الرئيسية / أقلام وآراء / “درع الفرات”.. بين الواقع والمأمول
7essen-abdelazeez-53

“درع الفرات”.. بين الواقع والمأمول

على مدار سنوات الأزمة السورية ظلت تركيا تائهة بين لحظات تأرجح التفاهمات الروسية/الأميركية، وفشلت في صنع سياسة مستدامة قادرة على اختراق ساحة الأزمة السورية بما يلبي مصالحها القومية العليا، فبقيت سياستها في إطار رد الفعل.

هكذا وجدت تركيا نفسها عاجزة أمام الخطوط الحمر الأميركية، ووجدت نفسها عاجزة فيما بعد أمام التدخل العسكري الروسي الذي قلب الموازين العسكرية رأساً على عقب، إلى أن جاءت عملية “درع الفرات” في 24 أغسطس/آب 2016.

لكن هذه العملية -التي جاءت ضمن تفاهم مع روسيا- ظلت محكومة بسقف موازين القوى المتفق عليها بين اللاعبيْن الكبيريْن (روسيا والولايات المتحدة)، وجاءت معركة الباب وتطورات منبج الأخيرة لتطرح تساؤلات بشأن حدود ومستقبل عملية “درع الفرات”، وبالتالي بشأن الدور التركي في الشمال السوري.

* لماذا “درع الفرات”

كان التقارب الروسي التركي ضرورة إستراتيجية لكلا الطرفين، بعدما اكتشفا خلال فترة القطيعة السياسية -التي استمرت ثمانية أشهر- أنهما بحاجة إلى بعضهما البعض، وأنه من دون تفاهم مشترك لن يستطيعا تحقيق أهدافهما في سوريا.

وبالتالي لم يكن سماح روسيا لتركيا بدخول الشمال السوري نابعاً من حاجة روسية لقوة عسكرية أخرى مساعدة لها في هندسة الواقع العسكري داخل محافظة حلب.

لقد جاءت عملية “درع الفرات” في ضوء الحاجة الروسية لتركيا من أجل إنجاز واقع سياسي غير ممكن تحقيقه قبيل تقديم تنازلات عسكرية لأنقرة في سوريا، بما يضمن مصالحها القومية العليا أولاً، ويساعدها على ضبط إيقاع فصائل المعارضة المسلحة ثانياً.

سُمح لـ”درع الفرات” بالسيطرة على مثلث جغرافي أطرافه جرابلس في الشمال الشرقي، ومارع في الشمال الغربي، والباب في الجنوب؛ ضمن مساحة تصل إلى نحو خمسة آلاف كيلومتر مربع لتحقيق ثلاثة أهداف:

ـ محاربة تنظيم “الدولة الإسلامية”.

ـ قطع التواصل الجغرافي للأكراد ليس بين شرق الفرات وغربه فحسب، وإنما أيضاً في غرب الفرات، بين عفرين غرباً وعين العرب كوباني في أقصى الشمال الشرقي لمحافظة حلب.

ـ تطويع فصائل المعارضة المسلحة لفك ارتباطها بالفصائل “الإرهابية” والاستعداد للتسوية السياسية.

وإذا كان التحالف الروسي/التركي قد منح أنقرة موطئ قدم في الشمال السوري، وأعطى موسكو هدنة عسكرية سارية المفعول؛ فإن واقع الأزمة السورية وتشعباتها أصعب من أن تسير العاصمتان على سكة إستراتيجية واحدة.

فالتقاء المصالح بين الدولتين لا يزال ضعيفاً بسبب اختلاف الأهداف الكبيرة لكليهما في سوريا، إذ سرعان ما يتعرض اتفاقهما أو تحالفهما الجزئي لهزة مع أي تطور يقع.

فما إن أطل الرئيس الأميركي دونالد ترمب برأسه وأعلن بعض مواقفه حتى تنفست تركيا الصعداء، وبدأت تغازل البيت الأبيض في ملفين اثنين هما المنطقة الآمنة ومعركة الرقة، ورفعت سقف شروطها انطلاقاً من حاجة الولايات المتحدة إليها عقب الواقع العسكري الذي أنجزته في شمالي حلب.

