الرئيسية / فكر ودعوة / الطريق من هنا
7ashani-zageedi-4

الطريق من هنا

* الإيمان أولاً:

يعد النموذج التربوي الذي انتهجه الرسول صلى الله عليه في صناعة الجيل الأول أسلوباً فريداً، تميز بخاصية مميزة تكاد تجمع الدراسات إنها تربية فريدة، انطلقت من القوة الموجبة والمؤثرة، القوة التي تعزز بواعث الخير في النفس، فتمدها بالمثبتات، كما أنها تمدها بالقوى الدافعة والمحركة لجوامع الخير المطلق. فعمل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ملأ النفوس بالإيمان المولد للطاقة الفعالة المؤثرة، هذه التربية التي أفرزت جيلاً فريداً، حق لهم أن يملكوا الريادة والسيادة والأستاذية، فما اختلف عليهم اثنان إنه جيل الصحابة عليهم الرضوان.

والسنة الصحيحة توكد هذا المعنى. أخرج البيهقي، وسعيد بن منصور، وغيرهما عنْ أَبِي السَّفَرِ قَالَ: قَالَ حُذَيْفَةُ: “إِنَّا قَوْمٌ أُوتِينَا الْإِيمَانَ قَبْلَ أَنْ نُؤْتَى الْقُرْآنَ، وَإِنَّكُمْ قَوْمٌ أُوتِيتُمُ الْقُرْآنَ قَبْلَ أَنْ تُؤْتَوَا الْإِيمَانَ.” فنتاج التربية الحقيقي هو إنزال المبادئ والمعارف إلى الحقائق ملوسة في واقع الناس، من خلال تفاعل النصوص والأحكام والتوجيهات عن طريق التكوين ثم التدريب والتنفيذ، وهو ما تجلى فعلاً في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم القدوة، فكانت حياته كلها قرآناً يتحرك بين الناس، فكان كما وصفته السيدة الطاهرة بنت الصديق رضي الله عنهما قالت عائشة لما سئلت رضي الله عنها عن خلق النبي عليه الصلاة والسلام، قالت: “كان خلقه القرآن” صحيح مسلم.

* لاحياة بلا إيمان:

إن أثار الإيمان تظهر جلية في ينبوع الأخلاق، فهو كالشجرة الوافرة الأوراق، فكل غصن فيها يعطي ثماره أخلاقاً فاضلة، فهي ثمار تجنى بالرعاية ومن خلال انتهاج وسائل التربية المتنوعة المشروعة، تؤتي أكلها أخلاقاً في شتى الشعب وأن شعب الإيمان لها صور كثيرة في الحياة، فالتواضع شعبة من الإيمان، موالاة الحق وأهله شعبة من الإيمان، إماطة الأذى شعبة منه، ورعاية اليتيم شعبة منه وكف الأذى شعبة منه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعبة منه، فهي شعب كثيرة لا حصر لها، والمؤمن يحس طعها يشعر بها كما شعر بها صاحب يسين، حين خالج الإيمان قلبه فتحرك الوجدان واللسان، فكانت الحركة الموجبة في الطريق الصحيح يعلنها بين قومه وفي ثقة وثبات، رغم ايجاز القصة لكنها ضمنت معاني حياة الإيمان كلها. ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ * قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ من سورة يس آية: 25- 26

ومن ثمار الإيمان الرضا والقناعة، التي لا تنافي مع طلب الكمال تحصيل الرزق والأخذ بالأسباب. فالإيمان الصادق الذي يتشرب المؤمن طعمه يرفض الطبقية الموحشة التي أنتجها الفلسفات الغربية أو الشرقية المنافية للفطرة السليمة ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ ومن ثمار الإيمان صفاء السريرة وسئل الامام أحمد: رضي الله عنه حين سئل، بم ارتفع القوم؟ قال: “بالصدق. إنها القلوب التقية النقية التي خرجت من عالم الدنيا وشهواتها إلى عالم الآخرة وما فيها من الأهوال والنعيم والعذاب الأليم. ألم يقل الله تعالى: “يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ” الطارق:9 . – انتهى كلام الإمام – ومن ثمار الإيمان الصدق في الأمور كلها وأعلاها الصدق بوعد الله تعالى للمؤمنين قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: 26]. فلا حياة بلا إيمان، ولا إيمان بلا أخلاق.

* الرسول يحدد معالم الطريق:

لقد ربى الرسول صلى الله عليه وسلم صحابته تربية مصاحبة، زرع في نفوسهم الإيمان العملي، الذي يتفاعل مع الحياة فهي حياة يصوعها الفهم الواعي لمقتضيات الإيمان. ولقد تلمست مثالاً عملياً للتدريب كان المربي الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان المتربي الصحابي الجليل حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنه صاحب المناقب المتفردة. يروي جوانب من التربية الإيمانية التي خصها الرسول لصحابته ففي الحديث النبوي الشريف، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ” كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ: ” يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ” رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح]

* هيا بنا نصلح الخلل:

إن الأمة في أمس الحاجة لطبيب يعيد للجسم العليل نضارته، ويعيد له قوته، فاليوم نرى الضعف نخر كل مناحي الحياة وأن هذه المشكلات التي تعيشها الأمة مردها إلى الحقيقة المغيبة، التي أخفتها لألفة الغافلة والظلمة التي حالت دونها رؤية العاصمة والمخرج الآمن، هو الاحتماء بالمولى عز وجل، فلا يصلح حال هذه الأمة إلا بما صلح به أوله وصلاح الأمة الأول معروف وطريقه معلوم، لا أحسب أن صاحب البصيرة تخفى عنه هذه الحقيقة “وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ” فإن التماس طريق النجاة والخلاص من غير صاحب العون خطأ كبير “وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ”(55) ويقول أيضاً “وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ۖ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (57) ” من سورة النور

wavatar

About حشاني زغيدي

كاتب وداعية إسلامي من الجزائر

عن حشاني زغيدي

wavatar
كاتب وداعية إسلامي من الجزائر

شاهد أيضاً

7essen-abdelazeez-67

تحولات المعارضة السورية

تشهد المعارضة السورية مخاضاً سياسياً جديداً يختلف تماماً عن المراحل السابقة، مخاضاً ستتحدد معالمه في …