الرئيسية / الجماعة في الإعلام / الإخوان المسلمون وتركيا في المخيال الجهادي لـ “تنظيم الدولة الإسلامية- داعش”
baghdadi

الإخوان المسلمون وتركيا في المخيال الجهادي لـ “تنظيم الدولة الإسلامية- داعش”

مصطفى زهران

معهد العالم للدراسات

مثّل تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” حالة من الجدل منذ صعوده السريع على رأس التنظيمات الراديكالية /الجهادية”السنية” انطلاقًا من العراق مع بدايات 2014م وامتداداته على الأرض السورية، وقد تجلى ذلك مع إعلانه ما أطلق عليه بـ “الخلافة الإسلامية” بزعامة “أبي بكر البغدادي” ومن ثم دعوته جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها للهجرة إليها ومبايعة الخليفة.

ولم يكتف التنظيم الوليد بصيرورته الناشئة الممتدة على مساحات واسعة مابين العراق والشام، فانطلق نحو توسيع دائرة نفوذه الدولاتي بتدشين ولايات تابعة له في مناطق أخرى من العالم العربي والإسلامي كدلالة واضحة على امتدادات دولة “الخلافة” الإسلامية الجديدة.

ويحمل التنظيم قدرًاك بيرًا من التناقضات والتباينات إزاء تصوراته الداخلية الحاكمة لواقعه الجديد فضلًا عن تعاطيه الممعن في الراديكالية مع العالم من حوله، الذي أعلن محاصرته والبدء في حملة عسكرية واسعة للحد من رغبته في التوسع والتمدد، ماجعله يفقد خلال العامين المنصرمين الكثير من الأراضي التي كانت بحوزته، كما بات محاصرًا في مناطق نفوذه الرئيسة.

وفيما شهد التنظيم تحولات كبيرة على المستويين الفكري والتنظيمي كمخاض طبيعي لحجم التناقضات التي تعترك داخل عقله ومخياله الجهادي الراديكالي، ما دفعه إلى استحداث آليات ووسائل لم تظهر في التجارب الجهادية السابقة عليه -خاصة تنظيم “القاعدة” الرافد الأول له- وفي مقدمتها موقفه العدائي والتكفيري حيال جماعة “الإخوان المسلمين”التنظيم الأقدم في العالمين العربي والإسلامي مع بقية الفصائل والحركات التابعة لها إما فكريًا أو تنظيميًا، ولا يعني ذلك أن “القاعدة”كانت تنظر للإخوان نظرة أكثر إيجابية وإنما لم تكن رؤيتها حيال الجماعة بهذه الردكلة التي بدا عليه تنظيم الدولة.

في موازاة ذلك دخلت داعش في مواجهة مفتوحة مع الدولة التركية من حيث الدعوة المباشرة إلى استهدافها داخليًا وخارجيًا واعتبار رئيسها رجب طيب أردوغان بمثابة ” طاغوتٍ مرتدٍ” عن الإسلام، واعتبار مشروعه السياسي ماهو إلا مكمل للمشروع العلماني لرمز الدولة التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك.

تسعى هذه المادة إلى سبر أغوار العلاقة بين تنظيم الدولة وجماعة الإخوان المسلمين من ناحية، من خلال البحث عن الأسباب التي دفعت التشكل الجهادي العالمي الجديد المتمثل في تنظيم الدولة الإسلامية إلى وضع جماعة الإخوان والدولة التركية على رأس أهدافهما الفكرية والسياسية والجهادية/الراديكالية، فضلا عن الكشف عن ماهية الصراع بينهما ومحدداته وانعكاسات ذلك مستقبلا. كما نحاول معرفة العلاقة الحاكمة بين تركيا أردوغان وتنظيم داعش، خاصة في ظل موجة التحليلات المتوالية وما تتناوله من وجود علاقة براغماتية بين الجانبين تصب في صالح مشاريعهما التوسعية من حيث الصراع على النفوذ والتموضع في المنطقة، وهي مسألة أشار اليها العديد من المحللين السياسين، دون أن يكترثوا بمحاولة دراسة “مخيال” تنظيم الدولة الإسلامية حيال أردوغان وتركيا.

