الرئيسية / فكر ودعوة / “وكذلك جعلناكم أمة وسطاً”
m-kazar-almajali-12

“وكذلك جعلناكم أمة وسطاً”

صليت في أحد مساجد عمان قبل أيام، وكان في القبلة بجانب المحراب سبورة مكتوب عليها بعض درس في مفهوم صفات الله تعالى، وعقيدة أهل السنة، وأننا نؤمن بما وصف الله به نفسه أو وصفه رسوله، من دون تحريف ولا تمثيل، ولا تكييف ولا تعطيل. وأخرج الشارح خطاً من عند كلمة “تحريف” وفرّع منه خطين؛ أحدهما، بأن التحريف قد يكون معنوياً، أي التأويل. وأمر آخر شاهدته أن هناك منبراً إلى جانب المنبر الأصلي ذي الدرج الكثير، وهذا المنبر المحاذي لذاك بثلاث درجات.

في الحقيقة آلمني ما شاهدت كثيراً، لعدة أسباب. أهمها، أن الأمة مشغولة بفرعيات على حساب كليات ومخاطر حقيقية توجه إلى أصل عقيدتها وإيمانها والتزامها وأخلاقها وتراثها. إذ هناك غزو فكري عظيم موجَّه لأبنائنا على وجه التحديد، ومؤسسات تعمل على بث بذور الإلحاد والتشكيك بالدين وقدرته على إدارة الحياة. وهناك انفلات أخلاقي يُبث عبر قنوات ومواقع كثيرة إباحية، وهناك نشر للرذيلة والعقوق والانفلات من عقال الدين والقيم والعادات الحسنة، ما جعل المجتمع يتوجه بشكل عام إلى العنف. فبدل أن يكون التركيز في الأمور الدينية عبر مؤسسة المسجد، بمحرابه ومنبره، على ما يهم الناس جميعاً، ويهذب سلوكهم ويعزز الإيمان في نفوسهم، نجد من يقسم المسلمين ويثير شبهات حول إيمان جزء كبير منهم. وهذا يؤدي ببعض المتعصبين إلى التكفير والتبديع والإخراج من الملة، وهذا أمر موجود.

هناك مدرستان مشهورتان تاريخياً في فهم آيات الصفات وأحاديث الصفات؛ وهي الآيات والأحاديث التي تصف الله تعالى بصفات تشابه صفات المخلوقين، كاليد (يد الله فوق أيديهم)، والعين (ولتصنع على عيني)، والساق (يوم يكشف عن ساق)، والمجيء (وجاء ربك والملك صفاً صفاً)، وهكذا. فهناك مدرسة السلف الذين يثبتون هذه الصفات ويفوضون معناها، فالقاعدة أنه: “ليس كمثله شيء”. وهناك مدرسة الأشاعرة المنسوبة لأبي الحسن الأشعري (ومثلهم الماتريدية أصحاب أبي منصور الماتريدي)، وهؤلاء يؤولون المعنى خوفاً من التشبيه والتجسيم، وأن في لغة العرب ما يسعف في ذلك؛ إذ فيها المجاز والكناية، فمثل هذه الألفاظ تستخدم ويراد غيرها من المعاني. فالعرب تطلق كلمة اليد وتريد بها النعمة أو القوة، والعين تعني الرعاية، والساق الجد في الأمر، وهكذا؛ شريطة أن يكون المعنى مستخدماً في اللغة، لا أن نبتدعه من جديد، ومن باب أولى أن لا يكون هناك تكييف فهو محال على الله تعالى، ولا تمثيل ولا تشبيه، فأهل السنة على نفي هذا كله.