هذه المغازلة أزعجت روسيا التي سرعان ما أطلقت تصريحات سياسية تستهجن القبول التركي بإقامة منطقة عازلة في أماكن سيطرة “درع الفرات”، وربما يكون القصف الروسي لجنود أتراك في مدينة الباب مقصوداً ولا يندرج ضمن أخطاء ما يسمى “النيران الصديقة”.

* ما بعـد “الباب”

مع دخول قوات “درع الفرات” مدينة الباب بدا واضحاً أن مرحلة توسعها الجغرافي قد انتهت، فلا إمكانية للتوجه نحو غرب المدينة أو شرقها أو جنوبها.

وليس صدفة أن يتزامن تحرير الباب مع توجه قوات النظام السوري إلى بلدة تادف على تخوم الباب من ناحية الشرق، ومن ثم الانطلاق لانتزاع عشرات القرى من تنظيم الدولة، في خطوة واضحة لقطع الطريق على “درع الفرات” للتوجه نحو الشرق وتدمير أية محاولة للمشاركة في عمليات الرقة.

ووصلت قوات النظام إلى نقاط جغرافية على تماس مع مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” شرق حلب، لينشأ بذلك جدار عسكري/جغرافي على طول الضفة الغربية لنهر الفرات، هدفه خلق وقائع جغرافية جديدة تعزل الرقة عن الطموحات التركية، وتجبر واشنطن على رفض الخطة التركية ذات السيناريوهات الثلاثة المتعلقة بالرقة.

هذه التطورات جاءت بإيعاز روسي لترسيم الحدود العسكرية لـ”درع الفرات”، بعدما استشعرت موسكو إمكانية توجه الأتراك نحو واشنطن لاستكمال مشروعهم الخاص بهم في الشمال السوري.

إنها رسالة روسية واضحة لتركيا مفادها أن موسكو لا تزال اللاعب الأقوى في الساحة العسكرية السورية، وأنها قادرة على تدوير الزوايا وخلق وقائع جديدة وتبديل موازين القوة على الأرض.

لا تريد موسكو توسيع الهيمنة التركية في الشمال السوري أكثر من ذلك، وتعتقد أن الأتراك أخذوا حصتهم الكافية بما يلبي أهدافهم، ولذلك دفعت النظام السوري وقوات “وحدات حماية الشعب” الكردية إلى الاتفاق على تسليم المناطق الغربية المحيطة بمنبج إلى قوات النظام لمنع “درع الفرات” من التوجه إلى منبج.

لقد خشيت روسيا -التي لا تثق بالأتراك كثيراً ولا بالأميركان- من أن يحدث اتفاق تركي/أميركي حول منبج، فاستبقت الأمور وصنعت الاتفاق بين النظام و”وحدات حماية الشعب”.

لكن المفاجأة بالنسبة لتركيا جاءت من أميركا التي نشرت قوات لها شمال منبج لمنع اقتراب الأتراك من البلدة عبر نهر الساجور، ولم تُخفِ واشنطن أهدافها من نشر هذه القوات، فقد أعلنت صراحة أنها جاءت لمنع الأتراك من التقدم نحو البلدة. وهكذا وجدت تركيا نفسها في مواجهة أربع قوى رئيسية في الشمال السوري (النظام/روسيا، وحدات الحماية الكردية/أميركا).

بالنسبة للولايات المتحدة، فإنها ليست في وارد الانقلاب على حليفها المحلي “قوات سوريا الديمقراطية” في هذه المرحلة، وذلك لسببين اثنين: الأول أن هذه القوات حققت إنجازات عسكرية واضحة على الأرض، والثاني أنها القوة الوحيدة في سوريا التي تحظى بإجماع كافة الفرقاء، الأمر الذي يجعل التعاون معها أسهل من التعاون مع الأتراك.

وبالنسبة لروسيا، فهي تخشى أن تدفع التطورات المتغيرة في سوريا الأتراك إلى الانقلاب على تفاهماتهم معها، أو على الأقل الانزياح قليلاً عنها والمضي في تحقيق مشاريع وأهداف خاصة بأنقرة، في ظل وجود تباينات واضحة بين الجانبين حول مستقبل سوريا ودور القوى المحلية والإقليمية اللاعبة فيها.