داعش وجماعة الإخوان

يمكن رصد لهجة خطاب تنظيم الدولة الإسلامية وتشظيه تجاه جماعة “الإخوان المسلمين” في كثير من أدبيات التنظيم، وتمثل بعض المواقف ذروة هذا الخطاب المعبرة عن حجم السخط والتذمر من قبله تجاه جماعة الاخوان المسلمين ورؤيتها الفكرية والأيديولوجية فضلاً عن الإطار التنظيمي لها، و تأتي الكلمة الصوتية المسجلة لـ”أبوبكر البغدادي” التي بثتها مؤسسة “الفرقان” التابعة للتنظيم في نوفمبر 2016م(1) لتعبر عن ذلك بقوة، حيث أكد البغدادي على انحراف جماعة الإخوان المسلمين العقدي وردتها الكلية عن الإسلام وهو حكم لا عدول عنه سوى استتابة أفراد الجماعة والتنظيم (2).

بدا البغدادي في كلمته ثائراً على الجماعة بشكل غير مسبوق، معتبراً تنظيم الإخوان المسلمين رأس حربةٍ لما أسماهم بـ”الصليبيين” الذين يسعون الى محاربة الخلافة في كل مكان، كما نعتهم بـ”الفرقة الغاوية” وبوصفهم طائفة مرتدة عن الإسلام لكونهم لم يقتصروا على “شركهم” بالله في الدساتير والتشريعات الباطلة ومنازعة الله في حكمه وموافقة أمم الكفر على كفرهم على ذلك، بل تحولوا إلى طائفة لا دين لها أشبه بـ”الزنادقة والباطنية” فضلاً عن كونهم باتت وفق رؤيتهم ذراعاً عسكرية وثيقة في منظومة التحالف الصليبي على الإسلام،حسب ماورد بالمقطع التسجيلي(3).

وقد تزامنت كلمة البغدادي تلك مع إعلان التحالف الدولي والجيش العراقي وحلفائهم خوض حرب مفتوحة لاستعادة مدينة “الموصل”العراقية من قبضة التنظيم نهاية العام الفائت 2016م، ما استدعى استنفاراً من أعلى هرم السلطة داخل التنظيم لما كانت تمثله هذه المدينة من أهمية استراتيجية للتنظيم توازي في قيمتها اللوجستية والسياسية مدينة “الرقة” الكائنة على الضفة الأخرى من الجانب السوري، بل وتزيد عليها لكونها باكورة المدن التي افتتحها التنظيم في موجاته الجهادية التصاعدية الأولى، وهما نقطتان مركزيتان وسط خريطة الدولة الإسلامية، ويعدهما التنظيم عاصمتين رئيستين وتتفرع منهما بقية ولاياته المترامية الأطراف شرقاً وغرباً.

وعاد الموقف العدائي لتنظيم الدولة الإسلامية ليعبر مرة أخرى عن موقفه العدائي حيال جماعة الإخوان المسلمين في سياق معركة التنظيم مع الدولة التركية، من خلال إصدار مرئي بعنوان”درع الصليب”(4)ظهر خلاله أبو بكر البغدادي مرة أخرى بصوته معلقا على مقتل جنديين تركيين حرقا – في مشهد يوصف بالأشد قسوة من مشهد حرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة – مخاطبا ما أسماهم بجنود الخلافة قائلا: “يا أحفاد الخلافة في أرض الشام هاقد جاءكم الجندي التركي الكافر، وإنما دم أحدهم كدم الكلب خسة ورداءة، أصلوهم بنار غضبكم وخذوا بثأر دينكم وتوحيدكم من إخوان – الشياطين – وقدوة المرتدين وخلفاء الملحدين”. ما يعني اعتبار حزب “العدالة والتنمية” وما يعبر عنه من إسلام ٍمحافظ كامتداد لتنظيم الإخوان المسلمين ولكن في نسخته التركية.

