الرئيسية / فكر ودعوة / “وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر”
osamah-she7adah-11

“وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر”

تعرضت أمتنا الإسلامية منذ مطلع القرن الواحد والعشرين لعدوان بربري بحجة الرد على الإرهاب الذي قام بهجوم 11 /9/ 2001 في نيويورك، فهاجمت أميركا أفغانستان والعراق، وأسقطت حكم “طالبان” وصدام حسين. وشهدت الدولتان حالة من العدوان الوحشي والبربري الذي طال كل الشعب وليس الإرهابيين فقط، ولا حتى أعضاء السلطة الحاكمة؛ فتم هدم الدولة ومؤسساتها وقتل آلاف الأبرياء من الأطفال والنساء والرجال من دون مبرر أو ذنب جنوه. ثم تبع ذلك تسلل إيران للعراق خاصة، وتحريض المليشيات الطائفية ضد المواطنين السنة، فساموهم سوء العذاب بحجة محاربة تنظيم “القاعدة”، وتعرض العراق لحالة بشعة من التطهير الطائفي ضد السنة.

هذا الوضع من استهداف واستضعاف وانتهاك حقوق السنة في العراق، ساهم في تصاعد روح التطرف والغضب عند كثير من شباب السُنّة، في نتيجة متوقعة ومستهدفة غالباً؛ بتحويل السُنة إلى إرهابيين دوليين ليسهل القضاء عليهم بشكل مشروع أمام العالم والنظام الدولي، من قبل الأميركيين والإيرانيين!
وفعلا تكون تنظيم “داعش” في سجون الأميركيين وحكام العراق ما بعد عام 2003، ثم تم إمدادهم بخريجي سجون بشار الأسد، وظهر لنا مارد “داعش” الذي انتسب للسُنة، وجلب غضب العالم عليه وعلى الإسلام. ثم كانت ثمرة “داعش” تدمير مناطق السُنة وقتل مجاهديهم وسلب سلاحهم، وبعد ذلك تسليم تلك المناطق للحشد الشعبي في العراق أو المليشيات والجيش السوري في سورية! أما في العالم، فتم تشويه صورة الإسلام وإشعال روح الغضب ضده؛ فشهدنا الكثير من الاعتداءات على المسلمين ومؤسساتهم ومساجدهم في الغرب بحجة رفض “داعش”!

وما تزال القوى الطائفية بقيادة إيران تواصل إرهابها وطائفيتها ضد الأبرياء في سورية وغيرها. وبرغم حالة الهدنة المنشودة في سورية بقيادة الروس والأتراك، إلاّ أنهم يواصلون عدوانهم على منطقة بردى والغوطة! وبرغم كل العدوان الروسي والإيراني الطائفي على المسلمين، لم تنجح عمليات إرهاب “داعش” إلا ضد تركيا والسعودية والدول الأوروبية المتعاطفة مع الشعب السوري وثورته!

والآن يبدو أن أمتنا الإسلامية في الداخل تدلف لمرحلة جديدة من المكر والخداع أو الغفلة وسوء تقدير العواقب، قد تدخلها مرة أخرى في دوامة التيه والخلافات والصراعات الداخلية، مما يعيق مسيرتها للتعافي من جراحها وأزماتها ويعرقل جهودها في الوصول لبر الأمان والاستقرار والازدهار.

فباسم محاربة التطرف والإرهاب، نشهد حملة إعلامية مسعورة تهاجم الإسلام بذاته، وتهاجم رموز الإسلام من الجهات الرسمية والشعبية، وتخوّن الجماعات والجمعيات والمؤسسات والشخصيات الإسلامية. وتتنوع وسائل هذه الحملة فتشمل المقالات والكاريكاتير وبرامج الـ”توك شو” والمسلسلات والأفلام والمقاطع القصيرة، وكل هذا باسم محاربة “داعش” والتطرف وجرائمها الإرهابية.