* حدود الخيارات التركية

شكل انتشار قوات النظام والقوات الأميركية في محيط منبج ضربة قاسية للأتراك الذين بدت خياراتهم شبه معدومة في تجاوز هذه المعضلة، ومن الصعب التنبؤ بطبيعة رد أنقرة أمام هذا السد الجغرافي/السياسي، ولن يكون أمامها سوى ستة خيارات:

1- القبول بالأمر الواقع والاكتفاء بالمساحة الجغرافية التي سيطرت عليها قوات “درع الفرات”، وهو أمر مستبعد في ظل الأهمية الخاصة لبلدة منبج بالنسبة لأنقرة.

2- ضرب الوحدات الكردية وقوات النظام داخل منبج ومحيطها من بعيد عبر المدفعية والطيران، وهذه خطوة تكتيكية لا تعني التمهيد لشن هجوم بري -فمثل هذا الهجوم أصبح مستحيلاً في ضوء الفيتو الروسي/الأميركي- وإنما لرفع مستوى التفاوض بشأن الدور التركي في الشمال السوري، والضغط على اللاعبين الكبيرين لتسليم منبج إلى قوات النظام كحد أدنى يمكن أن تقبل به تركيا.

هنا تلعب أنقرة على بعض التباينات بين موسكو وواشنطن، حيث تدعم الأولى فكرة هيمنة قوات النظام على منبج، بما يعنيه هذا الأمر من وصول هذه القوات إلى مناطق بعيدة لم تكن تأمل الوصول إليها.

3- توجه قوات “درع الفرات” نحو الشمال الغربي لحلب، وتوسيع سيطرتها هناك في تل رفعت باتجاه كفر حمزة، مروراً بكفر باقد ودير جمال، وبالتالي خلط الأوراق والتعويض عن خسارة منبج.

4- الضغط على واشنطن للمشاركة في معركة الرقة من بوابة تل أبيض، وهذا احتمال ضعيف لأنه يصطدم برفض كردي واضح، لما يعنيه ذلك من خسارة الأراضي الممتدة من تل أبيض شمالي محافظة الرقة إلى مدينة الرقة في جنوبي المحافظة.

ويعني ذلك بالتالي تمكين الأتراك من وضع حاجز جغرافي بين مناطق شرق الفرات في الرقة ومناطق غرب الفرات في حلب، وهي مناطق خاضعة لسيطرة الأكراد.

وتعوّل تركيا على واشنطن التي لم تحسم خياراتها بعدُ، بحسب الناطق باسم التحالف الدولي ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” جون دوريان الذي أعلن أن “الدور المحتمل لتركيا ما زال موضع نقاش على مستوى قيادة الجيش وعلى المستوى الدبلوماسي..، ونحن منفتحون على دور لتركيا في تحرير الرقة”.

5- توجه الجيش التركي نحو بلدة تل أبيض شمالي الرقة بشكل منفرد وانتزاع الهيمنة عليها من أيدي “قوات سوريا الديمقراطية”، لكن هذا الاحتمال يظل بعيداً في هذه المرحلة.

6- الهروب إلى الأمام وتوجيه ضربة لواشنطن وموسكو على السواء، عبر وقف العمل بقاعدة إنجرليك وإقامة منطقة آمنة في مناطق سيطرة “درع الفرات”. وهذا الاحتمال بعيد جداً لأنه قد يعيد تركيا إلى المربع الأول في سوريا، فضلاً عن أنه سيقطع جسور تواصلها مع روسيا والولايات المتحدة، وهذا خارج عن قدرة تركيا على تحمله.

وبغض النظر عن هذه الاحتمالات؛ فإن الثابت هو أن عملية “درع الفرات” قد بلغت نهايتها، وعلى تركيا التأقلم مع الواقع الجديد والحصول على تنازلات روسية/أميركية -عبر الوسائل الدبلوماسية- في انتظار تبدل المعطيات على الأرض لصالح أنقرة، وهي معطيات سريعة التغير كما علمتنا التجربة السورية.

الجزيرة . نت

عن حسين عبد العزيز

wavatar
إعلامي وكاتب سوري

شاهد أيضاً

7essen-abdelazeez-57

في جدوى مفاوضات جنيف

تحولت اجتماعات جنيف السورية إلى ما يشبه المارثون الاستعراضي الخالي من أي أفق سياسي في …