وفي الواقع إن العداء الواضح الذي يبديه تنظيم الدولة الإسلامية حيال جماعة الإخوان المسلمين، ليس وليد السياق العام والظرفية الزمنية التي يعيشها التنظيمان في اللحظة الآنية عقب ارتدادات الربيع العربي، وإنما له جذوره التاريخية والفكرية الكاشفة لحجم هذا السجال بينهما. إذ كان لبروز الدور الأمريكي العسكري في منطقة الشرق الأوسط خاصة بعد الغزو الأمريكي للعراق في 2003 م دورً كبيراً في تغذية وإشعال الخلاف بين الجانبين، فقد عبر موقف جماعة الإخوان المسلمين في العراق من الغزو الأمريكي من خلال القبول بالتفاوض مع الحاكم العسكري الجديد بالعراق “بول بريمر” بخلاف مواقف السنة العراقيين الرافضين لهذا التعاون ليؤسس لبداية من المواجهة الأيديولوجية ومن ثم العسكرية بين الجانبين ، وقد لعب الحزب الإسلامي دورا تعبويا هاما ضد القوى الراديكالية /الجهادية متمثلة في القاعدة وماكانت تحمله في أحشائها من جنين الدولة الإسلامية الوليدة التي شكلت بعد فترة أبو مصعب الزرقاوي من قبل أبو عمر البغدادي وأبو حمزة المهاجر ورفاقهما،وهو ما تبدى بشكل واضح في تكوين “الصحوات” وما لعبته من دور في الإجهاز على المشروع الدولاتي للتنظيمات الجهادية بالعراق(4)، مما ساهم في ارتدادها وانحسارها والقضاء على صيرورتها التي كانت آخذه في التشكل.

ومع هذا المشهد بدأت الفصول الأولى لمسلسل الصراع والسجال بين أنصار الخط الجهادي /الراديكالي التابع لمدرسة الزرقاوي والبغدادي حيال جماعة الإخوان المسلمين انطلاقا من جغرافية العراق ومن ثم انتشارها لتشمل مساحات أخرى خارجه. فقد ترجم تنظيم الدولة الإسلامية عقب صعوده في2014 م رؤيته تلك ووظفها من خلال وسائل إعلامه المتنوعة تبعا لتعاقب الأحداث والمتغير السياسي الناشئ لظهور التنظيم ومواقف جماعة الإخوان المسلمين من ذلك كله،خاصة وأن التنظيم لم يجد تحولاً يذكر لدى جماعة الإخوان عن مواقفهم القديمة تجاه الخط الجهادي بالعراق بعد تبلوره مع تنظيم الدولة الإسلامية، فمشهد مطالبة “سليم الجبوري” أحد رموز الإخوان بالداخل العراقي بمنح العشائر ما أسماه بـشرف محاربة تنظيم الدولة الإسلامية(5)، نظر إليه التنظيم على كونه نسخة مكررة تعيدنا إلى أجواء التعبئة الأولى ضد الدولة الإسلامية في طورها الأول،التي شهدت انحسارا كبيرا على أيدي الصحوات ذاتها.

ولايمكن فصل هذا الموقف الصفري من قبل تنظيم الدولة الإسلامية عن سياق الربيع العربي الذي شهد صعودا لحركات الإسلام السياسي وخاصة جماعة الإخوان المسلمين، لذا رأى التنظيم أنه من الأهمية بمكان أن يقوم بإظهار مايراه وجها حقيقياً مغايراً لوجه جماعة الإخوان المسلمين الحقيقي الذي تبدو عليه في اللحظة الراهنة، ما يسهم بدوره أيضاً في وقف صعودها وبروزها على مشهد الأحداث نظراً لما أسهم فيه الربيع العربي من إعطاء مساحة من الحضور الإخواني اللافت في مساحات سياسية ومجتمعية كبيرة في المشرق والمغرب على حد سواء.