والعجيب أن الذي يقف خلف هذه الحملة الشعواء هم محامو الشيطان دوماً؛ إذ كلما وقعت جريمة من جهات مشبوهة تجدهم يرفعون حجة أن هذه حالة فردية ولا يصلح التعميم! ويتحججون بحرية التعبير والحريات الشخصية! وحجة ضرورة القبول بالآخر! وحجة الحفاظ على التعددية والتعايش السلمي! ولكن كل هذه الحجج لا مكان لها إذا كان الخصم هو الإسلام أو المسلمون.

ويتوازى مع الحملة الإعلامية هجمة شرسة على المناهج التعليمية في العديد من الدول العربية والإسلامية بحجة أن هذه المناهج تفرخ الإرهاب والتطرف، بينما هذه فرية لم تثبت علمياً. فتونس ذات المناهج العلمانية من أكثر الدول المصدرة للدواعش! ومن أوروبا ذات المناهج العلمانية جاء عشرات الآلاف من الدواعش!

إن بقاء حالة الإرهاب في مساحة هامشية وشاذة من مجتمعاتنا، كما أكدت حالة الرفض الشعبي العامة في الأردن لإرهاب “داعش” في عملية الكرك، يثبت زيف هذا الاتهام “العلماني الداعشي” للمناهج ولعموم الشعب أنهم يحتوون في داخلهم على “داعشية”!

وقد كشفت مطالبة علمانيي المغرب بشطب تعليم الدين الإسلامي من المناهج وتعليم العلمانية بدلاً منها عن الغاية التي يريد هؤلاء الوصول إليها وهي حرب الإسلام نفسه، وهذا مقدار متفق عليه بين غلاة اليسار والليبراليين.

إن جر المجتمعات الإسلامية لمواجهة ضخمة مع دواعش العلمانية واليسار والليبرالية هو تقريباً تكرار لتجربة إنتاج التطرف في العراق من خلال القمع والإرهاب الذي تم في السجون، لكنه الآن يتم تنفيذه على مستوى الشعوب بعامة، وكأنه نسخة منقحة من استراتيجية وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس “الفوضى الخلاقة” التي طرحتها العام 2005.

وهذا الاستفزاز يتم ضمن مساق ضاغط من الألم النفسي تجاه كوارث الأشقاء في بلاد متعددة وضغط الغضب من تواصل العدوان اليهودي ضد أهل القدس وعموم أهل فلسطين من حصار واغتيال وتهجير. وأيضا ضغط الأحوال الاقتصادية السيئة.

إن استفزاز المجتمعات الإسلامية في دينها وشعائرها ورموزها هي خطوة في غاية الخطورة والكارثية، يجب التيقظ لها مبكراً من قبل السلطات؛ حمايةً للأمن الوطني وصيانة للسلم المجتمعي. ويجب على العقلاء من غير الإسلاميين الوقوف بحزم ضد تهييج الشارع واستفزازه في ضرب مقدساته ومهاجمة عقيدته وعباداته، لأن الانفجار سيكون مدمراً للجميع ولن يكسب منه أحد.

بالمقابل، على قادة العمل الإسلامي التيقظ والحذر لما يكاد للأمة الإسلامية، فإن حالة الصحوة الدينية -على ما فيها من ضعف وخلل – تزعج الأعداء، كما أن تحسن حالة الأمة الإسلامية على صعيد التعليم والتجارة والصحة والتقدم الذي وصلته الآن وهو أفضل بكثير من حالها أيام الاستعمار والاحتلال، أيضا يشكل تواصله خطراً للأعداء، ولنا في نهضة ماليزيا وتركيا الاقتصادية والتنمية نموذج على انزعاج الأعداء منها فتم استهداف اقتصاد ماليزيا سنة 1997، وحالياً يتم استهداف الاقتصاد التركي بضرب قيمة الليرة التركية.

