الرئيسية / فكر ودعوة / الإعراض عن اللغو
abdelazeez-rajab-29

الإعراض عن اللغو

اللغو هو فارغ الحديث الذي لا طائل تحته، ولا حاصل وراءه، وهو الهذيان الذي يقتل الوقت دون أن يضيف إلى القلب والعقل زاداً جديداً، ولا معرفة مفيدة، وهو البذيء من القول الذي يفسد الحس واللسان، سواء وجه إلى مخاطب، أم حكي عن غائب.

فالقلوب المؤمنة لا تلغو ذلك اللغو، ولا تستمع إلى ذلك الهذر، ولا تعنى بهذا البذاء، فهي مشغولة بتكاليف الإيمان، مرتفعة بأشواقه، متطهرة بنوره،ينزهون أنفسهم عن اللغو، ويصونونها عن الخوض فيه،قال تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ }(القصص:55).

يقول الإمام البيهقي عن اللغو هو:” الباطل الذي لا يتصل بقيد صحيح ولا يكون لقائله فيه فائدة وربما يكون وبالاً عليه ينقسم فيكون منه أن يتكلم الرجل بما لا يعنيه من أمور الناس فيفشي سرائرهم ويهتك أستارهم ويذكر أموالهم وأحوالهم من غير حاجة به إلى شيء من ذلك عادة سوء آلفها فلا يريد النزوح عنها ويكون منه الخوض فيما لا يحل من ذكر الفجار والفجور والملاهي ..”.البيهقي في شعب الإيمان(7/415).

فهو يطلق على كل كلام قبيح باطل، كاخوض في المعاصي، والسب، والشتم، والرفث، وما إليها، قَال اللَّهُ تَعَالَى فِي صِفَةِ الْمُؤْمِنِينَ: { وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً } ( الفرقان / 72).

أي كنوا عن القبيح وتعففوا عن التصريح به.

وقال الجصاص: “إذا صادفوا أهل اللغو لم يخوضوا فيه”.( أحكام القرآن للجصاص 3 / 428،.

* مظاهر اللغو:

ويظهر اللغو في القول، وفي العمل، وفي الفعل، وفي النظر، وفي السماع، وفي التفرج، وفي الدعابة، وفي القراءة، وفي الرياضة، وفي السوق، وفي المنزل، وفي المدرسة، وفي التجارة، وفي الإعلام، وفي التعليم والتعلم، وفي الإدارة، وفي السياسة، وفي الحب، وفي الكراهية، وفي المنشط والمكره، وفي العادات، وفي العلاقات، وفي الممارسات، وفي السلوكيات، ظلمات بعضها فوق بعض إذا ظهرت الجدية النافعة لم يكد يراها.

نعم إن استيلاء اللغو على معظم نواحي حياة المسلمين نجم منه أضرار فادحة يرزح تحت عبئها الباهظ كاهل الأمة، وتنقض تحت وزرها ظهرها، من أهونها ،التسمم الفكري والتوسخ العقلي والذهني والتدنس العملي والإفلاس القيمي والانهيار الخلقي والتخلف الحضاري إلى جانب أنه أنتج تلبداً عقلياً وبلادة ذهنية وبساطة فكرية وطبيعة بهيمية أيضاً؛ فصار معظم أهل اللغو نفعيين براجماتيين لا يهمهم من القيم والمبادئ إلا ما عاد عليهم بنفع عاجل أو آجل إلى ثالوثهم الذي أهداه اللغو إليهم وهو ثالوث البطون والفروج والجيوب.

انقلبت الموازين، واختلت المعايير، وشوهت المفاهيم، والتبست معيارية الحق على الكثير فاختلط الحابل بالنابل. ومن أسوأ الانعكاسات السيئة والآثار السلبية له على المجتمعات كلها فقد الأمن والأمان في الدماء والأموال والأعراض والعقول، فبسببها تقع اعتداءات تشمئز منها النفوس وتنفر منها العقول .