في موازاة ذلك دأب تنظيم الدولة الإسلامية على تفكيك المنهج الفكري لجماعة الإخوان المسلمين وإبراز مايطلق عليه بالخلل العقدي لديه. فقد عده كما أسلفنا فكراً منحرفاً، خاصة في تناوله لرؤيته حيال العمل السياسي، وتحديداً في جوهر مسألة الإصلاح– المتنازع عليها بين فريقي الإسلام السياسي والآخر الراديكالي /الجهادي- وماهيته، وتمثل نقطة التباين الواضحة لدى النموذجين الفكريين داخل دائرة التنظيمات الإسلامية المتنوعة، إذ يري التنظيم أن جماعة الإخوان تعد مثالاً على الفرق التي رأى أصحابها أن الإصلاح– بثوبه الهادئ – يمثل طريق الوصول إلىالحكم من خلال وضع مايقع تحت أيديهم إلى “مجتمع إسلامي” ثم التدرج نحو الإصلاح الكامل لإقامة الدولة الإسلامية(6).

وهو أمر يجده تنظيم الدولة مغايرا ًلمعتقداته الأيديولوجية، فمن الصعوبة وفق رؤيتهم إقناع الحكام والساسة الذين يصفهم بالطواغيت بتسليم السلطة طوعاً أو سلماً، فضلاً عن انتفاء مسألة الإصلاح من قبل الأنظمة العربية والإسلامية القائمة، كما يشدد التنظيم على أن الرؤية الإصلاحية للإخوان تخالف في مجملها المنهج النبوي الذي يري في الإصلاح “الثوري” الطريق القويم للتغيير،وبهذه الكيفية انحرفت الجماعة وتبنت على إثرها “المناهج الكفرية” وتحديدا “الديمقراطية الشركية”-حسب وصف التنظيم – كمنهج عمل للوصول إلى السلطة،علما بأن الديمقراطية دين وضعي سعى الغرب إلى وضعه كبديل للدين في المجتمعات ليحكم به في غياب شريعة رب العالمين(7).

ومن الفكري إلى الميداني انتقل تنظيم الدولة إلى مساحة أخرى في خضم معركته مع جماعة الإخوان، وكان لابد من حالة تعبوية جديدة ضد الجماعة، وقد لعب المتحدث الرسمي السابق للتنظيم “أبي محمد العدناني” قبيل مقتله دورا مهما في هذه الحلقة من خلال التعبئة المباشرة عقدياً وفكرياً ومنهجياً لقتال الجماعة وأفرادها، وأصدر تنظيم الدولة خلال هذه الفترة تعميما للولايات والدواوين متناولا فيه حكم الفصائل المتحالفة التي تقاتل التنظيم –وجماعة الإخوان جزء منها بطبيعة الحال – ومما جاء فيها (8):

“إنها طوائف ارتدت عن دين الله وارتكبت مناطات متعددة نقضت فيها أصل الدين …. وأعلنت سعيها لبناء دولة ديمقراطية مدنية تعددية تزيح حكم الله من أرض الدولة الإسلامية وتستبدلها بأحكام جاهلية وكل ذلك برعاية وغطاء مباشر من الحملة الصليبية التي تقودها أمريكا لتدمير مشروع الخلافة…ولاتقبل في صفها من يخالفها في حكم هذه الطوائف التي ظهر كفرها وبانت ردتها عن دين الله “

وبطبيعة الحال شملت هذه الرؤية كافة الفصائل العسكرية القريبة من جماعة الإخوان المسلمين انطلاقا من العراق إلى سوريا مثل “فيلق الشام” وجيش المجاهدين” المنضويان في التحالف مع الجيش الحر والجبهة الإسلامية وجيش الإسلام وجبهة ثوار سوريا، والفيلق الخامس، وحركة حزم.

كما كان لظهور جماعة الإخوان المسلمين على سدة السلطة في مصر دورً كبيراً في إبراز موقف داعش بقوة تجاه الإخوان، خاصة بعد التحولات التي شهدتها الحالة الراديكالية الجهادية المصرية ممثلة في تحول جماعة أنصار بيت المقدس إلى التبعية المباشرة لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام بعد أن أطلقت على نفسها “ولاية سيناء”(9).