ولذلك فإن محاولة جر المجتمعات الإسلامية للعنف والتطرف والإرهاب عبر استهداف دينها وعقيدتها تحتاج من عموم التيار الإسلامي إلى الوعي به وبخطره وأنه فخ تساق الأمة له لتدمر كل منجزاتها كما فعل “داعش” في المناطق التي سيطرت عليها، حيث هدمت الجسور وفجرت محطات توليد الغاز والكهرباء ولم تبقِ مدرسة ولا مسجداً إلا جعلته هدفاً للقصف!

يجب على قادة العمل الإسلامي محاربة التطرف والغلو اللذين تنادي بهما جماعات التطرف كداعش والقاعدة وغيرهما، لأنه دفاع عن الإسلام نفسه ورفض لتحريفه وتزويره وتشويهه وجعله ديناً تكفيرياً وتدميرياً بدلاً من حقيقته أنه دين الرحمة والسلام وعقاب الظالم المعتدي وليس التفجير الأعمى المنفلت. ولذلك على قادة العمل الإسلامي اليوم التنبه لأولوية محاربة فكر وخطاب العنف والتطرف والذي يحظى بمعاملة تفضيلية عبر بقائه حياً قوياً على شبكة الإنترنت في العالم!

وعلى قادة العمل الإسلامي “التواصي بالحق” وهو القرآن الكريم وما أرشد له من عقيدة وشريعة والدعوة إليه بين الناس والرد على المعتدين عليه من الجهلاء والعملاء سواء كانوا من دواعش الغلاة في الدين أو في العلمانية.

كما يجب على قادة العمل الإسلامي تكثيف جهودهم الدعوية والتوعوية والثقافية لتكون هي المبادرة لتفنيد شبهات دواعش البندقية أو القلم و”الكرفتة” وطرح الخطاب الإسلامي الحقيقي والصحيح الذي تنتظره البشرية المعذبة والقلقة اليوم.

ويجب على قادة العمل الإسلامي “التواصي بالصبر” فإننا غالباً ندخل لمرحلة فيها ظلم وإجحاف، فعلينا بالصبر على مرارة الحق الذي نؤمن به ولو ظلمنا أهلنا وإخواننا من المخدوعين بدعايات حرب الإرهاب.

ويجب على قادة العمل الإسلامي ترسيخ منهج السلمية والصبر على الأذى بين أتباعهم وعموم الناس، وتهيئة الجموع والشارع لهذه المرحلة، حتى ننصر ديننا ونحافظ على مقدرات أمتنا ولو تعرضنا لخسارة ما في أيدينا.

ويجب على قادة العمل الإسلامي البحث عن مسارات جديدة لإيصال الحق للعقلاء في السلطة والنخبة، وبيان خطأ وخطورة هذا النهج في معاداة الدين والمتدينين، والصبر على تكرار هذه المحاولات، مع تجنب الأخطاء التي وقع فيها العمل الإسلامي في المرحلة السابقة في علاقاته مع السلطات والنخب.

ويجب على قادة العمل الإسلامي التركيز على ابتكار واعتماد أساليب سليمة جديدة في بيان مواقفهم ورفضهم للعدوان على دينهم وأوطانهم بما يجنبهم الصدام أو تنامي حالات الغلو والتطرف.

إن شعار المرحلة المقبلة لعله يكون “وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر”، وإلا نجح دواعش “الكرفتة” بجر أمتنا لفخ الغلو والتطرف فندمر بأيدينا ما أنجزناه طيلة العقود الماضية، ونشرعن العدوان الدولي على ما تبقى من قوة أمتنا.

ولنكن على يقين أن هذه مرحلة وستمضي كما مضت من قبلها أزمات وتحديات.

الغد الأردنية

عن أسامة شحادة

wavatar
كاتب وداعية إسلامي مصري

شاهد أيضاً

osamah-she7adah-33

القرآن الكريم وفضح مكائد خصوم الإسلام المعاصرين

القرآن الكريم كلام الله عز وجل الذي نزل من عنده ليبيّن للمؤمنين كل ما يحتاجونه …