الرئيسية / فكر ودعوة / في ذكرى وفاة الشيخ الغزالي: هل استفاد منه الإسلاميون ؟؟!!
a7mad-abd-almajeed-maki-27

في ذكرى وفاة الشيخ الغزالي: هل استفاد منه الإسلاميون ؟؟!!

يُعَد الإمام الشيخ محمد الغزالي السقا أحد علماء ودعاة الفكر الإسلامي الصحيح في العصر الحديث، ولد الشيخ سنة 1977م، في قرية نكلا العنب، إحدى قرى مركز إيتاي البارود التابع لمحافظة البحيرة، والشيخ كان دائماً ما يدعو ربه أن يقبض روحه في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي ذات يوم دُعِي إلى المشاركة في مؤتمر حول الإسلام وتحديات العصر، في مدينة الرياض في السعودية، وفي أثناء المؤتمر وبالتحديد في التاسع من مارس سنة 1996م، فاضت روحه الطاهرة، ودفن بمقبرة البقيع بالمدينة، حيث كان يتمنى ..!

عُرِف الإمام محمد الغزالي بأسلوبه الأدبي الرصين واشتهر بلقب أديب الدعوة، وله الكثير من المؤلفات المهمة والتي يتركز معظمها على النهوض بالذات والعود الحميد إلى القرآن، وتصحيح مصادر التلقي، ومقاومة الظلم والاستبداد، ودراسة أسباب تأخر العرب والمسلمين، والدفاع عن الإسلام في وجه الأفكار والمذاهب المنحرفة والباطلة، كما عُرِف عنه دعوته لفقه النص الشرعي فقهاً صحيحاً، وكان رحمه الله شديد الانتقاد -وهو مُحِق- للتدين الشكلي والحرفي.

وعلى الرغم من أنَّ مؤلفات هذا الإمام الجليل بلغت العشرات، وكان لها تأثير قوي على الأمة الإسلامية بشكل عام باستثناءغالب التيارات والجماعات الإسلامية، حيث لم تستفد من الشيخ ولا من مؤلفاته تمام الاستفادة، بل إنَّ بعضهم هاجمه هجوماً عنيفاً وشَنَّ عليه حملة لا هوادة فيها بدعاوى متعجلة ومختلقة كدعوى إنكاره للسنة مثلاً، وتوالت الردود على اختيارات الشيخ الفقهية والحديثية، وبغض النظر عن صحة موقف الإمام الغزالي من هذه الاختيارات من عدمه إلَّا أنَّ القاسم المشترك بين هذه الردود والانتقادات كان هو السطحية والتسرع ومجاوزة التخصص والضيق بالمخالف ، فهذه الجماعات لم تتحمل من الإمام خطأه في بعض هذه الاختيارات أو معظمها -إنْ افترضنا أنه أخطأ- على الرغم من أنهم تحملوا وقبلوا في الوقت نفسه من مشايخهم ورموزهم ما هو أشد، فقد تحملوا القول بتحريم الذهب المُحَلَّق على النساء وهو قول لم يقله أحد في تاريخ الأمة منذ نشأتها، وكذا القول بتحريم لحوم البقر ووجوب الأخذ من اللحية وغيرها، وكان منطقهم تجاه صاحب هذا الأقوال هو “كلٌ يؤخذ من قوله ويُرَد”، وكثيراً ما كانوا يرددون مقولة يونس الصَّدفي: (ما رأيت أعقل مِن الشَّافعي، ناظرته يوماً في مسألة، ثمَّ افترقنا، ولقيني، فأخذ بيدي، ثمَّ قال: يا أبا موسى، ألَا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتَّفق في مسألة)، وهذا هو الموقف الصحيح ولا غبار عليه، ولو كان هذا هو الموقف من الغزالي لاستفادت الصحوة منه كثيراً، ولَوَفَّرَ أتباعها ودعاتها على أنفسهم الجهد والوقت، ولكن الموقف السائد تجاه الشيخ وقتئذ كان “في حارتنا جَهُول”!! و يبدوا أنَّ هذا داء قديم يظهر بوضوح حال تخلف الأمة وتفرقها وضعفها، وقد أشار إليه الإمام عز الدين بن عبد السلام، الملقب بسلطان العلماء (المتوفى: 660هـ) في قوله: (ومن العجب العجيب أنَّ الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف قول إمامه بحيث لا يجد لضعفه مدفعاً ومع هذا يقلده فيه، وإذا عجز أحدهم عن تمشية مذهب إمامه قال لعل إمامي وقف على دليل لم أقف عليه ولم أهتد إليه، فالبحث مع هؤلاء ضائع مفض إلى التقاطع والتدابر من غير فائدة)