وتلخصت رؤية داعش حيال نظام محمد مرسي في كونه لايختلف عن الآخر الذي قامت عليه الثورة المصرية -نظام مبارك – فضلا عن كونه يفتقر لمشروع إسلامي حقيقي يقوم بتطبيق الشريعة الإسلامية أو مواجهة اليهود وهو ما يخالف الخط السياسي والجهادي للتنظيمات الراديكالية/ الجهادية في الداخل المصري وخارجه. وعلى إثرها قام التنظيم بإصدار مقطع تسجيلي مصور يبرز دور “محمد مرسي” في كبح جماح الجماعات الجهادية في سيناء حمل الإصدار اسم “سيناء صبرا فان النصر آت” أنتجته ولاية “نينوى”، قدم أدلة على منع الرئيس محمد مرسي ذو الخلفية الإخوانية لقوافل المجاهدين من تسديد ضرباتهم الموجعة للدولة اليهودية (10)، حسب وصفهم. وقد عبر التنظيم لاحقا عن هذا الموقف من خلال وضع صورة مرسي على الغلاف الرئيسي لمجلة التنظيم (دابق) مذيلا بوصف “الطاغوت”، في مشهد يدلل على حجم الخصومة الشديدة بين التنظيمين (11).

داعش وحركة المقاومة الإسلامية “حماس”

مثل إعلان الشيخ “عبد اللطيف موسى” الذي كان يشغل آنذاك منصب الأمين العام ومسؤول السلفية الجهادية في مدينة رفح جنوب قطاع غزة في 2009 م عن ميلاد ما يسمى بـ “الإمارة الإسلامية في أكناف بيت المقدس”. وقد تصدت حركة حماس يومها بحزم لهذا الإعلان (12)، ما شكل حالة من العداء المستقبلي بين الحركة- حماس- الحاكمة للقطاع والتنظيمات الجهادية الأخرى، وتحديداً تلك المنبثقة من السلفية أو التي تزاوج بين السلفية كمذهب والجهادية كآلية وإطار حاكم لحركتها وأيديولوجيتها.

لم تفارق هذه الصورة القديمة مخيال تنظيم الدولة، خاصة أن حركة حماس ظلت على آلياتها تلك في التعامل مع ظاهرة السلفية الجهادية في قطاع غزة، حتى ضاق القطاع بهم ذرعا ولجأوا إلى سيناء مع أحداث الثورة المصرية(13)،وعندما ظهر تنظيم الدولة الإسلامية ودعوة البغدادي لمبايعته خليفة وإمام للمسلمين أخذت أسماء جهادية من داخل القطاع تلتحق بالفرع الجديد لتنظيم الدولة الإسلامية فيالداخل “السيناوي/ المصري” المتاخم لقطاع غزة والذي يعد خاصرته الخلفية ومنفذه الأوحد نحو العالم،ممثلا في ولاية سيناء وكشف التنظيم عن عناصر غزَاوية تقوم بعمليات ضد الجيش والشرطة المصريين قتل بعضهم أثناء المواجهة، ويأتي على رأس هذه الأسماء عبدالرحمن أبومغصيب(14)والعضو السابق بالقسام عبدالإله قشطة من رفح(15)ومحمد صابر المصري فضلا عن آخرين قتلوا في العراق وسوريا منهم الغزاوي رامي داود الكفارنة وكنيته أبو مالك الغزاوي(16).

ساهمت تلك المشاركة في وضع حركة حماس في مأزق كبير مع السلطة المصرية سياسيا وأمنيا فضلًا ما مثلته من تحد كبير لمسيرة الحركة المستقبلية والقطاع، في ظل استهداف الحدود الفلسطينية الإسرائيلية خاصة مع الشريط المحاذي للقطاع والذي يقع تحت سيطرة الحركة مما زاد من أعبائها في ظل وضع خانق تعيشه منذ سنوات، بالإضافة إلى تكلفة ردود الأفعال الإسرائيلية حيال استهداف هذه الكيانات الجهادية لها (17).

