الرئيسية / أقلام وآراء / أيّ المعضلتين أشدّ تعقيداً: تفكيك (المسألة السورية) .. أم تفكيك (الدولة السورية)!؟
abdullah-alssalamah-44

أيّ المعضلتين أشدّ تعقيداً: تفكيك (المسألة السورية) .. أم تفكيك (الدولة السورية)!؟

يبدو السؤال غريباً، إلى حدّ ما.. لكنه عاديّ، في زمن الغرائب، الذي نعيشه!

وواضح أن الحديث، عن التفكيك والتركيب، هنا، إنما هو بقصد التحليل، لابقصد الفعل السياسي، أو الاجتماعي، أو العسكري..! فتلك أمور، لاتملكها الكلمات، ولا تقوى عليها؛ فهي، في سورية، دوّامة هائلة، لا يُعرف أوّلها من آخرها!

لكن لابدّ – لنجاعة التحليل- من نقطة ارتكاز، يستند إليها، مَن يتصدّى لعملية التحليل، التي قد تفضي، إلى أمَل ما، للشعب المسحوق، وللعالم المبهوت، بعجزه، قبل أن يكون مبهوتاً، بمؤامرات القوى، الصانعة لدوّامة الدم السوري!

نقطة الارتكاز، للمواطن السوري، المحلّل، هنا، هي مركز صنع القرار التركي، الحريص على سورية، حرصَه على تركيا؛ لارتباط الأمن والمصير، بين الدولتين الجارتين، المتداخلتين في أشياء كثيرة، والشريكتين في أشياء أكثر!

الحالمون، من أبناء سورية، يقولون: إن القضية، برمّتها، سهلة، لاتحتاج تفكيكاً، ولا تركيباً؛ لا على مستوى التحليل النظري، ولا على مستوى الواقع العملي! يكفي أن يعطينا المجتمع الدولي، حقوقنا في بلادنا، ويقتلع النظامَ الفاسدَ، من دولتنا، ثمّ يتركنا في حال سبيلنا!

ولن ندخل، هنا، في تحديد مصطلح (المجتمع الدولي) الذي يحتاج، هو، ذاته، إلى عملية تفكيك وتركيب – نظرياً – لتُعرف ماهيّته، وحقيقته، ثمّ تشابكُ القوى والمصالح، فيه، والمسنناتُ – الصغيرة والكبيرة – التي تحرّك ماكينته، ونيّاتُ أصحاب القوى والمصالح، تجاه شعبنا، ومطامعُهم في بلادنا!

حسبُنا أن نقول: إن كل غريب، ذي مصلحة، في بلادنا، يسعى إلى تفكيك دولتنا، على الأرض، بالطريقة التي يريدها.. وإلى إعادة تركيبها، بالصورة التي تناسب مصلحته!

ونكتفي بذكر أربع دول، هنا، ولكل منها وكلاؤها، في بلادنا، من المحسوبين على شعبنا! وهي: أمريكا، وروسيا، و”إسرائيل”، وإيران. فكلّ واحدة، من هذه الدول، تسعى إلى تفكيل الدولة السورية، وإعادة تركيبها، بالكيفية التي تخدم مصالحها، ممّا يؤدّي، إلى أنواع من الصراع، لها درجات مختلفة، من الشدّة والحدّة .. ولها أساليب متباينة، من التشابك الدافئ، حيناً .. والاشتباك الفاتر، حيناً، في نسق مضطرب رجراج، سمّاه أحد المنظرين: النسق الزئبقيً؛ لعدم ثباته، على صورة معيّنة، ولسرعة تملّص الوقائع، على الأرض، من أقفاص الحسابات الورقية، لتعود هذه الحسابات الورقية، تطارد الوقائع على الأرض، لتبني، على حركتها الجديدة، حسابات جديدة، في عملية تأثر وتأثير تبادلية، بين الوقائع على الأرض، والحسابات الورقية؛ ممّا يزيد كلاّ منهما، تعقيداً وصعوبة، في المتابعة والحساب! فينطبق، على هذي وتلك، باستمرار، المثل الشعبي المعروف: حسابُ السوق، لا يطابق حسابَ الصندوق! وسورية تُطحن، بينهما، وطناً وشعباً وحضارة!

الدولة الصديقة الوحيدة، بين الدول المؤثرة، في منطقتنا، وهي تركيا– حسبما أثبتته الوقائع على الأرض-هي، وحدَها، التي تسعى، إلى حفظ تماسك الدولة السورية، لأجل سورية وتركيا معاً! وحِرصُ صنّاع القرار فيها، على الدقة، في التحليل، والتفكيك، والتركيب(للمسألة السورية) – نظرياً- .. إنّما يأتي – والأصل أن يأتي -، للمحافظة على (الدولة السورية)، بلا تفكيك، ولا إعادة تركيب! لأن هذا مخالف لمصلحة تركيا، أوّلاً ، قبل مخالفته لمصلحة سورية – في نظر صانع القرار التركي -! كما أنه مخالف، للمصلحة العليا، عند صناع القرار التركي، وهي: فضيلة الالتزام الخلقي؛ إذ فضيلة التمسّك، بالخلق الإننساني النبيل، هي أمّ المصالح، لديهم، بل هي: (روح المصالح)، كلها ، فيما ظهر- وعرفه الناس جميعاً- من أقوالهم وأفعالهم، كلها.. وفي أصعب ظروفهم، وأيسرها!

ولقد نزع الكثيرون، من قادة الدول وساستها، هذه الروح، التي تعَدّ من أهمّ الأسس، في بقاء النوع الإنساني.. بشهادة واقع النوع الإنساني، وتاريخه كله، في سائر أعصاره وأمصاره.. نزعوها من مصالحهم، ومن أفعالهم – وإن ظلّ بعضهم، يتاجرون بها، بأقوالهم-.. فما عادوا يرون العالم، إلاّ غابة! فاستنفروا، في صدورهم، غرائز الذئاب، وشهروا مخالبهم، وكشّروا عن أنيابهم، لافتراس الشعوب، وتدمير أوطانها، بسعار محموم، غريب، تشمئز منه، حتى نفوس الشياطين! فبرزت المعضلتان، في سورية، بشكل صارخ.. الأولى: في الأدمغة، وعلى الأوراق! والثانية: على الأرض، بين الأشلاء والدماء، والحرائق الملتهبة، والخرائط الممزقة! فأيّ المعضلتين أشدّ تعقيداً، وأصعب حلاّ؟ وأيّ الإرادتين، أجدر بالانتصار، في معارك التفكيك والتركيب: إرادة الذئاب المسعورة، أم إرادة الرجال النبلاء!؟

عن عبدالله عيسى السلامة

wavatar
كاتب وشاعر وسياسي سوري

شاهد أيضاً

fares151

القيم العليا: مفهومها، وكيف نغرسها في نفوس أبنائنا

نذكّر أولاً بأن للتربية ثلاثة جوانب يكمّل بعضها بعضاً: 1- التربية العقلية والمعرفية 2- التربية …