الرئيسية / فكر ودعوة / “آية المنافق ثلاث”
m-kazar-almajali-11

“آية المنافق ثلاث”

جاء نصان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن علامات المنافق، أولهما قوله: “آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان”. والنص الآخر: “أربع من كن فيه كان منافقاً، ومن كانت خصلة منهن فيه كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدَعها: من إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر”. والعلماء على الجمع بين الحديثين؛ فإما هي خصال خمس (من مجموع الحديثين)، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول ما يناسب حادثة ما، وإما أن مرجع هذه إلى الثلاث المذكورة في الحديث الأول؛ إذ الغدر في العهد مرجعه إلى الخيانة، والفجور في الخصومة مرجعه إلى هذه الخصال مجتمعة، والله أعلم.

والذي يهمني هنا أن العلماء فرّقوا بين النفاق الأكبر (الاعتقادي)، الذي هو في حقيقته كفر، حين يعلن أحدنا الإيمان ويُبطن الكفر، فهو الخداع، ولهذا فهو أشد عند الله من الكافر العادي المعروف، ولذلك قال الله تعالى: “إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ…” (النساء، الآية 145). ومن هنا شدد القرآن على كشفهم وبيان صفاتهم وأقوالهم ومواقفهم ومصيرهم، فجاءت معظم السور المدنية متحدثة عنهم، بل هناك سورة بأكملها باسمهم. ومن أهم السور في فضحهم: التوبة والنساء والمنافقون والبقرة وآل عمران والأحزاب والنور ومحمد. أما النوع الثاني، فهو ما يسميه العلماء بالنفاق الأصغر (نفاق العمل)، وهو الذي تحدثت الأحاديث أعلاه عنه. وهو خطر لا يُستهان به، إذ إن سلوكه ربما يؤدي إلى النفاق الأكبر الاعتقادي. ومثل هذا هو شأن الصغائر عموماً، فلا يجوز أن يستهين بها الإنسان، لأن تكرار فعلها أو استصغار شأنها سيقود لا محالة إلى الكبائر، وهنا تكون الكارثة.

وتهمني هنا خصلة الخيانة والغدر. فالحقيقة التي تنطق بها الأحاديث النبوية، ومن قبلها الآيات القرآنية عن أوصاف المنافقين، بأن النفاق وسيلة أكيدة إلى الغدر والخيانة. وينبغي أن يعي الموجّهون والقائمون على الأوطان أن النفاق كارثة حقيقية. فأكثر ما يعصف بالبلدان وأمنها وسيادتها هو الغدر والخيانة، وهما صفتان من صفات المنافقين، لأنه لا يُعرَف لهم حقيقة، وليس لهم رادع، يدورون مع مصالحهم الخاصة، ومن هنا يسهل تجنيدهم للآخر، وبالتالي يكون لهم دورهم الخطر السلبي في الحياة عموماً.

للنفاق سببان رئيسان: طمع في شيء، أو خوف من شيء؛ هما اللذان يجعلان الإنسان متلوّناً متقلباً لا يثبت على حال. ومن هنا ذمّ النبي صلى الله عليه وسلم ذا الوجهين. يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه، وصدق الله العظيم: “وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ” (البقرة، الآية 14). وهم يكثرون من الحلف بالأيمان المغلظة، وهم كاذبون: “اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ” (المنافقون، الآية 2). وأكثر ما وصفهم الله في كتابه هو الفسق: “إن المنافقين هم الفاسقون”. والنفاق مشتق من اسم حيوان هو “نافقاء اليربوع” أو “الجربوع”، وهو حيوان أرضي يمتاز عن غيره بأن له جحرين، يدخل من واحد ويخرج من آخر حسب مصلحته.

حري بالقائمين على الدول والحكم أن يرفضوا كل منافق، والحال أنهم الأكثر قرباً منهم، لأنهم المدّاحون والمخادعون، نفوسهم دنيئة، ورغباتهم ذاتية، ولا فائدة فيهم كما وصفهم الله تعالى: “وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ” (المنافقون، الآية 4)، فهم مع خداعهم إلا أن قلوبهم خاوية خوفا وهلعا، ولا فائدة ترجى منهم لسبب بسيط، أنهم لا يتطلعون إلا إلى مصالحهم الخاصة، فلا تهمهم أوطان ولا مبادئ ولا حتى حكّام ومصالح بلدان.

حري بالقائد، أي قائد، أن ينتبه لهذا الصنف الخسيس، فهم الأخطر على الناس، يبيعون أنفسهم بعرض من الدنيا، وهم مع مَن مصلحتهم معه أكبر وأوسع، لا قرار ولا عهد ولا أمانة. والعجيب أن هؤلاء معروفون بسيماهم أو بلحن قولهم: “وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ” (محمد، الآية 30). ومع هذا نراهم هم الأكثر حظوة وقرباً وتأثيراً عند كثير من الحكّام، يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وهكذا تضيع الأوطان.

الخسيس الرخيص هو الذي يبيع شرف الأمة والأوطان؛ هو الأذن للعدو يبلغه بكل أسرار الدولة، وهو الخائن الغادر الذي لا يهمه شرف ولا وطن ولا إله ولا أمانة. فهذه المصطلحات استهلاكية ليس إلا، ومصلحته التي يظن أنها دائمة له هي الأهم، لا يرتدع ولا يعتبر، والآيات العجيبة تحيط بهم من كل جانب، ولكنه الإصرار على الموقف الملتوي حسب مصالحهم.

إن الذين يرعون المنافقين إنما يرعون جيشاً من الخائنين. والذين يرعون الأحرار أصحاب المبادئ إنما يرعون حماة حقيقيين وأصحاب غيرة وحرقة على الأوطان والمبادئ. والأمر لا يستقيم في النهاية إلا بوجود بناة حقيقيين ومصلحين ومنتمين للمبادئ. حتى الأشخاص لا يهمهم مَن هم بقدر أنهم أصحاب رسالة في هذه الحياة، لا يهمهم إلا رضا الله تعالى، فقد خلقهم لعبادته، واستخلفهم في هذه الأرض، وطلب منهم حمل أمانة التكليف، ويعلمون أنها حياة دنيا قصيرة، ما هي إلا ممر إلى حياة باقية خالدة هي دار القرار، فهم أهل بصيرة ووعي، يعلمون أن تقوى الله هي الزاد، وأن عليهم مسؤوليات عظيمة تتجاوز مصالحهم الذاتية، فهم أصحاب رسالة عالمية يضحّون من أجلها، ويسعون إلى سعادة الإنسان، كل الإنسان.

حري بالقائمين على شؤون الدول أن يميزوا بين الصادق والكاذب، وبين الأمين والخائن، وبين الوفي والغادر، فأول ما يرجع شر هؤلاء على الحكام أنفسهم، وليس كل ما يلمع ذهباً، والاستقامة هي شعار العقلاء، والعدل أساس الحكم ومن تمسك به من نجا وازدهرت بلاده، والقرآن شاهد، والتاريخ شاهد، والأيام دول، والعبرة مطلوبة لا يبحث عنها إلا العقلاء.

الغد الأردنية

عن أ. د. محمد خازر المجالي

wavatar
كاتب وأكاديمي وداعية إسلامي أردني

شاهد أيضاً

alssa3eed-alkemaisi-17

“وخلق الإنسان ضعيفاً”

* وقفت كثيراً متعجباً ومتأملاً في قول الحق عز وجل “وخلق الإنسان ضعيفاً” وحدثتني نفسي …