الرئيسية / فكر ودعوة / اتباع النبي علامة محبة الله عز وجل (1)
osamah-she7adah-12

اتباع النبي علامة محبة الله عز وجل (1)

أكد القرآن الكريم، في آيات متعددة كثيرة، على أن اتّباع النبي صلى الله عليه وسلم وطاعته والتزام ما جاء به من الوحي، قرآناً وسنة، وما تضمناهما من أوامر ونواهٍ، هو أصل الإسلام ولب التدين والسبيل الوحيد للحصول على محبة الله عز وجل. من تلك الآيات قوله تعالى: “قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ” (آل عمران، الآيتان 31 و32)، وقوله تعالى: “قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ” (النور، الآية 54).

وأمْر الله عز وجل بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم، هو أمر عام لكل البشرية بطاعة الأنبياء والرسل؛ قال تعالى: “وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ…” (النساء، الآية 64)، وقال سبحانه: “وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ” (يس، الآية 20).

بل إن اتباع الوحي والأنبياء كان هو الضمان الإلهي للبشرية في الأرض أن تتجنب الخوف والحزن؛ قال تعالى عن بداية معيشة آدم عليه السلام على الأرض: “قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ” (البقرة، الآية 38).

فاتباع النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من عقائد وأخبار وأحكام وشرائع ومكارم الأخلاق، هو المعيار الحقيقي لحبّه وحب الله عز وجل. ومن ثم، فإن مدى تطبيق المسلم والمسلمة لاتباع النبي صلى الله عليه وسلم في سائر الأمور هو دليل درجة وقوة المحبة الحقيقية لله ولرسوله. ولذلك كم نشاهد من فجوة كبيرة في واقع كثير من المسلمين والمسلمات تجاه محبة الله عز وجل ومحبة نبيه صلى الله عليه وسلم! إذ تجد من هو بعيد عن اتباع النبي في عقيدته ومفاهيمه وعبادته وسلوكه وأخلاقه ومعاملاته، لكنه يكثر من نشر عبارات الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم في مواقع التواصل الاجتماعي، ويظن بذلك أنه أدى المطلوب منه لتحقيق محبة الله عز وجل ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مخطىء في ظنه هذا.

في هذه المقالات إعادة تذكير بالاتباع الصحيح للنبي صلى الله عليه وسلم، حتى نقترب أكثر من محبة الله عز وجل الحقيقية. لأن بقاء هذه الفجوة بين محبة الله عز وجل ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم في قلوبنا وبين ما نفعله في واقعنا، هي السبب الرئيس في فساد أحوالنا الفردية والجماعية.

أولاً: اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في العقيدة

إن أعظم ما جاء به النبي وبقية الأنبياء عليهم السلام، هو تعظيم الرب جل جلاله، وتوحيده في الطاعة والاتباع: “وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ…” (النحل، الآية 36). لذلك، كم هو مؤسف أن نجد بعض المسلمين والمسلمات لا يتبعون النبي صلى الله عليه وسلم في تعظيم الله عز وجل وتعظيم توحيده وعبادته، ويقلدون كفار قريش الذين بيّن القرآن الكريم انحرافهم في هذا الشأن: “أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى…” (الزمر، الآية 3)؛ فيقلدون كفار قريش باتخاذ وسائط بينه وبين الله عز وجل من الأموات والقبور والأولياء! يدعونهم ويستغيثزن بهم ويطلبون منهم قضاء الحوائج وشفاء المرضى.

والنبي صلى الله عليه وسلم علّم ابن عباس رضي الله عنه، ويعلمنا: “يا غلام إني أعلمك كلماتٍ: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله. واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. رفعت الأقلام وجفت الصحف” (رواه الترمذي).

