الرئيسية / فكر ودعوة / خداع اللذات والمتع!
osamah-she7adah-20

خداع اللذات والمتع!

أينما تلفتّ اليوم رأيتَ أو سمعتَ إعلاناً جذاباً يدعوك لامتلاك السعادة واللذة، أو يفرض عليك الإعلام أغنية أو فيلماً عن جمال الحب والرومانسية أو روعة المغامرة والتحدي، وإذا تجاوزت هذا فلن تَسلم من أحاديث الناس عن فوائد ومنافع منتج جديد أو برنامج شاهدوه، أما الشباب والشابات في المدارس والجامعات والنوادي والمعاهد وعبر وسائط التواصل الحديثة فكثير من دردشاتهم هو ترويج وتزويق لعادات وأشياء وأفكار أدهشتهم!

ولكن سرعان ما ينكشف أن المتعة والرجولة التي طالما روّجتها الإعلانات والأفلام عن لذة التدخين والسيجارة هي طريق سريع لجحيم مرض السرطان في الدنيا، ثم تأتي الأخبار المؤكدة بالدراسات العلمية عن المخاطر الجسيمة لتصديق دعايات الوجبات السريعة، حيث ثبت أنها سبب مؤكد للسمنة وأمراضها، خصوصاً إذا رافقها إدمان مشاهدة الأفلام وبرامج التلفزيون حيث تتضاعف الأخطار بسبب محتويات هذه الوجبات وقلة الحركة وما يصاحب ذلك من إفراط في تناول المشروبات الغازية والعصائر المصنّعة والحلويات.

أما عالم الأحلام الوردية بالتفوق الدراسي الذي وُعد به الطلاب بتناول المنشطات والمخدرات فسرعان ما ينفجر ويتحول لجحيم وخيم بالإدمان والإهمال والتوهان وضياع المستقبل إن لم يذهب ضحية جرعة زائدة.

وعلى نفس المنوال أكاذيب الرفاق حول الرجولة والسعادة الكامنة في كأس الخمر، والذي في الحقيقة هو غصّة ومرارة لا لذة فيها، بل أمراض وآفات مضرة وضياع للعقل والوقار.

وحتى الربا الذي أعلن الله عز وجل عليه الحرب أصبح يقدَّم للناس بأنه حل للمشاكل وتأمين للمستقبل وفرصة للربح في السحوبات! وتقوم دعايات الربا على الكذب والخداع والتلاعب بينما الحقيقة العارية تجدها في سجلات المحاكم وغرف السجون وساحات الحجز على المركبات وإعلانات التصفية والحجز في الصحف!

أما الدعوات لنصرة المرأة فخلطت الحق بالباطل، فدعت إلى أمور سليمة كالمساواة في الأجر لنفس العمل وحقوق العاملات وغيرها، لكنها تجاوزت ذلك لتفرض أجندتها في الأخلاق والعلاقات الأسرية التي تتجاوز القيم والأخلاق الإنسانية والإسلامية، فهي تقاتل لمنح الصغيرات حريتهن دون رقابة من الأسرة أو المجتمع وتعتبر ذلك كبتاً وتقييداً للحريات!

أما خيالات الحب والعشق التي تمتلئ بها الأغاني والأفلام فهي فقاعة كذب كبيرة، تجد بعضاً من المغنين أو المغنيات أو ممثلاً أو ممثلة يعيشون في حبّ وسعادة، بل أخبار طلاقهم وانفصالهم هو السائد وكذلك أخبار انتحارهم وجرائمهم وإدمانهم على المخدرات والخمور!

وتجد أن الخيانة والكذب من المحبوب هما لبّ كلمات هذه الأغاني، وأن الخسارة والفراغ والانتهاء هي كلمات المخدوع في هذه العلاقات التي لا يقرها الدين بين الرجال والنساء، ولعل أصدق كلمة في كلمات هذه الأغاني هي: حبّك نار!!

وحتى عالم الجرائم أصبح مصدراً للكسب وجني الأموال من خلال بثّ أخبارها في الصحف والبرامج، حيث أصبحت هناك صحف خاصة بالفضائح والجرائم، وبدلاً من توعية المجتمع بهذه المخاطر أصبحت تتاجر بها، فقد وجد القائمون على هذه الصحف والبرامج الإعلامية أن هناك تقبلاً، بل إقبالاً وطلباً من الجمهور على معرفة هذه الجرائم، فأصبحت تتفنّن في عرض عناوينها الصارخة وترفق بها صوراً فاضحة، خصوصاً للنساء، وبدلاً من عرضها بصورة تشمئز منها النفوس وتبغضها القلوب، أصبحت هذه الجهات كأنها مدير علاقات عامة للجرائم والمجرمين، فتعرض الجريمة بصورة مشوّقة وجذابة وتبرز تفاصيلها، ولو بالكذب، بحيث تعلّم الجاهل وتحثّ الغافل على تكرارها والحصول على لذة الجريمة والشهرة عقبها كما حصل من المجرمين من قبل!

وقد تفاقمت هذه الظاهرة حتى حذّر منها علماء الاجتماع ونبهوا على خطورة الدور السلبي لوسائل الإعلام تلك في ترويج الجريمة عبر نشر أخبارها بطريقة مغرية ومفصلة.

