الرئيسية / فكر ودعوة / “ولا ينبئك مثل خبير”
m-kazar-almajali-10

“ولا ينبئك مثل خبير”

كثيرة هي جمل القرآن التي جرت مجرى الأمثال. وهذه الجملة في أصلها جزء من آية في سورة فاطر، وهي نفسها سورة الملائكة، آخر سورة مفتتحة بالحمد. وارتبطت كلمة فاطر بالسماوات والأرض، أما الملائكة فارتبطت بالجعل: “الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”. وانسحبت هذه الافتتاحية على مجمل موضوع السورة؛ حيث دقة تدبيره في خلقه، ولطفه سبحانه فيما أرشد إليه. فهو وحده المستحق للعبادة، وكل شيء دونه مخلوق. ولا يعقل أن يكون المخلوق إلها يُعبد. ومن هنا جاء في السورة التأكيد على الرزق وأنه من عند الله، والله هو المتصرف في الشأن كله.

ومن عجيب هذه السورة أنها ذكرت مجموعة من الحقائق الملامسة لواقع الإنسان، من مثل أن وعد الله حق، وغرور الحياة الدنيا، وأن الشيطان عدو، وينبغي أن نتخذه عدوا فهو يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير، وأن العزة لله جميعاً، وأن الناس فقراء إلى الله والله هو الغني الحميد، وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، واستحالة استواء الأعمى والبصير، والظلمات والنور، والظل والحرور، والأحياء والأموات، وهكذا.

وجاء في السورة تجلية لآية من آيات خلقه تعالى، حيث الاختلاف والتنوع: ثمرات مختلف ألوانها، واختلاف ألوان الجبال والناس والدواب والأنعام، وهنا يأتي قوله تعالى: “… إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ”؛ فالعلماء أكثر من غيرهم يعرفون دقة هذا الخلق وصنعه، وهو دليل قاطع على وجود الخالق ووحدانيته، فلا يخشاه سبحانه حق الخشية إلا العلماء أصحاب البصيرة.

أما هذه الجملة التي جرت مجرى الأمثال، فجاءت في سياق التحدي بأن الله هو وحده الخالق، فقال سبحانه: “… ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ * إِن تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ”، وبعدها مباشرة آية الفقر إلى الله تعالى.

نص عجيب دقيق، فله سبحانه مطلق التصرف في كونه ومخلوقاته، فهو الله الملك، وغيره لا يملك “القطمير”، وهو القشرة التي في شق نواة التمر. وهذه الأصنام لا تسمع دعاءكم إن دعوتموها، ولو سمعت (في حال أن يكون المعبود بشراً أو حيواناً)، فلن تستجيب لكم، والفصل يوم القيامة، حين يتبرأ هؤلاء المعبودون من الذين عبدوهم: “إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ…”، فسيكفر هؤلاء بما أشركتموهم. حتى الشيطان يتبرّأ من الذين عبدوه وأشركوه في العبادة: “… إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ…”. وهنا يقول الله تعالى: “ولا ينبِّئك مثل خبير”، أي إن المنبئ بهذه الأمور هو الخبير بها وبغيرها، ولا يخبرك أحد بمثل ما يخبرك هو به، فهو الخبير.

وعبر سبحانه بكلمة “ينبئك” وهي من النبأ، وهو الخبر العظيم. وعبر أيضاً باسمه “الخبير”، فهو شامل لأسماء السميع والبصير والعليم، فهو علم بخبرة، فهو الخالق والأعلم بما خلق، فلا ينبئك بهذه الحقائق مثله تعالى. وهو نص باعث على الطمأنينة، وهي مسألة ضرورية في مسيرة الإنسان في هذه الدنيا، هذه الرحلة والمقام المؤقت الراحل عنه بعد حين، فليستجب الإنسان ويخضع لمن خلقه وأرشده وهداه وأنعم عليه وحذّره من الانحراف، وهو بذلك كله يريد به خيراً، فالظلم كل الظلم في هذا الضلال وعبادة غير الله تعالى، تماماً كمن يسلك الصراط المستقيم ثم لا يلبث أن ينحرف ويغير طريقه، فأنى له أن يصل هدفه.

ومن العجيب في هذه السورة أن يتحدث الله تعالى عن القرآن وأهله ومقدار إقبالهم عليه تلاوة وتدبراً وعناية. والناس في هذا الإقبال والاهتمام أصناف ثلاثة: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات. وهذا ينطبق على معظم أعمال الخير. فالظالم لنفسه هو المعرِض اللاهي المقصِّر، فلم يسمع نداء الله، ولم يسخِّر ما أعطاه الله له من سمع وبصر وعقل، لتدله كلها على الله تعالى، بل انغمس في شهواته وضلالاته وهواه. أما الآخر فهو المقتصد، الذي اقتصر على القليل الواجب عليه، وربما أداه متثاقلاً، أو ربما كان ناقصاً بحكم أن البشر عموماً فيهم العجلة والجهل والنسيان. والقسم الأخير هو السابق بالخيرات، الذي يفعل ما يأمره به الله ويزيد. وهذه الزيادة علامة على الرضا والاستسلام والحب له سبحانه. ومرة أخرى، فإن هذا ينطبق على القرآن وغيره من الصالحات؛ على الصلاة والزكاة والصيام والأذكار وحسن المعشر والأخلاق وفعل الخير. فمثلاً، هناك الذي لا يصلي، وهناك الذي يصلي الفريضة فقط، وهناك الذي يصليها ويزيد من النوافل، وهكذا.

لا ينبئك أيها الإنسان مثل خبير، حُذف متعلق الإنباء ليجري هذا مجرى الأمثال. وجدير بالإنسان أن يكون عاقلاً واعياً متنبها، فلينتبه وليعقل ويعي ما يهمه من أمور، فهو محتاج إلى الله تعالى، والله هو الغني الحميد، ولا تغرنه صحة أو مال أو جاه، فكل ذلك زائل لا محالة، وهو نفسه يشعر بهذا من خلال نفسه، ومن خلال ما يسمعه. وسبحان من جعل الجملة متعلقة بالإنباء، وهي كلمة فيها الوعظ والتوجيه والنصح، والعاقل من يسمع ويتعظ، ومن نعمته تعالى على الإنسان أن تجري الأحداث وتنتقل أنباؤها، وفي ذلك عبرة، فالقصص عبرة للناس وقد كثر ذكرها في القرآن، وفيه كل العبر والإرشاد، فلا ينأى أحدنا بنفسه ويغتر ويتكبر على الحق، خاصة إن جاءك الإنباء والإرشاد من خبير، وبالذات من الخالق الخبير.

ليضع أحدنا لنفسه حداً في هذه المكابرة والإعراض، فآيات الله دالة على عظمته واستحقاقه بالعبادة والقصد. ونظرة بسيطة في النفس تبين كم نحن فقراء إلى الله تعالى، فما أجدرنا بالانكسار له تعالى، والتوجه له عن قناعة، وهنا لحظة الحب والرضا، وهو سبحانه أشد فرحا بتوبة أحدنا ولجوئه إليه، وهو الغفور الرحيم.

الغد الأردنية

عن أ. د. محمد خازر المجالي

wavatar
كاتب وأكاديمي وداعية إسلامي أردني

شاهد أيضاً

abdullah-shaik-deeb-3

في القدس.. هوامش على جدران المسألة الفلسطينية

لم تكتف بعض القوى والنخب المُدجنة بتلميع صورة الولايات المتحدة الأمريكية خلال فترة الربيع العربي …