ألم تر تلك الكوميديات القاتلة للوقت؟! ألم تر تلك المسارح الفخمة التي يفدى في سبيلها الملايين والملايين سواء من المال وسواء من الوقت؟ ألم تر تلك الأفلام الساقطة تعرض على ملايين الناس عبر شاشات التلفاز والسينما فتوجه الجماهير إلى الفحشاء والمنكر، وتعوِّدهم على سلب الأموال والأعراض، وتحرضهم على الاغتيال والانتحار؟! أليس من هذا التعويد الذميم ما انتشر في الأوساط المسلمة من جميع هذه السلبيات وعلى رأسها الانتحار؟! فيصرف الجماهير أوقاتهم النفيسة لها، يتفرجون عليها ساعات تلو ساعات دون أن تعود لا عليهم ولا على أسرهم ولا على أمتهم بأدنى نفع عاجل أو آجل سوى تعويدهم على الفحشاء والرذيلة أو على أيسر الاحتمالات قتل الوقت ؛ على حد تعبيرهم، فأهدرت خامات إنسانية وطاقات غزيرة في سبيله. ألم تر إلى ذلك اللغو العظيم والباطل الجسيم وما أدراك ما ذلك.

– اللغو العظيم:

تلك المباريات الرياضية التي تنشأ الأجيال على حبها وهواها بحيث جعلت إلهاً من دون الله، فتظهر بشكل واضح في جماهير الناس مصداقية قوله سبحانه: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً } (الفرقان:43) ألم تر ذلك اللغو والباطل الذي يسيطر على قطاع كبير من الصحافة العالمية سواء في الشرق أو في الغرب؟! ألم تر إلى النسيج العنكبوتي عبر الإنترنت وهو الأدهى والأمر كيف استولى على العقول واستأسر النفوس؟! ألم تر أن أهل اللغو في كل واد يهيمون ولا يتبعهم في مسالكهم إلا الغاوون؟ فهل من مدكر!

والأكثر إثارة للعجب والدهشة أن كثيراً من المسلمين الذين يقرؤون صباح مساء قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} (المؤمنون: 3)، وقوله جل في علاه: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً}( الفرقان: 72) وكثيراً من الذين يعدون في مصاف المسلمين الواعين الساهرين على هموم الإسلام لم ينجوا من هوى اللغو في بعض مظاهره كالمباريات الرياضية أو الأفلام غير المجدية أو غير ذلك مما هم به أدرى بما أملت عليهم أهواؤهم من الفتاوى الباطلة والعلل الساقطة، فتراهم يصرفون أوقاتاً نفيسة عليها بدون جدوى. ولكن سوف يعلمون! وإلى الله المشتكى!

وتجنّب الفحشاء لا تنطق بها ما دمت في جدّ الكلام وهزله
واحبس لسانك عن رديء مقالة وتوقّ من عثر اللسان وزله

* أهمية الإعراض عن اللغو:

– الإسلام يدعوا لتهذيب الأخلاق:

إن الإسلام أتى للإنسانية في باب تربية الأفراد وتنقيح أفعالهم وتهذيب أخلاقهم بما لا مثيل له، ففتح على المسلم عالماً خصباً ممتد الأرجاء مكتمل الجوانب في التكميل النفسي والتطهير الروحي والتزكية الخلقية والتربية البدنية؛ فهو يأتي في جميع هذه الممارسات بأسمى القيم وأفضل المبادئ وأنفع القواعد التي من إحدى خصائصها سهولة تكيّف النفس بها ويسر تطبيقاتها الواقعية، واهتم بالممارسات غير الأخلاقية والعادات السيئة التي لا تأتي للفرد والأمة بخير وصلاح، وتضرهما ضرراً بالغاً، ومن هذه الممارسات السلبية اللغو:

فاللغو بمعناه اليسير يضفي صبغته الممقوتة على جميع صفحات بعض من المسلمين ومعظم جوانب حياة بعضهم الآخر منهم، مع أن المفروض أن يكون أبعد خلق الله من اللغو هم المسلمين؛ لوفرة تلك التعاليم القرآنية الإسلامية الرادعة لهم عن التلبس باللغو إلى درجة أن جعل في المنظور النبوي ترك اللغو شاهداً على حسن إسلام المرء، فعن أبى هريرة-رضي الله عنه-عن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال:” من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”.

أخرجه: الترمذى (4/558 رقم 2317) وقال: غريب. وابن ماجه (2/1315، رقم 3976)، والبيهقى في شعب الإيمان (4/255، رقم 4987)، وابن حبان (1/466 ، رقم 229).