ويماثل ذلك أفلام الرعب والعنف وألعاب الكمبيوتر التي تمجّد القتلة واللصوص وتصوّرهم أذكياء شجعان وتجعل متابعيهم يفرحون بوقوع الجريمة وتَمكّنهم من التملص من سيف العدالة، وقد تطورت الأحوال فأصبح المشاهد يشارك في الجرائم عبر الأفلام والألعاب التفاعلية، وكل هذا يتمّ تمريره تحت شعارات على منوال: “تعالَ إلى حيث القوة”، ولذلك تفاقمت أرقام الجرائم في العالم كله تحت تأثير ما يشاهدونه في زمن القرية الواحدة، وأصبح تقليد جرائم الأفلام شيئاً شائعاً.

وبالمقابل إن الشباب الذي يلتحق بداعش وأمثالها من التنظيمات إنما يجذبه فيها الشعارات البراقة مثل نصرة الدين وحماية الإسلام، وهي غايات نبيلة ومقاصد مشروعة، ولكن هل هذه الجماعات هي العنوان الصحيح لنصرة الإسلام والجهاد والشهادة في سبيل الله؟ يؤكد علماء العصر أن داعش هي في الحقيقة حرب على الإسلام والمسلمين بمنهجها المنحرف في فهم الدين وبسلوكها الإجرامي العدواني مع المسلمين وغير المسلمين، ولذلك مع الأسف يقدّم الكثير من الناس روحه ودمه في العنوان الخطأ.

المهم في هذا الموضوع حاجة المسلم والمسلمة اليوم لليقظة لخطورة أغلفة المتعة واللذة والسعادة التي تغلف فيها كثير من القبائح والمحرمات، وهي تماثل كثيراً من الإحباطات التي مررنا بها حين نشتري سلعة بناء على صورتها البراقة في الإعلان، ولكنك حين تعبر الصورة للواقع والحقيقة تصطدم بسوئها، ولكن بعد أن تكون قد خسرت مالَك ووقتك وجهدك. والأخطر في الموضوع أن تسبّب لك هذه الخسارة ما لا يمكن تعويضه كمفارقة الحياة!

لقد نبّهنا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “حجبت النار بالشهوات وحجبت الجنة بالمكاره” رواه البخاري، فكما أن الشهوات من الخمر والزنا والقمار والربا والظلم والسرقة وغيرها هي الطريق إلى النار، ولذلك يلزم كل مسلم ومسلمة أن يكون لديهما من مهارات الوعي ما يمكنهما من تجنب الشهوات والملذات التي تحف بطريق النار لتجنبها في الدنيا والآخرة، ومن ذلك:

– لا تنخدع بالشعارات والصور الجذابة، وابحث عن الجوهر، وهذه قاعدة تصلح لكل جوانب الحياة، ففي الدين لا يخدعك حسن كلام بعض الناس أو شكله، وابحث هل هو مؤهّل للكلام في الدين؟ هل هو على منهج سليم يشهد له العلماء المعروفون؟ ما مدى معرفته وتخصّصه؟ وهذه أسئلة يجيب عنها لك العلماء الشرعيون وليس عابرو الطريق، كما أنك لا تسأل عن الطبيب الحاذق إلا الأطباء وليس حلاقك المعتاد!

وأيضاً حين تسمع كلاماً جميلاً من الأخبار والأفكار لكنك لا تدرك حقيقته وصوابه فلا تتردد في السؤال عنه حتى تكون على بيّنة من أمرك.

– لابد أن يكون عندك ثوابت راسخة تقيس الأشياء والأفكار والسلوكيات عليها، فمن هذه الثوابت الراسخة أن كل ما عارض وتناقض مع الشريعة فهو باطل وخطر، مهما عُرض عليك بشكل جميل وجذاب، وقد ثبت عن كل العقلاء أن كل ما نهى عنه الدين فيه شرور، قد يتأخر معرفة البشر لها، لكن من المستحيل أن توجد فائدة تامة لها.

وتأمل تزايد اعتماد العالم على الاقتصاد الإسلامي الذي ينبذ الربا بالكامل لتدرك أن الباطل لا يستمر ولا ينفع مهما كابر أهله.

– العلم والتزود منه هو سلاحك لكشف الفخاخ خلف الشهوات والمغريات، وكما أن السائق الذي عنده معرفة بأمور ميكانيك السيارات يصعب خداعه من قبل عمال الصيانة، فكذلك أنت كلما كنت تعلم وتعرف لن تُخدع، فتعلّم ورسّخ حب التعلم في أبنائك.

– التأني والتفكر وسؤال أهل الخبرة والتجربة دوما يجنب المرء المشاكل والمطبات والورطات، فتعوّد أن لا تتقبل كل جديد بسرعة، خصوصاً إذا كان المصدر غامضاً أو جهة تجارية أو لا يعرف مصداقيتها ككثير من منشورات وسائل التواصل الاجتماعي.

هذه بعض مهارات الوعي التي إذا تعودتَّ عليها ستجد نفسك بتلقائية تمارس تفكيراً نقدياً يجنبك الفخاخ وتكسب به الثمار والخيرات في الدنيا والآخرة، ويلزم أن نشيعها بين أبنائنا وأصدقائنا حتى نجنبهم مزالق المخدرات والإدمان والإجرام والإرهاب والمحرمات والفواحش.

الغد الأردنية

عن أسامة شحادة

wavatar
كاتب وداعية إسلامي مصري

شاهد أيضاً

abu-hassan-aldhahir-4

جماعة الإخوان المسلمين في سورية تنعى الأخ أبو حسان الضاهر

بمزيد من الرضا والتسليم لقضاء الله وقدره، تنعى جماعة الإخوان المسلمين في سورية الأخ عبد …