وهذا الحديث يكاد يحفظه كل المسلمين، لأنه من أساسيات الإسلام، ولأنه يُحفّظ ويُعلّم للأطفال في المدارس. لكن هل سلوك المسلمين والمسلمات الذين يضعون على أنفسهم أو أطفالهم أو بيوتهم أو سياراتهم الخرزة الزرقاء أو الحدوة أو يضربون الخشب خوفاً من العين أو الحسد، هم صادقون في دعوى محبة النبي صلى الله عليه وسلم واتّباعه؟ أليست هذه التصرفات والمفاهيم من المفاهيم الجاهلية والشركية التي جاء النبي صلى الله عليه وسلم لحربها وإبطالها؟

وكذلك وضع التمائم التي يكتبها الكهّان والسحرة والمشعوذون، والتي تحتوي على طلاسم سحرية وعبارات شركية منافية لاتباع النبي صلى الله عليه وسلم. وللأسف، فإن كثيرا من النساء والرجال ممن يحبون النبي صلى الله عليه وسلم يخالفون أمره ولا يتبعون نهجه الذي حرم إتيان السحرة والعرافين والكهنة؛ إذ شدد صلى الله عليه وسلم في سؤال العرافين: “من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوماً” (رواه مسلم)؛ وأما من صدّق كلام هؤلاء الكهان والعرافين فقد وقع في الكفر، لقوله صلى الله عليه وسلم: “من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم” (رواه أبو داود).

ومما يقع من كثير من الناس وهو مخالف لمحبة النبي صلى الله عليه وسلم ومحبة الله عز وجل، استعمال الطيرة والكهانة والسحر؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ليس منا من تطيّر أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له. ومن أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم” (رواه البزار بإسناد جيد).

والسبب في حرمة هذه الأشياء أنها تنافي عقيدة الإيمان السليم بأن الغيب لا يعلمه إلا الله عز وجل. ولأن هؤلاء السحرة والمشعوذين والكهان لا تساعدهم الجن إلا بعد أن يكفروا بالله عز وجل. وقد اعترف كثير من السحرة حين قبض عليهم أن الجن لا تساعدهم إلا إذا أهانوا المصحف وكفروا بالله عز وجل. وأيضا فإن هؤلاء السحرة يأمرون من يأتيهم بأنواع من الشرك مثل أن يذبحوا لقبر أو لرئيس الجن وهكذا.

وأيضاً اتباع النبي صلى الله عليه وسلم يقتضي من محبيه من الرجال والنساء الحذر من متابعة الأبراج وقراءة الحظ والبخت، لأن هذا فيه صرف معرفة الغيب لغير الله عز وجل، وتعليق للنفع والضر بغير الله سبحانه وتعالى. ولو كانت هذه النجوم والأبراج تنفع لنفعت أصحابها وحمتهم من المشاكل والفقر، لكنها من كيد الشياطين الممزوج مع نصب واحتيال الخبثاء.

ومن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وصدق محبته ومحبة الله عز وجل، التحاكم لشرع الله عز وجل في الكبيرة والصغيرة على مستوى الأفراد والدول؛ قال تعالى: “وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً” (الأحزاب، الآية 36). فكل من أعرض وأبى الاستسلام لأمر الله عز وجل، يناقض دعوى محبته لله عز وجل ونبيه صلى الله عليه وسلم، سواء كان قانوناً يحكم به الناس في المحاكم، أو كان سلوكاً فردياً، كمن يرفض إعطاء النساء نصيبهن من الميراث ظلماً وطمعاً أو حتى لا يخرج مال أبيه لغير عشيرته!

ومن حقيقة اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في العقيدة، عدم تكفير الناس ظلماً وعدواناً بسبب التهور أو الجهل؛ قال صلى الله عليه وسلم: “إذا قال الرجل لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما” (متفق عليه).

ومن اتّباع النبي صلى الله عليه وسلم عدم سب الزمن والدهر، لأن فيه اعتراضاً على القضاء والقدر، ولأن الله عز وجل هو الذي يصرف الزمن والدهر. ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: “يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار” (متفق عليه). وإذا كان سب الدهر لا يجوز، فكيف بما يفعله الأشقياء من سب الرب جل جلاله أو سب الدين؟! ماذا بقي لهؤلاء من دعوى محبة الله عز وجل ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم؟! بل لقد نهى الله عز وجل عن سب ولعن الآلهة الباطلة حتى لا يسب أتباعُها اللهَ عز وجل: “وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ…” (الأنعام، الآية 108).