في موازاة ذلك سعت الآلة الإعلامية لولاية سيناء إلى تصوير حركة المقاومة الإسلامية حماس على أنها حركة ارتدت عن فكرة المقاومة للمحتل اليهودي للأراضي الفلسطينية، وأنها اكتفت ببقعة من الأرض ممثلة في قطاع غزة تمارس عليها نوع من تدوير الصفقات التجارية الرابحة (18)، وأضحت تنتقد علاقة الحركة بالدولة الإيرانية وتطبيعها معها بوصفه يسهم في نشر التشيع، واعتبره تنظيم الدولة دليلاَ دامغا ومسوغاَ لايمكن تبريره في ردة الحركة عن الإسلام وعن تطبيق شعائره وثوابته التي لا لبس فيها ولا جدال (19).

ويأتي حوار ما يسمى بوالي سيناء الجديد الشيخ “أبو هاجر الهاشمي” في حوار لجريدة “النبأ” التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية ليقدم رؤية التنظيم بمكاشفة وبوضوح تجاه حركة حماس واصفاً إياها “بالمرتدة” لما تقوم به من حرب على الدولة الإسلامية وجنودها بالإضافة إلى أسرهم لجنود الخلافة الموحدين في غزة – حسب وصفه – وعدم تطبيقها للشريعة الإسلامية في القطاع الذي يقع تحت سيطرتها منتقداً نعت الحركة للتنظيم بالردة على الرغم من كونهم – أي تنظيم الدولة- يطبقون الشريعة الإسلامية والحدود في كل بقعة سواء كان في العراق أوالشام أو بقية الولايات الأخرى خاصة في سيناء(20).

داعش وأردوغان والدولة التركية

كثفت أدبيات تنظيم الدولة الإسلامية من جرعتها الراديكالية حيال الدولة التركية ورئيسها رجب طيب أردوغان بقدر لم تحظ بها أي دولة أخرى تناصب التنظيم العداء، وقد قدم البغدادي تصوراً شاملاً حول أسباب استهدافه للدولة التركية التي يصفها وتنظيمه ب “العلمانية المرتدة”، مقسما تعاملها مع صعود دولته الإسلامية الناشئة الى مرحلتين تختلف كل واحدة عن الأخرى، بعد أن انتقلت من مشهد الترقب لتمددها إلى الاشتباك المباشر معها ومحاولة قف زحفها الدولاتي.

وتمثلت المرحلة الأولى وفق توصيف البغدادي في كونها “خاسئة خانسة تطل بقرن وتستخفى بقرن، تسعى لتحقيق مصالحها وأطماعها في شمال العراق وأطراف الشام ثم ترتد خشية أن يصلها المجاهدون في عقر دارها بجحيم عملياتهم ولهيب معركتهم”. أما المرحلة الثانية جاءت -وفق وصفه – على النحو التالى :”فكرت وقدرت ونظرت( أي الدولة التركية) ثم عبست وبسرت واستكبرت ودخلت في حربنا كما تدخل الضباع المبتوره مستندة مستظلة بطائرات تحالف الصليب مستغلي انشغال المجاهدين”(21).

ما استدعى استنفاراً من قبل التنظيم إزائها، وعلى الفور كانت الدعوة لغزو تركيا “وجعل أمنها فزعا ورخاءها هلعا وإدراجها في مناطق صراع التنظيم الملتهب” وفق تعبير البغدادي صدىً كبيراً استجاب له تابعوه وأنصاره، فانطلقت وتيرة العمليات التفجيرية في الداخل التركي بشكل متزايد وباستمرارية دون توقف، وزاد من وهجها وحدتها دعوة “أبي الحسن المهاجر” المتحدث الإعلامي الجديد للتنظيم إلى استنزاف الدولة التركية داخليا وخارجياعن طريق النيل من رموزهم السياسية والدينية والإعلامية وممثليهم في كافة أنحاء العالم (22).