لكن مع الأسف الشديد بلغ الأمر بالمسلمين في التوجه لهذا اللغو البغيض واللهو المقيت إلى حد لا تفرق بين حياة مسلم وغيره في الانعكاسات اللَّغْوية والتظاهرات اللهوية، ولم يقف فُشُوُّ اللغو عند حد الفرد بل وصل إلى مستوى التوجه الجماهيري؛ فمن هنا تراجع المسلمون تراجعاً حضارياً مرعباً، فارتبكوا من جراء ذلك في أوحال التخلف والجهالة الجهلاء. ورغم الضربات القاسية التي كانت تتوالى ولا تزال على جسد أمتهم العظمى بين فينة وأخرى لكنهم لم يتنبهوا من غفلتهم، ولم يتجنبوا مواطن ذلهم وخنوعهم لما خدرهم به ذلك التلبس باللغو والممارسة البالغة له، فأورثهم أمراضاً لم يعلموها؛ فكان اللغو من أعظم العوامل في ازدياد سباتهم في مراقد غفلتهم وجهالتهم.

* الغرب يسره تلك الفوضى الأخلاقية:

لعل من أبرز سمات هذا العصر الذي سادت فيه قيم الحضارة الغربية بقضها وقضيضها على معظم أرجاء العالم اللغو؛ فبينما كان في سالف الأزمان سمة فردية تبدو في بعض الأحيان على بعض الأفراد فقط، صار اليوم ظاهرة اجتماعية تحدد كمّاً كبيراً من جوانب حياة كثير من الحشود البشرية، كما أنه من أبرز الكيفيات التي يتكيف بها كثير من جبهات حياتهم. ترى الرغبة الجماهيرية متوجهة إلى أنواع اللغو توجهاً جنونياً يضحك منه الذئاب والكلاب. الحشود العظيمة تتكتل على مظاهر اللغو في الشرق والغرب والجنوب والشمال تكتلاً تتحير فيه الألباب، وتنفق القوى الكبرى العالمية في هذا العصر على مشاهد اللغو واللهو ومظاهر العبث والمجون أموالاً طائلة لو أنفقت على محاويج الناس فربما لم يبق فقير على سطح الكرة الأرضية، ولكن لا لوم عليهم في ذلك من ناحية أنفسهم؛ فإنهم وصلوا بذلك البث اللغوي إلى قدر كبير من التخدير البشري، ذلك التخدير الذي به وصلوا إلى جل مآربهم السياسية والاقتصادية والعسكرية في العالم عامة والإسلامي خاصة؛ بحيث ما كانوا يتصورون تحقق ذلك ولا في أحلامهم؛ فحق لهم أن ينفقوا عليه كل ما أرادوا أن ينفقوا ويدل على ذلك ما اشتهر عن الغربيين من مقولتهم : بإدخالنا ثلاث سينات بين المسلمين ارتحنا كثيراً: (الرياضة: (SPOR) السينما: (SINEMA) الحياة غير المشروعة: (SEX) ..

تُصرف هنا وهناك أوقات نفيسة طويلة على التفرج على اللغو واللهو والباطل دون فائدة تعود على الفرد والأمة التي لو أنفقت على عمارة البلاد لكفتها، ولأنقذتها من كثير من أزماتها الاقتصادية، ولخفف عنها تخلفها الحضاري. وفي غمرة هذا الضياع تنشأ الأجيال القادمة على حب اللغو بمختلف مظاهره وجعله ركيزة أساسية من ركائز الحياة، فيأخذ مركزاً أصلياً ومحوراً حيوياً في حياة الناس يدور في فلكه كثير من شؤون حياتهم، ويتشكل حسب الاتجاه اللَّغْوي الاتجاه العقلي والثقافي عند غير قليل منهم، فيظن كثير من الناس أن اللغو أو ما يعبرون به عنه حاجة أساسية في حياة الناس ولا يستغنى عنه أبداً.

الكلمات تكتب:ليعلم أن الكلمات تسطر، وأن الكلمات تكتب، قال الله تبارك وتعالى: { مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } [ق:18] أي قول يسطر ويكتب، حتى المزاح يكتب، حتى الأنين يكتب.

لقد كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مرض موته يئن منه أنيناً فقيل له: يا إمام! إن طاوساً يقول: إن الأنين يكتب، يعني لقول الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق:18] فيقول الراوي: فما أنّ الإمام أحمد رحمه الله تعالى حتى مات.

ورب العزة يقول في كتابه الكريم: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} [الكهف:49] .

ويقول الله عز وجل: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ} [القمر:52-53] ، وقال تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار:10-12] .

فالكلمات تكتب، فلأن تأتي صحائف أعمالك يوم القيامة نقية بيضاء مسطّر فيها ذكر الله عز وجل خير لك من أن تأتي صحائفك قد ملئت باللغو واللغط، واغتياب المسلمين والمسلمات.

