الرئيسية / فكر ودعوة / اتباع النبي علامة محبة الله عز وجل (4)
osamah-she7adah-15

اتباع النبي علامة محبة الله عز وجل (4)

ما نزال نتحدث عن جوانب اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، والذي هو الطريق لنيل محبة الله عز وجل ومغفرته. واليوم، نعرض جانباً آخر من جوانب اتّباع النبي صلى الله عليه وسلم، هو اتّباعه في مسائل الحياة، أو ما سماه بعض العلماء “العادات”، والتي تشمل شؤون المعيشة والطعام واللباس والسفر والفرح والترح، والتي باتباعه صلى الله عليه وسلم فيها نحقق محبة الله عز وجل ومغفرته، وأيضاً نتحصل على الهداية، لقول الله عز وجل: “قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ” (الأعراف، الآية 158).

* اتباعه صلى الله عليه وسلم في شؤون الحياة

* من هديه صلى الله عليه وسلم أن يحرص المسلم والمسلمة على أن يكون طعامهما وشرابهما من حلال، لقوله صلى الله عليه وسلم: “أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: “يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ” (المؤمنون، الآية 51) وقال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ…” (البقرة، الآية 172). ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمدّ يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذّي بالحرام، فأنّى يُستجاب لذلك” (رواه مسلم).

وكلما شاع في الأمة أكل الحلال والحرص عليه، كانت معونة الله عز وجل لها كبيرة وسريعة، واستجاب الله دعاءها تجاه المصائب التي تحيق بها. وكلما حرصت على أكل الحلال، كانت وحدتها وجبهتها الداخلية قوية؛ فالتراخي في أكل الحلال، بقبول الرشوة دفعاً وقبضاً يشيع الفساد ويضيّع الحقوق ويعطل مصالح الناس، وعدم إتقان العمل في القطاعين العام والخاص يدخل في أكل الحرام، مما يعاقب صاحبه في الآخرة، وهو مما يعرقل نهضة المجتمع، ويسبب الضرر للجميع.

ومِن أكل الحلال تجنب ما نهى عنه الله عز وجل ورسوله من الأطعمة والأشربة المحرمة، وهي محدودة جداً؛ كالميتة والخنزير والخمر وذوات المخلب والناب وما تغذّى على القمامة، أو ما فيه مضرة كالتدخين والأرجيلة والمخدرات. وقد أثبت العلم الحديث أن هذه الأشياء مضرة بذاتها، ولذلك حرمت لحماية ووقاية الناس من أضرارها الصحية والاقتصادية. من هنا، يجب أن نوسع دائرة الوعي بشمولية الدين وأوامر القرآن الكريم والسُنة النبوية، لتحقيق مصالح الناس في الدنيا والآخرة.

ومع أمر الله عز وجل بأكل الطيبات، إلا أنه نهى أيضاً عن الإسراف، وهو من أبرز الأمراض التي تغزو مجتمعات المسلمين باسم العولمة والتقدم. فقد أصبح الإسراف في الولائم الرسمية والشعبية عبئاً كبيراً على كاهل المجتمع، وأرقام تقارير المحاسبة في عالمنا الإسلامي والعربي تكشف عن جرائم حقيقية ترتكب باسم مصاريف غداء وضيافة في المؤسسات الرسمية، إذ تنفق الملايين على إطعام عدد محدود من النواب والوزراء من الأغنياء بينما ألوف الفقراء يمكن أن تسد حاجتهم بهذه الأموال. أيضا، أصبحت عادات الإسراف في حفلات الزفاف؛ من المبالغة في نوع القاعة وخدماتها والضيافة وغيرها، مما يعرقل زواج كثير من الشباب والفتيات، ويفتح باب الحرام الذي تروّج له قيم حداثة معولمة. ويرتب الإسراف والمبالغة في حفلات الزفاف الديون الكثيرة على العريس وأهله. وللأسف، فإن هذه المصاريف المرهقة تكون سبباً للنزاعات بين العريسين لاحقاً، وقد تتسبب بالطلاق والانفصال. وقد تزايدت لدرجة مقلقة نسب الطلاق في السنة الأولى من الزواج لتصل إلى 40 % من حالات الزواج في عدد من الدول العربية.

