الرئيسية / فكر ودعوة / عندما تكون الرحمة هي اللبنة الأولى لتعاملنا
ali-qardagi-36

عندما تكون الرحمة هي اللبنة الأولى لتعاملنا

إذا نظرنا في العالم اليوم نجده عالماً قد انتشرت فيه الأوبئة الاجتماعية، وظهر فيه الفساد والتفرق والتمزق، وكثرت فيه المشاكل؛ من دمار وقتل وتعذيب، وغيرها من الفتن الكبرى ما ظهر منها وما بطن، ونجده عالماً يصدق فيه قوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.

فالله سبحانه وتعالى يبين لنا في هذه الآية الكريمة أن الفساد قد ظهر في معظم العالم وأكثره، وأن الفساد قد عمَّ البيئات المختلفة، من بر وبحر وجو، وما ظهر الفساد إلا بسبب ما تكسبه الأيدي، وما يفعله بعض الناس من القتل والتدمير وأكل الحرام، وأكل أموال الناس بالباطل، وعدم الالتزام بما جاء به الشرع الحنيف.

كما يبين الله سبحانه وتعالى أن ما يحدث من فتن عامة، وابتلاءات تصيب المجتمعات، ما هو إلا جزاء لبعض ما كسبته أيدي البشرية، وليس جزاءً كلياً لكل ما يفعله المفسدون في الأرض، إذ لو كان جزاء كلياً مقابل كل ما يأتي به الذين لا يرعون في المجتمعات إلاً ولا ذمة {مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ}، غير أن الله سبحانه وتعالى يعاملنا برحمته وقدرته وعفوه ومغفرته وجلاله وجماله وكماله.

ويبين الله تعالى أن ما يثقل به كاهل الأفراد والمجتمعات من فتن ومحن هو للتأديب، ولعل الأمم تعود إلى الله تعالى، ولعل البشرية تسعى إلى طريق الهداية، وتتجنب متن الغواية، فتدرك حينئذٍ سبيل رشدها.

والناس تجاه هذه الفتن فريقان:

الأول: يتأثر ويرتدع فيتوب ويرجع إلى الله تعالى، معلناً الخضوع والتضرع والالتزام.

والثاني: لا تزيده هذه المحن إلا فسقاً وفجوراً وطغياناً وفساداً، وكأن كل ما يحدث من حوله، وبسببه أمر لا يعنيه، وهنا تكمن المصيبة الكبرى.

* كيف يعالج الفساد الشامل؟.

بين الله تعالى أن هذه الدعوة قائمة على أساس علاج الفساد، وأن هذه الرسالة ما جاءت إلا لتحقيق الرشد للبشرية، ولتحقيق العدالة الشاملة لكل البشرية، ولجعل الأرض لكل أمم الأرض، دون أن تستأثر بها جماعة أو طائفة دون أخرى، وهذه هي الغاية المرجوة في إرساء قواعد السلام والأمن والاستقرار، والركيزة الأولى والأساس التي يقوم عليها الاستخلاف في الأرض، وبعدها، وبفضل هذه الرسالة، وبإذن الله تعالى يخرج الناس من الظلمات إلى النور.

وعلى هذا النهج القويم ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، حيث لم تكن الأمة العربية قبل البعثة أحسن حالاً مما نحن عليه اليوم، حيث كان الفساد ينخر في مجتمعاتها كلها؛ على مستوى الفرد والأسرة والجماعة والقبيلة، وحيث القانون السائد آنذاك هو قانون الغاب، القوي يأكل الضعيف، و ليس لمن لا عشيرة له تحميه أو قبيلة تأويه حق في الحياة، بل وصل الحال ببعض إلى عقلية بهيمية، إذا بُشِّر بمولود أنثى ظل وجهه مسوداً، وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بُشِّر به، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب؟ بل كان يؤثر أن يئد فلذة كبده.

كما ترك أكثرهم العقل حين ركع للصنم، وحين سجد لوثن، ومما يدل على أن الأمة العربية كانت تعيش وقتئذٍ حالة الخرافة والجهل أن بعضهم كان يتخذ له إلهاً من التمر يعبده في الشتاء ويأكله في الصيف.

