقع الأمة البئيس، فينفضوا أيديهم من أيدي أعداء العروبة والإسلام، ويُدركوا عمق المؤامرة بالبلاد التي يعيشون على ظهرها ويتمتّعون بخيراتها، فيُشيحوا على هذه الحضارة حضارة الرجل الأبيض ومن إليه من مشايع أو متابع بفأس الخلاص تخليصاً ليس لأنفسهم وحدهم، بل للعالم كله من هذا الفكر الدنيء الذي انتشر وانتفش، والفساد الذي عمَّ وطم، فيكتبوا بذلك لأنفسهم في تاريخ شعوبهم وشعوب العالم أجمع أسطراً وِضاءً من الإباء والتحرير، كُفراً منهم بشرعة المجتمع الدولي وهيأة الأمم المتحدة ومجلس الأمن التي تتحكم فيها جميعاً الدول الكبرى الظالمة بما يُسمّى قانون الفيتو ومن ورائهم جميعاً اليهود، ومن ثم يعودون إلى حضارة الإسلام الطاهرة التي تجمع بين العلم والإيمان وتقدِّم البيان على السنان، وتحترم إنسانية الإنسان ولو كان كافراً، وترأف بالطير والحيوان حتى إن الأسماك في البحر لتدعو لأصحابها بالخير لرحمتهم بهم ورفقهم، الحضارة التي تدعو حتى في الحروب إلى عدم الاعتداء على العجزة والضِّعاف وعدم قطع الأشجار أو قتل الأبقار، وتركِ المنصرفين في الصوامع إلى عبادتهم، دونما أية إهاجة أو إزعاج.

وبعدُ كذلك، فهل نرى سيد قطب رحمه الله مغالياً وهو يتحدّث في (المعالم) عن حضارة الرجل الأبيض مُشنّعاً عليها وعلى أهلها، وهو الذي قد خبرها وخبر أهلها في أمريكا وغيرها، وما قال في الحقيقة إلا الحق البواح والصدق الصُّراح. ومن هنا عدَّ عملاءُ أهل هذه الحضارة الكتابَ من حيثيات الحكم عليه بالإعدام إرضاءً لسادتهم في البيتين الأسود والأحمر، فذهب الرجل شهيداً حميداً وذهب شائنوه مقبوحين منبوحين. نعم، إن حضارة الرجل الأبيض حضارة زيغٍ وضلال وكذب وخِداع وقتل وتدمير، وإنكار للحقائق الظاهرة الشاهرة ولو قُدِّم لهم على كذبها ألف دليل ودليل، وذلك لكفرهم. وصدق الله العظيم: (إنّما يفترِي الكَذِب الذينَ لا يؤمِنُونَ بآياتِ اللهِ)، وإلا فلم لا يَسْلَمُ من أصحاب هذه الحضارة وعدوانهم في حلب وغيرها حتى الشجر والحجر والدواب والأطفال والنساء والمستشفيات والمدارس والمخابز وخزّانات المياه وسيارات الإسعاف والإعانات. إنها سياسة المحق والسحق. غير أننا واثقون في النهاية بنصر الله لأن أصحاب هذه الحضارة بُغاة، وعلى الباغي تدور الدوائر.

عن د. علي العتوم

wavatar
كاتب وداعية إسلامي أردني

شاهد أيضاً

abu-hassan-aldhahir-4

جماعة الإخوان المسلمين في سورية تنعى الأخ أبو حسان الضاهر

بمزيد من الرضا والتسليم لقضاء الله وقدره، تنعى جماعة الإخوان المسلمين في سورية الأخ عبد …