من صفات عباد الرحمن: عباد الرحمن من أوصافهم أنهم إذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه، ولا يخالطون أهله، ولا يعاشرونهم، وإذا سفه عليهم سفيه وكلمهم بما لا يليق بهم الجواب عنه أعرضوا عنه، ولم يقابلوه بمثله من الكلام القبيح، ولا يصدر عنهم إلا كلام طيب، قال تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً } (الفرقان:72)، وقال: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } (القصص:55).

من سمات الجنة وأهلها: فمن أهم ميزات الجنة أنها لا لغو فيها ولا تأثيم ،قال تعالى: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلَّا سَلَاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً } (مريم:62)، وقال: {يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ } (الطور:23)، وقال: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا تَأْثِيماً } (الواقعة:25)، وقال: {لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا كِذَّاباً } (النبأ:35).

يبنى له بيت في الجنة: عن أبي أمامة-رضي الله عنه-عن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال: ” أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه”.

أخرجه: أبو داود (4/253 ، رقم 4800) ، والطبراني (8/98 ، رقم 7488) ، والبيهقي (10/249 ، رقم 20965)، والطبراني في الأوسط (5/68 ، رقم 4693) .

الفلاح: البعد عن اللغو من أركان الفلاح، ودلائل الاكتمال، وقد ذكره القرآن الكريم بين فريضتين من فرائض الإسلام المحكمة، هما الصلاة والزكاة، قال تعالى:{ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ{1} الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ{2} وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ{3}(المؤمنون).

حسن إسلامه: عن أبي هريرة-رضي الله عنه-عن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال:” من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”.

أخرجه: الترمذي (4/558 رقم 2317) وقال : غريب . وابن ماجه (2/1315، رقم 3976).

وعن أبي هريرة-رضي الله عنه- أن رجلاً قتل شهيداً فبكته باكية فقالت واشهيداه فقال – صلى الله عليه وسلم:” وما يدريك أنه شهيد فلعله كان يتكلم فيما لا يعنيه أو يبخل بما لا ينقصه”.أخرجه: البيهقي في شعب الإيمان (4/261 ، رقم 5010) .

يقول: ذا النون من حب الله :عاش ومن مال إلى غيره طاش والاحمق يغدو ويروح في لاش والعاقل عن خواطر نفسه فتاش السلامة من شرور الناس:قال ذو النون: يقول: من نظر في عيوب الناس عمى عن عيوب نفسه ومن عني بالنار والفردوس شغل عن القال والقيل ومن هرب من الناس سلم من شرورهم و من شكر زيد.

الحكمة: قيل للقمان ما حكمتك قال: لا أسأل عما قد كفيت ولا أتكلف ما لا يعنيني.

– سيادة القوم: قال معاوية قال للأحنف بن قيس: بما سدت قومك وأنت لست بأنقبهم ولا أشرفهم قال: إني لا أتناول أو قال: لا أتكلف ما كفيت وأضيع ما وليت.

تكريم نفسه: قال الزجاج: لا يجالسون أهل المعاصي ولا يمالئونهم ومروا مر الكرام الذين لا يرضون باللغو لأنهم يكرمون أنفسهم عن الدخول فيه والاختلاط بأهله.

* عقاب من يخوض فى اللغو:

خطر اللسان عظيم، فقد يلقى الإنسان في جهنم والعياذ بالله بسبب كلمة يقولها، وربما يكب على وجهه في جهنم بسبب ما حصده لسانه، فليس هناك أحوج إلى طول حبس من اللسان حتى تكتب السلامة للعبد يوم يلقى الله.

ما أحسن كلام أبي حامد الغزالي الذي يصف فيه الباغين في اللغو العابثين فيه الوالهين به، دون رصدٍ للحق أو رعاية للحدود، فقال في إحيائه عن مرحهم: “إنه من مشوشات القلب إلا في حق، أقوياء فقد استخفوا عقولهم وأديانهم من حيث لم يكن قصدهم إلا الرياء والسمعة وانتشار الصيت، فلم يكن لهم قصد نافع، ولا تأديب نافذ؛ فلبسوا المرقعات، واتخذوا المتنزهات؛ فيظنون بأنفسهم خيراً، ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ويعتقدون أن كل سوداء تمرة، فما أغزر حماقة من لا يميز بين الشحم والورم، فإن الله تعالى يُبغض الشباب الفارغ، ولم يحملهم على ذلك إلا الشباب والفراغ: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [الجمعة:11]. أنظر:إحياء علوم الدين:2/250

1- من أكثر الناس خطايا يوم القيامة:

عن عبد الله بن أبى أوفى-رضي الله عنه-عن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال:” إن أكثر الناس ذنباً يوم القيامة أكثرهم خوضاً في الباطل “. البيهقي في شعب الإيمان:(7/416 رقم 10808).