ووصلت العنجهية بهم إلى حالة ما يشبه الجنون قتلاً وتدميراً وتفرقة، دون مبرر ولا سبب، حتى تمثل ذلك شاعرهم بقوله:

وأحياناً على بكر أخينا إذا لم نجد إلا أخانا

كما ظهر فيهم الفساد المالي، حيث كان يفرض النبلاء وأصحاب الثروة فيهم على الفقراء أتاوات تثقل كاهلهم، وتجعل في أعناقهم قيود العبودية والمذلة.

إنه فساد كبير وعريض أكثر مما نعانيه اليوم.

* من مراحل علاج الفساد

أولاً: التربية على القيم

وجاء الرسول صلى الله عليه وسلم هادياً وبشيراً، وداعياً إلى الله ونذيراً، يعالج كل أنواع الفساد، ويقضي على جميع أشكال التفرقة، ويوحد الأمة بعد تمزقها، حيث أخرج الأمة من الضعف إلى القوة، ومن ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومن تدني القيم والأخلاق إلى أمة تعتبر أستاذاً للعالمين في القيم والأخلاق.

وهذا ما جعل المربين المنصفين العادلين يذعنون لعظمة هذه الرسالة ونبيها صلى الله عليه وسلم، وهذا ما دفعهم إلى إعلان الحب له، هذا الحب والعدل ما دعا صاحب كتاب المائة الأوائل {مايكل هارت} إلى أن يفتتح كتابه بسير سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يضعه أول المائة، شهد الأنام بفضله صلى الله عليه وسلم، حتى العدا، والخير ما شهدت به الأعداء.

نجح صلى الله عليه وسلم في ميدان التربية، ونجح في ميدان السياسة، ونجح في القضاء على الفساد المالي والإداري، ونجح في القضاء على التفرق والتمزق، وحد الأمة بعد شتات، ونهض بها بعد سبات، وأحياها من امة العدم إلى أمة الوجود، هذا ما لخصه جفر بن أبي طالب رضي الله عنه أمام النجاشي ملك الحبشة حين أرسلت قريش وفداً ليعيد النجاشي المسلمين إلى مكة، فقال جعفر رضي الله عنه:” أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام”، فرد النجاشي وفد قريش خائباً، وأسلم النجاشي وأخفى إسلامه عن قومه، ولما نعي للنبي صلى الله عليه وسلم وبلغه خبر وفاته، صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الجنازة.

بهذه القيم استطاع صلى الله عليه وسلم أن يبني الإنسان، وأن يعيد صياغته، وتمكن صلى الله عليه وسلم من إصلاح الأمة في جميع مجالات الحياة، عالجها من التفرق والتمزق إلى الوحدة والأمة الواحدة، ومن العصبية القبيلة إلى الولاء لله وللرسول صلى الله عليه وسلم، وللمؤمنين.

استطاع أن يعلو ببلال الحبشي من رقيق يباع ويشرى إلى مكانة عالية في الإسلام، واستطاع أن يجعل من صهيب الرومي فدائياً يفتدي دينه وعقيدته بكل ما يملك من مال.

ثانياً: التزكية القلبية والروحية

جمع الرسول صلى الله عليه وسلم الأمة على الكلمة الواحدة، وعلى كمال القيم، وجميل الشيم التي أرسى دعائمها بوحي أتاه من الله سبحانه وتعالى، حقق كل ذلك بأسلوب الحكمة والموعظة الحسنة، وبالقدوة الصالحة، واستخدم التربية في أجلِّ معانيها، وأسمى مراميها، وأعظم أدواتها {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}، واستخدم في سبيل تحقيق التزكية الداخلية والخارجية الرحمة واللين والشفقة {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}، ولما تغير منهجنا في الدعوة عن هذا المسار واستخدم دعاتنا الجفوة والقسوة والتفسيق والتكفير والتضليل ، ظهر فينا من لا يزيد أمرنا إلا خبالاً، وأوضع العدو خلاله يبتغي الفتنة فينا.