إن في الأمر سعة، وهذا ليس من صلب العقيدة بل من فرعياتها. والأمة عبر تاريخها هي على هذين المنهجين. ولا ضير في أن يكون هناك اختلاف في الفهم، كأي نص من القرآن أو السنة، مما اختلف العلماء فيه فهماً واستنباطاً. وأنا أذهب إلى أبعد من ذلك؛ فإن كان الله سبحانه يريد لكتابه أن يُقرأ على أكثر من وجه ليفيد معنى آخر، وهذا الذي بُني على مفهوم نزول القرآن على سبعة أحرف، والذي أنتج فيما بعد ما يسمى القراءات السبع والعشر؛ فمن باب أوْلى أن يكون هناك اختلاف في الفهم. وقد أقرّ النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة على اختلافهم، وعزز فيهم ما يسمى أدب الاختلاف. فلا يمكن أن تكون الأمة على فهم واحد لكل النصوص، وهذا الذي لأجله وجدنا اتساعاً في الاجتهاد والاستنباط والفهم. وهو تراث إسلامي غزير عزيز، نحب في ظله أن نتنسم روح التنوّع والإثراء والسعة؛ فاختلافهم رحمة، ويجعل في الأمر بحبوحة، ما دام ذلك كله في دائرة الإسلام الذي تحرسه الأصول والأركان.

أمتنا أمة الوسط. ووسط الشيء أعلاه وأفضله وأعدله؛ فهي البعيدة عن الغلو والتطرف والإفراط والتفريط. والإسلام بمنظومته العامة وسط واعتدال؛ في عقيدته وتشريعاته ومنظومته القيمية الرائعة. ونزعم أننا بديننا الذي أكمله الله تعالى ورضيه لنا، نكون وسيلة سعادة للناس جميعاً. ولا نريد أن ننشغل بمسائل جانبية يتعصب لها الحمقى من كل جانب؛ هؤلاء يُخرجون السلف من أهل السنة، وأولئك يُخرجون الأشاعرة من أهل السنة، وننسى مصائبنا وفرقتنا، وننسى أن علماء الأمة عبر التاريخ هم على هذه المدرسة وعلى تلك. والمقام لا يسمح بذكر أئمة علماء قدوة في كلتا المدرستين، فيا ترى هل أكفر الفريق الآخر وأنتشي بأنني انتصرت وسجلت عليه انتقادات وشبهات، فيما العالم يضحك علينا ومنّا، ويوقعنا في المصائب ونحن حمقى لا نعرف بوصلتنا إلى أين تشير، حين يضللنا من هم في الأصل قدوة، لكنهم تعصبوا وضلوا وأضلوا، والله تعالى يقولها صراحة: “… وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ…” (الأنفال، الآية 46)؟

أخاطب العقلاء من المدرستين بأن يلتفتوا إلى ما هو أهم في تدارك مصالح الأمة؛ في تعزيز قيم الأخوة والوحدة والتعاون والاحترام؛ في تنمية الروح والارتقاء بالإنسان؛ في تهذيب السلوك وتعظيم حق الله تعالى؛ في تفاعل المسلم مع دينه دعوة والتزاما وأخلاقا. لنكن أصحاب قلوب كبيرة، تسع المسلم وغير المسلم شفقة عليه ورحمة به. وما ساد المسلمون قديما إلا وهم بهذه المفاهيم، وكان غيرهم مشغولا بتفاهات الخرافات والانقسام؛ إذ يقال إن علماء القسطنطينية عشية الفتح الإسلامي كانوا مشغولين بخلاف من مثل: كم من الجن يمكن أن يكون على رأس هذا الدبوس؟ وما شعروا إلا ومنجنيق المسلمين يدك حصونهم. فلنهتم بقضايانا الجوهرية، وندع هذه الفرعيات التي يسعها مفهوم الاختلاف الإيجابي. ولنعاملها كما هي المذاهب الفقهية، بعد أن تجاوزنا التعصب فيها، فكلها خير ما دام دليلها صحيحا، وفهمها صوابا.

ولي تعليق على موضوع المنبر الذي يصر بعض الناس أنه ينبغي أن يكون ثلاث درجات، كما هو منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذ أعجبتني كلمة للشيخ محمد الغزالي بأن النجار طلب من النبي أن يصنع له منبراً من خشب، فصنعه له وكان بثلاث درجات، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك؛ فلو كان بدرجتين أو أربع أو خمس فهو كذلك صنعه، ولم يكن فيه توجيه نبوي.

الغد الأردنية

عن أ. د. محمد خازر المجالي

wavatar
كاتب وأكاديمي وداعية إسلامي أردني

شاهد أيضاً

fares151

القيم العليا: مفهومها، وكيف نغرسها في نفوس أبنائنا

نذكّر أولاً بأن للتربية ثلاثة جوانب يكمّل بعضها بعضاً: 1- التربية العقلية والمعرفية 2- التربية …