الرئيسية / فكر ودعوة / لسان العاقل وراء قلبه، وقلب الأحمق وراء لسانه”
m-kazar-almajali-14

لسان العاقل وراء قلبه، وقلب الأحمق وراء لسانه”

لا أبالغ إن قلت إن كثيراً من مشكلات الناس هي من وراء ألسنتهم، بل صرّح صلى الله عليه وسلم بذلك حين كان يوصي معاذا وقال له: أمسك عليك هذا، وأشار إلى لسانه، فقال معاذ رضي الله عنه مستغربا: أومؤاخَذون نحن بما نقول؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم؟! فالكلمة لا يستهان بها، وأنت تملكها ما دامت في فمك. أما إذا خرجت فإنها تملكك. ورب كلمة واحدة ترفع صاحبها في درجات الجنة، أو توقعه في دركات النار.

جميل جداً أن نحتاط لكلماتنا. والعاقل هو الذي يؤخر الحديث قليلاً حتى يستشير قلبه وعقله؛ ما المناسب لهذا المقام. إذ لكل مقام مقال، فينتقي من الكلام أفضله، فلا يثرثر أو يؤذي أو يأثم. والكلمة في مكانها حكمة؛ إذ الحكمة وضع الشيء في مكانه الصحيح. أما أن يلقى الكلام هكذا من دون اعتبار لمقام، ومن دون تفكير ولا نظر في مآلات الأمور، فهذا هو الحمق بعينه.

صمت الإنسان أفضل له بكثير من التحدث بما لا يفيد. ونبينا صلى الله عليه وسلم وضح هذا بقوله: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت”. وربنا سبحانه ينبه بأن الإنسان مُراقَب، حين يقول تعالى: “مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ” (ق، الآية 18)، ويقول عز وجل: “وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً” (الإسراء، الآية 36). وورد عنه صلى الله عليه وسلم: “إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة. وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم القيامة”. وكثير من الناس يظن أن كثرة الحديث أمر مرتبط بالشخصية القوية الواثقة بالنفس، أو العالِمة المثقفة، فيما العاقل يعلم في قرارة نفسه أنه حتى لو كان أعلم الناس في المجلس، فلا ينبغي أن يحتكر الحديث، فهناك من هو أعلم منه، ولكنه يؤثر السكوت تأدّبا، فلنبحث عن مكنونات ما عنده، وهو لا بد متحدث، إن كانت الفرصة سانحة، فلن يبخل بالخير على الحضور.

الإسلام حريص كل الحرص على شمولية أحكامه وآدابه، وتوجيه الحياة توجيها صحيحاً مراعياً الفرد والجماعة وسلامة المجتمع. ونتذكر سورة الحجرات التي سماها العلماء بسورة الآداب، لكثرة ما فيها من توجيهات غالبها اجتماعية، وجزء منها يتعلق بالحديث والصوت ورفعه والظنون واللمز والسخرية والتنابز بالألقاب والتجسس والغيبة، ومن باب أوْلى سباب المسلم وقتاله؛ فهو مجتمع آمن من كل ما يؤذي أفراده، مسلمين وغير مسلمين، مجتمع جاد مستقيم، يتربى أفراده على المسؤولية الكاملة، ويتحمل كلٌ نتيجة تصرفه وكلامه. وينبغي أن يكون هذا كله وفق آداب الإسلام وأحكامه.

وقد وردت بعض الآثار في خطورة الكلمة، وقعت مع صحابة كبار. وأظن ذلك لسبب واضح واقعي، أننا بشر نخطئ ونصيب، ولكن علينا أن نتحرى قدر الإمكان ولا نقع في الإثم. ففي حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: “حسبك من صفية كذا وكذا”. قال بعض الرواة تعني القصر. فقال صلى الله عليه وسلم: “لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته”. ولما قال أبو ذر لبلال بن رباح “يا ابن السوداء”، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: “إنك امرؤ فيك جاهلية”. فالنبي صلى الله عليه وسلم يوجّه الصحابة والأمة نحو الاحتياط في الكلام، والانتباه؛ فالكلام يجرح ويؤلم، ولا بد من انتقائه بشكل جيد. لذلك قال صلى الله عليه وسلم: “مَن يضمن لي ما بين لَحييه وما بين رِجْليه أضمَنْ له الجنة”. وقال: “المسلم من سلِم المسلمون من لسانِه ويده”. منهج يربي المسؤولية ويريد من أفراد المجتمع كلهم أن يكونوا إيجابيين.

يقول الإمام الغزالي رحمه الله: “فمن أطلق عذبة اللسان وأهمله مرخي العنان سلك به الشيطان في كل ميدان وساقه إلى جرفٍ هار… إلا من قيده بلجام الشرع وكفه عن كل ما يخشى غائلته في عاجله وآجله”.

احْذَرْ لِسانَكَ أنْ تقُولَ فتُبْتلَى

إنَّ البلاءَ مُوَكَّلٌ بالمنطِقِ

تكلَّمْ وسدِّدْ ما اسْتطعتَ فإِنَّما

كلامُكَ حيٌّ والسُّكُوتُ جَمَادُ

فإنْ لم تجدْ قَوْلا سديدًا تقُوله

فصمتُكَ عنْ غيرِ السَّدَادِ سَداَدُ

وفي شأن الكلمة قال تعالى: “أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ” (إبراهيم، الآيات 24–26). ولعل الآيات تتحدث بوضوح عما ينبغي أن يكون عليه كلامنا. وشتان بين الكلمة الطيبة التي هي كالشجرة الطيبة ذات الأصل الثابت والفروع الممتدة المعطاءة، وبين الكلمة الخبيثة التي هي كالشجرة الخبيثة لا قرار لها، وسرعان ما تزول ولا أثر نافعا لها.

لسان العاقل وراء قلبه، يحتاط ويحذر. والقلب هنا علامة على اليقظة والتفكر. بينما الأحمق لسانه أمام قلبه، لا يعنيه تفكير ولا حذر، ولا تهمه مشاعر أو نتائج؛ جرح فلانا أو آذى ابناً أو زوجاً أو أباً أو أي مسلم، بل ربما هو نفسه يؤذي نفسه، وربما يخرج من الملة وهو يدري أو لا يدري.

منهج الإسلام واضح في توخي الحذر في كل التصرفات، قولاً أو فعلاً، فنحن محكومون لشرع. وهذا الفرق بين المسلم الملتزم وغير الملتزم؛ فالملتزم يحرِّكه شرع محكم لا يأتي إلا بخير.

الغد الأردنية

عن أ. د. محمد خازر المجالي

wavatar
كاتب وأكاديمي وداعية إسلامي أردني

شاهد أيضاً

7essen-abdelazeez-57

في جدوى مفاوضات جنيف

تحولت اجتماعات جنيف السورية إلى ما يشبه المارثون الاستعراضي الخالي من أي أفق سياسي في …