ومن تعظيم الله عز وجل الذي أرشدنا إليه النبي صلى الله عليه وسلم، عدم الحلف بغير الله، لأن الحلف نوع من التعظيم لا يجوز إلا لله عز وجل. كما لا يجوز الحلف بالله إلا بالصدق. قال صلى الله عليه وسلم: “ألا إنّ اللهَ يَنهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كانَ حالفاً فليحلِف بالله أو ليصمُت” (رواه البخاري). وقال صلى الله عليه وسلم: “من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك” (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني).

وللأسف نجد كثيراً ممن يحب النبي صلى الله عليه وسلم يحلف بغير الله عز وجل، وهذا منافٍ لاتّباع النبي صلى الله عليه وسلم ومناف لمحبة الله عز وجل وتعظيمه، خاصة إذا كان حلفاً بطاغوت. وتكون الجريمة أكبر حين تجد كثيراً من الناس لا يقبل أن يحلف له بالله عز وجل بل يطلب أن يحلف له بغيره! وأشنع من هذا من يستهين بالحلف بالله كاذبا، لكنه لا يجرؤ على الحلف كاذباً بولي أو معظّم!

ومما يلزم اتّباع النبي صلى الله عليه وسلم فيه، الحرص على الإخلاص في العبادة والعمل والأخلاق لله عز وجل، في السر والعلن؛ وعدم الحرص على الحصول على السمعة والإعجاب من الناس من خلال التظاهر بالعبادة والدين أمام الناس فقط. قال صلى الله عليه وسلم: “ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح الدجال؟ قلنا: بلى. فقال: الشرك الخفي، أن يقوم الرجل يصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل” (رواه ابن ماجة وحسنه الألباني). ولعل كثيراً من المنشور على وسائل التواصل الاجتماعى من أعمال البر والخير لا يخلو من طلب السمعة والرياء مما يتناقض مع اتباع النبي صلى الله عليه وسلم.

ومما يشيع بين كثير ممن يحب الله ورسوله، الاستهانة في نقاش الأمور الشرعية. فهو لا يعرف الأحكام الشرعية ولا يعرف الأدوات العلمية اللازمة لفهم الدين، ثم يتصدى لإصدار الفتاوى والأحكام جهلاً وعدواناً، وإسقاط العلماء والمجتهدين اعتماداً على أهوائه، وبناء على رضاه بكلام بعض الصحفيين والإعلاميين الذين صدّرتهم قنوات فضائية غير المختصة كخبراء ومفكرين وعلماء في الدين! وفي كل ذلك تجد استهزاء وخوضاً في آيات القرآن بالباطل، والله عز وجل يقول: “وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ” (التوبة، الآية 65)، وقوله صلى الله عليه وسلم: “إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار سبعين خريفا” (رواه البخاري).

ومن اتّباع النبي صلى الله عليه وسلم، عدم تصدير وتسييد أهل الباطل؛ قال صلى الله عليه وسلم: “سيأتي على الناس سنوات خداعات يُصَدق فيها الكاذب ويُكذب فيها الصادق ويؤتمن فيها الخائن ويخوّن فيها الأمين وينطق فيها الرويبضة. قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة” (رواه ابن ماجه وصحّحه الألباني). ولكن هل اتباع الملايين من الشباب والشابات المحبين للنبي صلى الله عليه وسلم خلف القدوات المزيفة من أهل الفجور والفواحش والمنكرات والفساد، يتوافق مع هذه المحبة للمصطفى عليه السلام؟

في النهاية؛ ما سبق هو أمثلة لبعض ما يلزم محبي الله عز وجل ومحبي رسوله صلى الله عليه وسلم الصادقين والحقيقيين أن يتبعوه ويلتزموه على صعيد العقائد والأفكار والمفاهيم في حياتهم سراً وعلانية، لينالوا محبة الله تعالى وينالوا مغفرته.

الغد الأردنية

عن أسامة شحادة

wavatar
كاتب وداعية إسلامي مصري

شاهد أيضاً

alssa3eed-alkemaisi-17

“وخلق الإنسان ضعيفاً”

* وقفت كثيراً متعجباً ومتأملاً في قول الحق عز وجل “وخلق الإنسان ضعيفاً” وحدثتني نفسي …