الرئيسية / فكر ودعوة / “كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه”
m-kazar-almajali-15

“كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه”

المجتمع الحي هو الجدير بالاستمرار والتفوق والحضارة؛ الذي أفراده ومجموعاته على يقظة تامة بكل ما يهمه، ويعدّون أوطانهم سفينة النجاة لهم إلى بر الأمان، فلا بد من صيانتها، بل الارتقاء بها وتفوقها. ولا يمكن أن نتخيّل بحال أفرادا سلبيين مخرِّبين، ولا آخرين جالسين لا يهمهم أمر أمتهم ولا أوطانهم ومجتمعاتهم.

لقد قصّ الله علينا في سورة الأعراف قصة القرية التي كانت حاضرة البحر، حين اعتدوا في السبت، وابتلاهم الله، وانقسم الناس إلى ثلاث فرق: فرقة تخوض في المنكر؛ وأخرى تنهاها عن المنكر؛ وثالثة معترضة على الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر أن “… لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ” (الأعراف، الآية 164)، فكانت النتيجة أن أنجى الله الذين ينهون عن السوء، وهي الفرقة الحية التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وأخذ الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون، وأعرض السياق عن ذكر الفرقة الثالثة؛ قيل احتقاراً لها، وقيل هي مع الفرقة الهالكة، لأنها لم تأخذ على أيديها.

ولعل من أسوأ مستويات فكر الإنسان المسلم هذا البرود والجمود والسلبية، حين يعيش لِذاته ولا يهمه شيء في الحياة إلا نفسه. فعلاوة على أنها علامة أنانية، فهي مشكلة في إيمانه؛ إذ الأصل أن يقوده إيمانه إلى ما هو إيجابي في حياته. فهذا الدين بحاجة إلى أبنائه وبناته، لا ينتصر بمعجزة، بل قضى سبحانه: “… ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم، ولكن ليبلو بعضكم ببعض…” (محمد، الآية 4). فالله قادر على محو الظلم ودحر الباطل وإنهاء الكفر، ولكنه يبتلي عباده ببعضهم فيما يُعرَف بسنة المدافعة. ولا بد لأهل الحق أن ينهضوا ويدافعوا عن حقهم، وإلا فسدت الأرض، وهُدِّم الدين كله، علامة على انتكاسة الناس في كل ما لا يحبه الله تعالى، وحينها يكون العذاب.

ذكر الله لنا أيضاً في كتابه في سورة المائدة قوله: “لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ” (المائدة، الآيتان 78 و79). فهذا اللعن استحقوه بسبب عصيانهم واعتدائهم، وأيضاً لأنهم لم يكونوا حريصين على دينهم، ولم يتواصوا بالحق أمرا بمعروف ونهيا عن منكر؛ فبئس الحال حالهم، وبئس الإيمان الذي سلكوه، حين لم يتمعّر وجه أحدهم لله، ولم يغضب لله، ولم يتفاعل مع دين الله.

وحين نقرأ مثل هذه الآيات فليس المقصود منها هؤلاء الأقوام فقط، فهي منطبقة على المسلمين أيضاً.

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عدّه بعض العلماء ركناً سادساً للإسلام، يعكس تفاعل المسلم مع دينه، ويحافظ من خلاله على سلامة مجتمعه من الخلل، وسلامة الدين نفسه من أن يطرأ عليه أي خلل. وهو ليس دوراً للعلماء فقط، بل كلٌ حسب استطاعته؛ فالمعروف والمنكر معلومان في العموم، تتفق العقول السليمة على كونهما معروفاً ومنكراً.

لا نريد لمجتمعاتنا أن يبرد إيمانها وتفاعلها مع دينها، تارة باسم الحرية الشخصية، وأخرى باسم عدم التدخل فيما لا يعنيني، ولذلك نشأ فهم مغلوط عن بعض النصوص، كأن يستشهد أحدنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: “من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”، ليكون دليلا على عدم التدخل في شؤون الناس. وهذا صحيح لكن في خصوصياتهم، أما ما له علاقة بمنكر فعلوه، أو بأفكار يبثّونها، أو بانحراف واضح اقترفوه، فالأصل النصيحة والتذكير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأحدنا لا يقترف الحرام ابتداء إلا إذا سار في اتجاهه خطوة خطوة، وبيّن الله تعالى ذلك في شأن الشيطان وأنه ينقل فريسته إلى الحرام خطوة خطوة، ولذلك قال تعالى: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ…” (النور، الآية 21)؛ فهو أذكى من أن يأمرك أو يوسوس لك بمنكر عظيم مرة واحدة، بل ينقلك من خطوة بسيطة لأخرى أعظم، وهكذا.

ومن النصوص التي يفهمها بعض الناس خطأ قوله تعالى: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ…” (المائدة، الآية 105)، فيفهمها بعضهم أنني ملزم بنفسي فقط، فإن اهتديت فأحمد الله، ولا يضرني ضلال الآخرين ما دمت مؤمنا. والحقيقة أن هذا المعنى يكون بعد أن ينهى أحدنا عن المنكر ويأمر بالمعروف، ويستنفد طاقته في النصح والتوجيه، وليس ابتداء.

من الناس والمؤسسات من نذروا أنفسهم ليقفوا في وجه الخير والمعروف. ومصيبة العصر أن كثيرين اعتقدوا أن الدين وسيلة للتطرف، ومن ثم الإرهاب الذي أشغلنا أعداؤنا به؛ هم الذين يؤسسون الفكر المنحرف ويموّلون أتباعه، بل يمدونهم بالسلاح، وبعد ذلك يلصقونه بالدين، ويتبعهم خفاف العقول وأصحاب العواطف من دون تمحيص، وفي النهاية يُتَّهم الإسلام على وجه التحديد بأنه دين الإرهاب. ويقودهم هذا المخطط لوضع علامات استفهام كثيرة كبيرة على الدين والتعليم الديني والمسجد وخطبة الجمعة ومراكز تعليم القرآن، هكذا جملة واحدة من دون تمحيص، وتكون النتيجة –لا سمح الله- جهل وتخبط ومجلبة للعن الله لنا، وتيه يسرح فيه المجتمع حين يصبح بلا قيم ولا ضوابط.

مطلوب من الجميع وعي وفهم؛ ونحن جميعا أهل السفينة، لا نسمح لأحد كائنا من يكون أن يخرق في السفينة أي خرق، أو أن يفسد شأنها، نريد النجاة جميعا، وهذا الوصف ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم، حين كان أهل السفينة في أعلاها وفي أدناها، وكلما أراد الذين في أدناها شرب الماء مروا على الذين في أعلاها، فقالوا لو خرقنا في جهتنا خرقاً فنشرب ولا نؤذي جيراننا، فقال عليه السلام: فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإذا أخذوا على أيديهم، نجوا جميعا.

الدين حافظ للمجتمعات وليس سبب تراجعها أو هلاكها وإرهابها، فلا نقع في شَرَكِ العدو الذي يريد أن يمزق المجتمعات ويشغلها بأنفسها. والمرجعية العليا هي القرآن، كلام رب العالمين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، فهما وتطبيقا، ومن دون ذلك فلنقرأ الفاتحة على أنفسنا ومجتمعاتنا.

الغد الأردنية

عن أ. د. محمد خازر المجالي

wavatar
كاتب وأكاديمي وداعية إسلامي أردني

شاهد أيضاً

fares131

أحرار سورية في ذكرى الإسراء والمعراج

تمرّ هذه الذكرى على شعب سورية، وما يزال يكابد آلام نصف قرن وهو يرزح تحت …