وهذا الإسراف والمبالغة في شؤون الزواج هما نتيجة طبيعية لخلل معايير اختيار الطرف الثاني لبناء الأسرة. فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتزويج من رضينا دينه وخلقه من الرجال، والحرص على اختيار ذات الدين من النساء، وسُنته وهديه في تخفيف المهور مما يطرح البركة في الزواج وبناء هذه الأسرة الجديدة. ومن المهم في هذا الوقت توعية الشباب والفتيات بمفهوم وأحكام الزواج وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجاته، للحصول على أسرة ناجحة وموفّقة في ظل التآمر على تحطيم منظومة الأسرة؛ سواء عبر اختراق اللاوعي من خلال الإعلام، بأشكال من الدراما والرواية، أو عبر التشريعات الدولية المناقضة لمنهج الإسلام في الأسرة.

ومقابل هذا الإسراف، نجد ترويج قيم الفردية وعدم مشاركة الآخرين والتواصل معهم، حتى لو كانوا إخوة وأقارب أو جيرانا وزملاء، كنتيجة طبيعية لقيم الحضارة المادية. وفي المقابل، يرفض الإسلام البخل بعدم الإنفاق على الأهل أو المجتمع من تكافل وصدقة وزكاة. وأسوأ صور ذلك البخل هو البخل بسبب إنفاق المال على المخدرات والخمور.

* بخصوص التواصل مع المجتمع، فقد حث الإسلام على مخالطة الناس والإحسان إليهم وتعليمهم ومعاونتهم ونصيحتهم ومنع الظلم عنهم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: “كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ…” (آل عمران، الآية 110)، وقال صلى الله عليه وسلم: “المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم” (رواه ابن ماجة وصحّحه الألباني). وهذه الإيجابية نحو التواصل مع المجتمع هي التي زودت مجتمعاتنا الإسلامية بالقوة عبر العصور، والتي تحطمت عليها كل محاولات القضاء على أمتنا.

لذلك، فإن مما يلزم تقويته في هذه المرحلة، المزيد من التشاركية بين أهل العلم والدعاة والمجتمع، لأن وظيفة العلماء والدعاة هي إرشاد الناس إلى سبيل الله عز وجل الذي يحقق للبشرية مصلحتها في الدنيا والآخرة، خاصة مع تزايد سبل الشهوات والشبهات التي تصب على المسلمين والمسلمات صباح مساء.

وإذا لم يتصدّ العلماء الحقيقيون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالعلم والحكمة، فإن الجهلة والغلاة هم من سيقوم بذلك بجهل وتهور أو بتخطيط خبيث لنشر الفوضى والقلق. واستغلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من قبل المندسّين لزعزعة المجتمع أمر قديم، فقد نقل الإمام الطبري في تاريخه عن ابن سبأ اليهودي الذي أسس لفكر الخوارج قوله لأتباعه: “ابدأوا في الطعن على أمرائكم وأظهِروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا قلوب الناس وادعوهم إلى هذا الأمر”.

* من اتّباع النبي صلى الله عليه وسلم اتباعه في اللباس والهيئة. فقد أمر صلى الله عليه وسلم بالنظافة وحسن المظهر، وكان يحب التعطر والرائحة الجميلة. وهو لم يحدد لباساً أو زياً محدداً للرجال والنساء، لكنه وضع شروطاً عامة يلزم التزام جميع المسلمين والمسلمات المحبّين لله عز وجل ونبيه بها، من أهمها:

– ستر العورة. فلا يجوز أن تظهر العورات من الرجال والنساء، كلا بحسبه؛ سواء باللبس العاري أو الشفاف. وأيضاً، لا يجوز أن تجسد العورات بلبس الضيق. وما نشاهده من اتباع موضات تكشف عورات أصحابها في الصلاة في المساجد وغيرها، هو مما يبطل صلاتهم. تخيلوا شاباً يتوضأ ويترك عمله ويذهب للمسجد، لكن مع الركوع والسجود تظهر عورته فتبطل صلاته وهو لا يدري!