جاءت هذه المعطيات مخالفة لكم التحليلات التي ذهبت نحو التأكيد على ثمة علاقة بين داعش والدولة التركية، خاصة أن حجم استهداف التنظيم للدولة التركية قد برهن على حجم الخصومة العقدية والسياسية بينهما،وهو ما بدى رمزياً مؤخراً في احراق التنظيم لجنديين تركيين اختطفهما التنظيم في سوريا ثم أعلن أنهما بحوذته، وكذلك حادث ليلة رأس السنة الميلادية أثناء الاحتفال في أحد الملاهي الليلية بمدينة إسطنبول والذي راح ضحيته العشرات.

وفي خضم سياقات العداء القائمة بين داعش والدولة التركية وأردوغان تحتل استراتيجية تدشين المنطقة العازلة من قبل الدولة التركية في الداخل السوري مكانا مهما ضمن انتقادات تنظيم الدولة حول المبررات والدوافع التي تقف خلف رغبة الرئيس التركي وحكومته لإقامتها وتساور داعش الشكوك حيالها، مشددة على أن الهدف منها يتعدى فكرة محاصرة وحدات سوريا الديمقراطية الكردي لصالح الأسباب التالية (23):

(1) – سوق الرئيس التركي وحكومته – وفقاً للتنظيم – للمنطقة العازلة مع بدء انتفاضة الشعب السوري ضد بشار الأسد لتفادي نزوح الآلاف من السوريين إلى الداخل التركي في بادئ الأمر واتخاذها كأماكن للإيواء وتقديم المساعدات لهم، وكانت هذه الرؤية الظاهرة لهذا المشروع إلا أن الجانب الأمريكي رفضها ما أدى إلى فشل الفكرة خاصة بعد تهديدات حلف الناتو بسحب دفاعاته الجوية المتطورة “باتريوت”وماتمثله من أهمية شديدة لحماية القوات التركية مستقبلاً من هجمات طيران النظام الأسدي.

(2) – لذلك ارتأت تركيا – بحسب التنظيم- أنه لإعادة هذا المشروع مجددا كان لابد من التحايل عليه بطريقة تتلاءم مع المتغير الجديد على الأرض خاصة عقب ظهور تنظيم التنظيم في العراق والشام، من خلال مشروع “المنطقة العازلة” لتكون مهمتها التقدم من شمال ولاية “حلب” مع الضفة الغربية الشامية لـ “نهر الفرات” بموازاة تقدم محور قوات سوريا الديمقراطية على الضفة الشرقية للنهر. ويدلل التنظيم لفظيا على ذلك من خلال ما أقدمت عليه الدولة التركية والقوات الكردية من إنشاء قوتين عسكريتين تحت مسمى “درع الفرات” و”غضب الفرات.

(3) – وبحسب التنظيم أيضاً، فان الأتراك سعوا إلى المساومة مع الروس والتفاوض معهم خاصة بعد أن وعى النظام التركي أهمية هذه المنطقة مستقبلاً خاصة وأن لهذه المنطقة ميزات أخرى منها سحب المهاجرين السوريين من الداخل ووضعهم داخلها، ثم تجنيدهم ضمن صفوف الجيش التركي للعب دورٍ بارزٍ في الداخل السوري سواء ضد النظام السوري أو محاربة تنظيم الدولة الإسلامية عبر تشكيل “الصحوات الجديدة” ليكون بذلك معادلاً للمليشيات التابعة للدولة الإيرانية في الداخلين السوري والعراقي. (24).

وبالتالي يرى تنظيم الدولة أن الخطر الأكبر عليه قد يكمن في الدور الجديد الذي تقوده الدولة التركية في الإقليم خاصة داخل الدائرة المذهبية السنية، كحاضنة مقابلة للدور الذي تلعبه الدولة الإيرانية في الإطار المذهبي الشيعي، مايعني أن هناك دوراً تركياً تنافسياً وصراعاً حول قيادة العالم السني مع تنظيم الدولة، وهو صراع قد تكسبه تركيا بقوة لما لها من إرثٍ تاريخي ممثلا في الذاكرة العثمانية الغنية على مستوى المجتمع والدين بخلاف تنظيم (راديكالي /جهادي) مثل تنظيم الدولة الإسلامية الذي يفتقر لمثل هذه المقومات. ما دفع التنظيم إلى استنفار طاقاته لإعلان الحرب على الدولة التركية بكل الأساليب الممكنة، الأمر الذي بت نلمسه في الأشهر الأخيرة من خلال زيادة وتيرة العمليات الراديكالية /التفجيرية داخل الوسط التركي.