2- الهلاك:

عن أبي هريرة-رضي الله عنه-عن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال:”إن العبد ليقول الكلمة لا يقولها إلا ليضحك بها الناس يهوي بها أبعد مما بين السماء والأرض وإنه ليزل عن لسانه أشد مما يزل عن قدميه “.

أخرجه: البيهقي في شعب الإيمان (4/213، رقم 4832)، وابن المبارك في الزهد (1/255، رقم 734) .

قال سهل بن عبد الله: من بطر القين ومن تكلم بما لا يعنيه حرم الصدق ومن شغل جوارحه في غير طاعة الله حرم الورع فإذا حرم العبد هذه الثلاثة أشياء هلك وهو مثبت في ديوان الأعداء.

3- ضياع ما يعنيه:

يقول ذا النون: من صحح استراح ومن تقرب قرب ومن صلى صفى ومن توكل وثق ومن تكلف ما لا يعنيه ضيع ما يعنيه.

4- يذل نفسه:

عن الحسن قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم -:” لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه قالوا: كيف يذل نفسه؟ قال: يتعرض للبلاء لما لا يقوم له”. البيهقي في شعب الإيمان(7/418 رقم 10821) وقال: هكذا جاء مرسلاً.

* كيفية التخلص من اللغو:

1 – ترك اللغو:

عن أبي هريرة-رضي الله عنه-عن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال:”من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت”.

أخرجه: الطيالسي (ص 308، رقم 2347)، والحاكم (4/182، رقم 7297).

وعن ابن عمرو-رضي الله عنه-عن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال:” من صمت نجا “.

أخرجه: أحمد (2/159، رقم 6481)، والترمذي (4/660، رقم 2501) وقال: غريب

وعن أوس بن أوس –رضي الله عنه-قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وذكر الجمعة: “من غسل واغتسل وغدا وابتكر وأنصت ولم يلغ كان له بكل خطوة كأجر سنة صيامها وقيامها”.

أخرجه: الطبراني (5/102، رقم 4726) قال الهيثمي (2/178): فيه إبراهيم بن محمد بن جناح ولم أجد من ذكره وبقية رجاله ثقات.-

2- المحافظة على العبادات:

فإنها تبعد عن اللغو ومجالسه، فالصيام الحقيقى هو بعد عن اللغو والرفث،عن أبي هريرة-رضي الله عنه-عن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال: “إن الصيام ليس من الأكل والشرب فقط إنما الصيام من اللغو والرفث فإن سابك أحد أو جهل عليك فقل إنى صائم”.

أخرجه: أخرجه الحاكم (1/595، رقم 1570) وقال: صحيح على شرط مسلم، وابن حبان (8/255 ، رقم 3479) .

وهكذا كل العبادات تأديتها تأدى إلى ترك اللغو والإعراض عنه

3- الصدقة:

عن قيس بن أبي غرزة قال: أتانا النبي -صلى الله عليه وسلم- ونحن في السوق فقال: “إن هذه السوق يخالطها اللغو والكذب فشوبوها بالصدقة”.

أخرجه: الحاكم(2/6 رقم 214)، والطبراني في الكبير(18/354 رقم 15614)، وأحمد(26/59 رقم 16136).

4- اختر جليسك:

يقول الفاروق -رضي الله عنه-: (جالسوا التوابين فإنهم أرق شيء أفئدة) .

إن هذه الحياة قصيرة، فلا مجال فيها للهو واللعب، وساعات العمر معدودة، وما تلفظ من قول إلا لديك رقيب عتيد، فذو العقل الحصيف، والرأي الصائب لا يضيع أوقاته وساعاته المحدودة المعدودة في لهو وباطل، ومخالطة ومعاشرة لأهله، بل يَرْبَأ بنفسه عن مثل ذلك، ولا يُقحمها فيما فيه هلاكها، بل العاقل يكون على الهمة، طاهر النفس، يحمل نفسه على مكارم الأخلاق، ومعالي الأمور، ويبتعد عن الرذائل وسفاسف الأخلاق، لا سيّما وديننا الحنيف يأمرنا بذلك، ويحثنا على التحلي بمكارم الأخلاق ومحاسن السجايا، ويُنَوّه بالمؤمنين ويثني عليهم في اجتنابهم اللغو وإعراضهم عنه، ويعدهم على ذلك الثواب الجزيل، ويخبر أنهم أهل الفلاح.اختر مجلسك:

يقول ابن القيم:”مجالس الذكر مجالس الملائكة ومجالس اللغو والغفلة ومجالس الشياطين فليتخير العبد أعجبهما إليه وأولاهما به فهو مع اهله في الدنيا والآخرة”. الوابل الصيب من الكلم الطيب:56

4- حول المجالس إلى طاعة:

عن مخراق مؤذن سعيد بن جبير قال : سمعت أبا هريرة-رضي الله عنه- في مسجد رسول الله-صلى الله عليه وسلم- يقول: المجالس ثلاثة فمنهم الغانم ومنهم السالم ومنهم الشاحب فأما الغانم فعبد ذكر الله فذكره الله وأما السالم فعبد لم يمل على كاتبه خيراً ولا شراً و أما الشاحب فهو الذي يأخذ الباطل فيشحب نفسه “. شعب الإيمان:(7/417 رقم 10814)

وعن أبي هريرة-رضي الله عنه-عن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال: “ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار وكان ذلك المجلس عليهم حسرة يوم القيامة”.
أخرجه: أبو داود (4/264، رقم 4855)، والحاكم (1/668 ، رقم 1808)، والبيهقى فى شعب الإيمان (1/403 ، رقم 541).

5- ذكر الله فى نهاية المجلس:

بأن يستغفر الله: عن الزبير رضي الله عنه-عن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال: “إذا جلستم تلك المجالسَ التي تخافون على أنفسِكم فقولوا عند مقامِكم سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرُك وأتوبُ إليك”.

أخرجه: الطبراني في الصغير (2/170، رقم 970)، وفي الأوسط (7/82، رقم 6916). قال الهيثمي(10/142): فيه من لم أعرفه .

عن أبي هريرة-رضي الله عنه-عن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال: ” كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلس لغو أو في مجلس باطل عند فراغه ثلاث مرات إلا كفر بهن عنه ولا يقولهن في مجلس خير ومجلس ذكر إلا ختم الله بهن عليه كما يختم بالخاتم على الصحيفة سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك “.

أخرجه: أبو داود (4/264، رقم 4858) ، وابن حبان (2/353) .

قراءة سورة العصر: فقد روي عن عن أبي مدينة الدارمي –رضي الله عنه-وكانت له صحبة -قال :” كان الرجلان من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه و سلم- إذا التقيا لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة والعصر إن الإنسان لفي خسر إلى آخرها ثم يسلم أحدهما على الآخر” . أخرجه : الطبراني في الأوسط(5/215 رقم5124) .

يقول سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين:

عن ابن عباس-رضي الله عنهما- قال: كنا نعرف انصراف رسول الله صلى الله عليه و سلم بقوله {سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين * والحمد لله رب العالمين} أخرجه: الطبراني في الكبير(11/150 رقم 11243) .

وعن الأصبغ عن علي-رضي الله عنه-عن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال: “قال من أحب أن يكتال بالميكال الأوفى فليقرأ آخر مجلسه أو حين يقوم سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين”.

أخرجه:أبو نعيم فى حلية الأولياء(7/123)

الصلاة على النبي-صلى الله عليه وسلم: فعن أنس-رضي الله عنه-عن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال:”ما من عبدين متحابين في الله فيستقبل أحدهما صاحبه فيصافحه ويصليان على النبي إلا لم يتفرقا حتى يغفر لهما ذنوبهما ما تقدم منها وما تأخر”.

أخرجه: البخاري في التاريخ الكبير (3/252)، وأبو يعلى (5/334، رقم 2960) قال الهيثمي (10/275): فيه درست بن حمزة، وهو ضعيف.

{اللهم طهر قلوبنا من النفاق وأعمالنا من الرياء ألسنتنا من الكذب وأعيننا من الخيانة فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور}.

وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

عن عبدالعزيز رجب

wavatar
داعية إسلامي، وباحث شرعي ،و عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين من مصر

شاهد أيضاً

ali-qardagi-48

النفاق من أخطر أمراض القلوب

إذا تدبرنا في كتاب الله تعالى، وفي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وفي سيرته …