– عدم التشبه؛ بلبس الرجال لملابس النساء، وبلبس النساء لملابس الرجال، أو التشبه بلبس ملابس غير المسلمين مما يختص بهم. فمن الأخطاء لبس الشباب للأساور والسلاسل، وخاصة الذهب، في تشبه بالنساء وغير المسلمين. وكذلك ما نراه من بعض النساء من لبس ملابس الرجال. وما يلبسه الشباب والفتيات اتباعاً للموضة الوافدة؛ بلبس الممزق مما يكشف العورات. فهذه كلها مخالفات لهدي النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذه المخالفات في اللباس تجرّ لكثير من المفاسد الاجتماعية والاقتصادية؛ إذ تزيد من الجرائم الأخلاقية وتفاقم أزمة الاستهلاك بمتابعة الموضة وصرعاتها، وترهن الشباب والفتيات لقدوات سيئة أخلاقيا وقيميا.

* في قضية الموت والتي لا ينجو منها بشر، كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم توجيه الناس للاستعداد له بعمل الصالحات، قال الله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ” (الحشر، الآية 18). لذلك، كان من توجيهاته الدائمة صلى الله عليه وسلم: “اذكروا هادم اللذات” (رواه الترمذي). وكانت سنته عليه الصلاة والسلام التعامل مع الموت ورهبته بالتواضع والاعتبار، ولذلك نهى عن اللطم والصراخ، ونهى عن تعظيم القبور والبناء عليها، ونهى عن إشغال أهل الميت بتجهيز طعام أو ما شابه. لكن لما ابتعد الناس عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، أصبحت الجنائز تجمع مصائب متعددة.

إذ فوق حزن أهل الميت ومصابهم، فإن العادات المناقضة لسنته صلى الله عليه وسلم أصبحت تلزم أهل الميت بتجهيز مكان لائق وطعام وخدمة للمعزّين بما يخالف السنة النبوية. وقد يستدين أهل الميت من أجل هذه المظاهر الكاذبة، وهم أحوج ما يكون للمساعدة. وفي اجتماعات العزاء هذه، لا تجد عظة ولا اعتباراً لدى المتواجدين المشغولين بأخبار السياسة والاقتصاد والغيبة والنميمة. وحتى قراءة القرآن في اجتماعات العزاء تكون بلا خشوع ولا تدبر، لأن همّ كثير من هؤلاء القراء هو التجارة بالقرآن الكريم، فيما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أخذ الأجرة على قراءة القرآن. وليست حال النساء بأفضل؛ فهنّ بين نواح ولطم أو ترتيب زينة خاصة بالعزاء في مناقضة تامة لمغزى وعبرة الموت.

في الختام؛ إن اتباع أمر النبي صلى الله عليه وسلم في العادات فيه كل الخير والبركة الدينية والدنيوية لمن تأمل وتدبّر. وهذا جانب من الإيمان بالغيب؛ فبعض السنن قد لا نعرف فائدته وحكمته الآن، لكننا نؤمن بأن لها فائدة وحكمة ومصلحة، قد نعلمها وقد نجهلها، وواجبنا هو التسليم والاتّباع.

الغد الأردنية

عن أسامة شحادة

wavatar
كاتب وداعية إسلامي مصري

شاهد أيضاً

osamah-she7adah-33

القرآن الكريم وفضح مكائد خصوم الإسلام المعاصرين

القرآن الكريم كلام الله عز وجل الذي نزل من عنده ليبيّن للمؤمنين كل ما يحتاجونه …