ثالثاً: وشاورهم في الأمر

حين تكون الحكومة جزءأً من الشعب، ويكون الشعب حامياً للحكومة والدولة، تقف الدولة على ساقها، ويستقيم أمرها، و تنهض الأمة إلى حضارة عالمية، والطريق إلى ذلك كله {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}، وهذا منهج الرسول صلى الله عليه وسلم؛ إذ كان يستشير أصحابه كل حسب اختصاصه، كان يشاور من لديه الخبرة العسكريين في الحروب، ومن لديه الخبرة الزراعية في أمور الزراعة، لقد طلب المشورة يوم بدر من جميع المسلمين، دون ان يأخذ برأي المهاجرين فقط، بل كرر مقولته الرائعة {أشيروا عليَّ أيها الناس} حتى قام من يمثل الأنصار من الأوس والخزرج، وأشارا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحينئذٍ استبشر الرسول صلى الله عليه وسلم، وتهلل وجهه خيراً.

ولو كان التشاور قائماً في مجتمعاتنا بهذه الطريقة لما حدث في عالمنا ما يحدث الآن، إذ القرارات تملى على الشعوب دون مراعاة لهوية الشعوب، ولا طبيعتها، ولا رغبتها، ومن هنا يظهر من يعمل في الجفاء ليوهن الأمة، ويسعى في الأرض ليفسد فيها، ويهلك الحرث والنسل.

رابعاً: الرحمة واللين في التربية

عنَ أَبُي رِفَاعَةَ رضي الله عنه قال: “انْتَهَيْتُ إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وهو يَخْطُبُ، فَقُلْتُ: يا رسُولَ اللَّهِ، رجُلٌ غَرِيبٌ، جاءَ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ، لَا يَدْرِي ما دِينُهُ؟ قال: فَأَقْبَلَ عَلَيَّ رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وتَرَكَ خُطْبَتَهُ حتَّى انْتَهَى إليَّ، فأُتِيَ بِكُرْسِيٍّ حَسِبْتُ قَوَائِمَهُ حَدِيداً، قال: فَقَعَدَ عليه رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وجَعَلَ يُعَلِّمُنِي ممَّا علَّمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ فَأَتَمَّ آخِرَهَا”. صدق الله إذ قال فيه صلى الله عليه وسلم: {بالمؤمنين رؤوف رحيم}.

* خاتمة: ما العمل؟

إذا أرادت الأمة أن تضع حلاً لأزماتها، ومخرجاً لمشاكلها عليها أن تسلك طريق التزكية الشاملة، وعليها أن تعمل على إيجاد القدوة الحسنة في المجتمعات، وأن تتشاور الحكومات والشعوب تشاوراً تاماً، مع مراعاة الحقوق المتقابلة لك من الحاكم والمحكوم، وأن تتمازج الحكومات مع شعوبها، وأن يتفاعل الجميع في سبيل تحقيق العزة والكرامة للأمة.

كما أننا مطالبون بهذه القيم والأخلاق في بيوتنا، ومع جميع من نتعامل معه من زوجات وبين وبنات، وخدم وخادمات، لأننا متساوون في أصل الخلق، ولأنه لا يمكن أن تستقيم أحوالنا إلا إذا كانت الرحمة هي اللبنة الأولى لتعاملنا.

فلنعلم من نعول الرفق واللين والشفقة والرحمة والتشاور، لعل الله تعالى يخرجنا مما يحل بساحتنا، فنكون خير أمة أخرجت للناس، الأمة التي أرادها الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.

ما أعظم هذه الرسالة النبوية؟

وما أعظم هذه التربية النبوية؟

وما أعظم الخلاق النبوية؟

على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم.

إنها قدوة لنا {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً}، فالذي يرجو أن ينال رضى الله تعالى، وخير الآخرة، والنجاة يوم لا ينفع مال ولا بنون، ليس أمامه إلا الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولو اقتدينا برسولنا صلى الله عليه وسلم حكاماً ومحكومين لنجت الأمة من الشدائد التي تحدق بها من كل مكان، ولعلا شانها بين العالمين، ولتحقق لنا الفخار.

إن في ذلك لآيات لأولي الألباب.

عن أ. د. علي القره داغي

wavatar
الأمين العام للإتحاد العالمي لعلماء المسلمين

شاهد أيضاً

ali-qardagi-48

النفاق من أخطر أمراض القلوب

إذا تدبرنا في كتاب الله تعالى، وفي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وفي سيرته …