الرئيسية / أقلام وآراء / حول محاولة ترامب تصنيف جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، الغرب…, والإسلام وخرافة المواجهة
zoheer-salem-569

حول محاولة ترامب تصنيف جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، الغرب…, والإسلام وخرافة المواجهة

* نستعير عنوان (الإسلام وخرافة المواجهة) من الكاتب البريطاني (فريد هاليداي)، الذي تحدث منذ أواخر الثمانينات، عن الدعوات المحمومة، التي تفتعل في نفوس بعض الغربيين ومن يقابلهم من المسلمين لافتعال حرب صليبية جديدة بين الغرب والإسلام والمسلمين.

نعتقد أن شواطئ البحر المتوسط هي الأكثر حميمية حضارياً وثقافياً ومجتمعياً على الرغم مما يبدو من شدة الخلاف. وتشكل هذه الشواطئ عتبات حيوية للتواصل بين العالمين الإسلامي والمسيحي الأوربي – الأمريكي. وإن تهدجت الأصوات.

* في يقيننا أن العالم اليوم يقاد إلى نوع من الاستقطاب، بين الإسلام والمسيحية، بفعل أشخاص مرضى ينتشرون على كل الجبهات لا يتبصرون بالعواقب. أشخاص لم تفلح دروس التاريخ، في تغيير قناعاتهم، أو في ترشيدهم ليوفروا المزيد من الآلام على الإنسانية والإنسان.

* بالنسبة إلينا، نحن المسلمين عامة، وجماعة الإخوان المسلمين خاصة؛ بتنا اليوم أكثر إدراكاً ووعياً وتفهماً، أن الغرب ليس واحداً، وأن ليس كل رجال الكنيسة الكاثوليكية هم أوربان الثاني، ولا بطرس الناسك، وليس كل رجال السياسة هم ريتشارد قلب الأسد أو لويس التاسع. وكذا ليس كل الأمريكيين هم الرئيس دونالد ترامب. نحن اليوم أكثر إدراكاً أن في العالم أجمع وفي الغرب الأوربي والأمريكي عقولاً وقلوباً يجب علينا أن نعترف بها وأن نعوّل عليها، لتبديد سحب الاستقطاب، وسحب فتيل الأزمة المفتعلة، والحيلولة دون الاستجابة اللاوعية لاستفزازات مجموعات وأفراداً من طبيعتهم الغلو والنزوع إلى الشر والاندفاع إلى الحرب التي أمرت بتجنبها كل القيم والأديان.

* بتنا اليوم أكثر إدراكاً أن إرادة الشر في العالم يسوسها أفراد معدودون، ينتشرون بين العديد من الأطراف، بعضها فاعل ذرائعي، يمسك بمفاصل القرار الدولي، وقد افصحت عن نياتها المدمرة تجاه الإسلام والمسلمين في كثير من المجالات، كان منها ما فضحه الكاتب البريطاني (فريد هاليداي). وكان منها ما أفصح عنه الرئيس الأمريكي الأسبق (ريتشارد نيكسون) في كتابه (نصر بلا حرب)، حيث دعا قبل ثلاثة عقود إلى الاستعداد للحرب على ما دعاه (الخطر الأخضر)، قبل أن يكون في بلاد المسلمين تطرف ولا متطرفون، وقبل أن يقصف برجاً التجارة العالميين، وقبل أن تظهر التنظيمات الغالية من الإرهابيين، وعزز هذه الدعوات المريبة ما كتبه صاحب صراع الحضارات ومحركوه ومناصروه.

* كما ندرك أن من هؤلاء الذين يسعرون نار العداوة والبغضاء بين الشعوب، ويحاولون الاستثمار في هشيم الكراهية، مجموعةً من المستبدين الفسدة من الحكام العرب والمسلمين يرون في حراك الشعوب، وفي حيويتها، وفي تواصلها، تهديداً لنفوذهم ولمصالحهم فيظلون يحرضون على من يدعون أنهم (شعوبهم)، ويشوهون صورتهم، ويخوفون منهم وهؤلاء أولى بالحرب، وأولى بالمقاومة، وأولى بأن تكف شرورهم وآثامهم عن حياة الناس أجمعين.

* ونذكر في هذا السياق فريقا ثالثاً من المنتسبين إلى الإسلام، والمحسوبين عليه، شاركت في تكوين عقولهم، وتشكيل وعيهم، وتأليبهم لتكون لهم راية، مجموعة معقدة من المدخلات والعوامل والظروف، منها الجهل ومنها الظلم ومنها انسداد الأفق ومنها فقدان المعلم الحق والمرشد الناصح؛ فلا هم فقهوا الإسلام، ولا هم انطبعوا بقيمه الحقيقية، وانضاف إليهم بفعل فاعل من دُس دسيسة على الإسلام والمسلمين، مما صنعوا في مختبرات أجهزة المخابرات العالمية، ليفتك كل هؤلاء بالمسلمين، ويألبوا عليهم، ويعطوا الذرائع لعدوهم باسمهم، فكان هؤلاء مع ما يحملون من عناوين الإسلام وراياته أبلغ سلاح في النيل من الإسلام، وقطع الطريق على مشروعه، والإثخان في دعاته وأبنائه. ولقد شكل هؤلاء بما ارتكبوا يرتكبون من جرائم وفظائع، وبما يصدرون من أصوات ويلقون من خطاب، مع من سبقهم، نفير حرب مدمرة سيجني العالم منها، إن نجح هذا الثلاثي المشئوم، المزيد من الشرور والآثام والآلام.