الهوامش:

1- البغدادي في كلمة نارية يهاجم السعودية وتركيا والإخوان المسلمين، انظر الرابط
2- المصدر السابق
3- البغدادي: تركيا العلمانية تحارب المسلمين مع الكفار واستهدافها جهاد مشروع. انظر الرابط
4- جماعات العنف التكفيري الجذور البنى العوامل المؤثرة /مجموعة باحثين مركز الحضارة لتنمية الفكر الاسلامى –سلسلة الدراسات الحضارية –تنظيم الدولة الاسلامية داعش :البنى والهياكل التنظيمية والمالية واليات الاستقطاب –مصطفى زهران. انظر الرابط
5- مقطع فيديو حول حديث سليم الجبوري ومواقفه من الشيعة، انظر الرابط
6- صحيفة النبأ الاسبوعية العدد الثالث عشر 1/4/1437م –مقال بعنوان ” الاخوان المسلمون والمنهج المنحرف في العمل السياسي”.
7- المصدر السابق
8- العدد الثاني من صحيفة النبا الداعشية 17/8/1437م
9- أنصار بيت المقدس.. و”دعشنة” المشهد المصري، انظر الرابط
10- “سيناء العزة والإباء” اصدار مرئي من الجزيرة : سيناء البوابة الجنوبية لتحرير بيت المقدس من اليهود. انظر الرابط
11- مجلة تنظيم الدولة “دابق” تصف مرسي بالطاغوت المرتد. انظر الرابط
12- المصدر السابق.
13- غزة: السلفيون بدؤوا نشر صور لضباط من “حماس” بتهمة الوقوف خلف الحملة ضدهم. انظر الرابط
14 – الدولة الإسلامية تعلن استشهاد المجاهد المطارد من حركة حماس عبد الرحمن أبو مغصيب في سيناء. انظر الرابط
15- الدولة الإسلامية تعلن استشهاد العضو السابق بالقسام المجاهد المهاجر عبد الإله قشطة من رفح. انظر الرابط
16- رامي الكفارنة مجاهد فلسطيني قصفته إسرائيل وسجنته حماس واعتقلته مصر واستشهد في جهاده للملحدين بقصف أمريكي، انظر الرابط
17- رامي الكفارنة مجاهد فلسطيني قصفته إسرائيل وسجنته حماس واعتقلته مصر واستشهد في جهاده للملحدين بقصف أمريكي، انظر الرابط
18- صحيفة النبأ التابع لتنظيم الدولة الإسلامية الخميس 22 ربيع الاول العدد 60، انظر الرابط
19 – المصدر السابق.
20- المصدر السابق.
21- حديث المتحدث الرسمي الجديد للدولة الإسلامية، انظر الرابط
22- النص الكامل لكلمة المتحدث الرسمي الجديد للدولة الإسلامية أبي الحسن المهاجر “فستذكرون ما أقول لكم”، انظر الرابط
23-هجوم في اسطنبول على احتفال للنصارى بعيدهم الشركي.. يخلف 150 قتيلا وجريحا-النبأ -تركي.ا
24- العدد الثاني والستون –الخميس 6 ربيع الاخر 1438ه-ص3. صحيفة النبأ –المنطقة العازلة “مشروع مؤامرة.. وأوهام تمكين.”

شاهد أيضاً

%d8%af-%d9%88%d9%84%d9%8a%d8%af_%d8%aa%d8%ba%d8%b1%d9%8a%d8%af%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%a7%d8%ac%d8%a6%d9%8a%d9%86

د. وليد يعزّي بشهداء الاعتداءات على اللاجئين السوريين

تقدّم فضيلة المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في سورية بالتعزية بالضحايا من اللاجئين السوريين الذين …