وكم خسرت الدعوة كثيراً حين لم تلتفت إلى تحذير الشيخ في كتابه المحاور الخمسة للقرآن الكريم من الانشغال بالمتشابه على حساب المحكم، يقول رحمه الله: (أرى أنَّ انطلاق الألسنة والأقلام فى عالم الغيب، وافتعال المعارك حول المتشابه ـ سلباً أو إيجاباًـ هو لخدمة الاستبداد السياسى، بل هو قرة عين الحكم الفردى، فإنَّ خلافا حاراً أو بارداً، حول رؤية الله سبحانه وتعالى، أحظى لدى الخلفاء غير الراشدين من الخلاف حول أصول الحكم وسياسة الجماهير..! وقد انتقل ذلك الخلاف إلى ميدان الفقه، فشغل الشعوب بفروع العبادات، عن سياسة الحكم والمال، وعلاقة الأمة بغيرها، وكيف تقدر على أداء رسالتها العالمية.. واستحياء الخلاف القديم بين السلف والخلف فى عصرنا هذا، ليس إلا مضياً في تضليل المسلمين عن رسالتهم الكبرى، واستبقاء علل التخلف الخلقي والاجتماعي بينهم !)

حتى الجماعة التي كانت تٌبَجل الشيخ وتحترمه وتتناقل كتبه ويتفهقون عليها لم يستفيدوا من الشيخ إلَّا في بعض أمور الدعوة، أما في مجال التربية والإعداد وأخذ الحذر وفقه سنن الله في المجتمعات وما إلى ذلك فلم يستفيدوا منه كما ينبغي، وإلا لما وصل حالنا إلى ما وصلنا إليه.

فعن الموقف الصحيح من النقد، تُرى لو أننا عقلنا جميعاً قول الشيخ في كتابه الرائع جدد حياتك: (وبديهي أنَّ المرء يلوذ بهذا الاستعلاء والاستغناء إذا دهمه سيل من هزات الحاسدين واتهامات الحاقدين، وكان الحق معه. أما الانتقاد الصحيح لما وقع فيه من أخطاء، أو الاستدراك على ما فاته من كمال؟ فيجب أن نقبله على العين والرأس. ولو كان النقاد مدخولي النية، سيئي القصد. فسوء نيتهم عليهم وحدهم، وخير لنا أن ننتفع بما أجراه القدر على ألسنتهم من تصويب….إن أعداء الإنسان يفتشون بدقة فى مسالكه، وقد يقفون على ما نغفل نحن عنه من أمسّ شؤوننا. وقديماً قيل: رحم الله امرءاً أهدى إليّ عيوبي، فمن أهدى إلينا عيوبنا قبلنا هديته فى الحال، ثم سارعنا إلى إصلاح ما بطن وما ظهر من نفوسنا، حتى لا يبقى مجال لكاره أو حاقد.)

وماذا علينا لو أننا استمعنا إلى قوله في كتابه الإسلام والأوضاع الاقتصادية: (من الغفلة أن ننسى دروس الماضى وعبره .. ولقد لدغتنا المظالم فى الداخل فسمَّمَت دمائنا، وهدَّت قوانا، وسبَّبَت لنا هزائم مريرة، فيجب ألا نُمكّن لها العودة أبداً)، أما في كتابه كيف نتعامل مع القرآن فيتحدث الشيخ عن سنن الله الكونية فيقول: (آيات كثيرة في القرآن الكريم هي قوانين لابد أن تنطبق على العدو والصديق، ومحاولة الإفلات من هذه القوانين، فاشلة، بل ميئوس من نتائجها… هذه القوانين التى تكون فى الأحوال المادية، في الكون والحياة، هي سارية أيضاً في الحضارة الإنسانية التي نعيش فيها الآن.. وسنن الله لا تلين لمن يدعي أنه ابنه أو حبيبه).

وأخيراً رحل الغزالي وخَلَّف وراءه تراثاً ضخماً هو -بحق – مدرسة مليئة بالكنوز والآلئ، وعلينا أن نستخرجها لعلها تضيء لنا الطريق، رحم الله الشيخ وأسكنه فسيح جناته، ونفعنا بعلمه .. اللّهم آمين آمين .

عن د. أحمد عبد المجيد مكي

wavatar
باحث في مقاصد الشريعة

شاهد أيضاً

7ashani-zageedi-5

الدعاة وعبادة التسبيح

* كل شيء يسبح بحمده: يسبح الكون لله تعالى تسبيح إقرار واعتراف بالإله الواحد المستحق …