* ليس من جبن ولا من خوف ولا ضعف نسطر اليوم هذا الموقف التاريخي، ونحن نسمع الدعوات المستفزة الشريرة تتطاير حول العالم من أكثر من اتجاه، ونتابع أطراف الشر الثلاثة يشتركون في إذكاء نار العداوة والبغضاء بين الشعوب والثقافات والحضارات. بل إننا نعلن من موقع الثقة بجميل وعد الله، وبقوة كلماته التي أمر بها كل البشر بالحب والسلام، أننا سنظل اليد الممدودة لكل الأخيار من محبي السلام على كل الضفاف والشطآن، حتى نحول جميعاً بين إرادة الشر وأن تحقق اهدافها وتلحق بالإنسانية جمعاء المزيد من الأذى، والمزيد من العناء.

* منذ أكثر من قرنين من الزمان كتب الفيلسوف الألماني (عمانويل كانت) كتابه (نحو السلام الدائم) ودعا فيه الإنسانية جمعاء إلى الالتقاء على ميثاق، غير ميثاق القتل وسفك الدماء. وقرر فيه بجلاء لا لبس فيه أن (الديموقراطيات لا تتحارب) بمعنى آخر أن الشعوب كل الشعوب ليس لها مصلحة بالحرب. الأمهات لا يردن الحرب، والآباء لا يردنها، الزوجات لا يردن الحرب، ولا يريدها الأطفال كذلك، إنما يسعى إلى الحرب القادة المتغطرسون الذين يعميهم ويغريهم شعور بالقوة زائف كما كان شعور النازي والفاشي في الأمس القريب، وإنما يسعى إلى الحرب المستبدون الفاسدون الذي يساندهم طغاة العالم ليسيطروا من خلالهم على مقدرات الشعوب. ردد (عمانويل كانت) كثيرا أن السلام (ليس من لقى الطبيعة وإنما تصنعه إرادة البشر). ونحن نعتقد أن الإسلام ومشروعه العالمي لنفي الفتنة عن حياة الناس هو شريك أساس في صناعة السلام لكل البشر.

* لقد انطلقت جماعتنا جماعة الإخوان المسلمين في سورية وفي العالم، والتي ناهز عمرها على قرن من الزمان، جماعة دعوية إسلامية خالصة. وظل شعارها دائماً الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة. كما خضعت هذه الجماعة على مدى عقود مضت لأشكال الفتنة والمحنة والابتلاء فصابرت وصبرت وضحت، لكي تنتقل بشعوب أمتنا المستضعفة إلى بحبوحة الحرية والعدل والكرامة الإنسانية، التي هي جوهر المشروع الذي يدعو إليه الإسلام.

* لقد أكثر السيد المسيح في وصاياه من التحذير من الأنبياء الكذبة. وقال (من ثمارهم تعرفونهم). وهذه هي ثمار الحكام المستبدين الفاسدين في عالمنا وعلى أرضنا. فهل يكفي في هذا المقام أن نختصر ثمار المستبد الفاسد بشار الأسد في تقرير منظمة العفو الدولية الأخير، يحدث البشرية أجمع عن (المسلخ البشري) في سجن صيدنايا الرهيب. أو هل يكفي لمعرفة بشار الأسد أن ترصد جريمته المسطورة في استخدام غاز السارين ضد أطفال رضع حصدهم في دقائق بالمئين؟!

* الأنبياء الكذبة هم الذين يصفون مشروع جماعة الإخوان المسلمين على أنه مشروع علو في أرض وفساد، أو مشروع غلو وتطرف وجمود وإكراه… ولم تدعُ هذه الجماعة قط إلا إلى الخير والعدل والبر والإحسان والمساواة والبناء والنماء والتعاون على البر والتقوى مع كل من يمد يداً بالبر والتقوى. وتاريخها وتاريخ رجالها العملي شاهد، ووثائقها وميثاقها ومشروعها وخطابها الذي يبشر بالوسطية والاعتدال شاهد آخر.

* ليبقى لنا في إنسانية الإنسان وفي عقول العقلاء أمل نستمسك به للتصدي لعواصف الشر من أي جهة عصفت. ولتبقى دعوتنا القرآنية إلى الكلمة السواء مفتوحة قائمة. والله ربنا ولن يترنا أعمالنا. ونحن نحن الذين قال فينا ربنا ((الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)). حسبنا الله ونعم الوكيل..

عن زهير سالم

wavatar
مدير مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية في لندن

شاهد أيضاً

ali-qardagi-48

النفاق من أخطر أمراض القلوب

إذا تدبرنا في كتاب الله تعالى، وفي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وفي سيرته …