الرئيسية / فكر ودعوة / “وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً”
m-kazar-almajali-18

“وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً”

حين قيل إن الكفر عِناد فهذا صحيح؛ حين يلغي الإنسان عقله تماماً، ويتبع أهواء أو عادات وتقاليد، أو يبقى على دين الآباء والأجداد، أو يشعر أن الجديد سوف يذهب بمجدٍ تم تحصيله، فكل هذا يضعه أحدنا معيقات حتى لا يتبع الحقيقة، ويحاول جاهدا تفنيد أمرها والتشويش عليها، ولكنها تبقى الحقيقة الناصعة.

كل نبي جاء برسالة من ربه وقد أيده الله تعالى بمعجزة لتكون دليلاً على صدقه. وهذا الرسول معروف في قومه في صدقه وأمانته، ولم يجربوا عليه ما يقدح في شخصيته، ومع هذا يؤيده الله تعالى بما يتحدى به قومه أن يأتوا بمثله، ويعجز هؤلاء. وهنا فلسفة المعجزة؛ أن هذا الشخص المعروف في قومه يأتي بشيء يعجز البقية عن الإتيان بمثله، فلا معنى لهذا إلا أن يكون مؤيَّداً من عند الله تعالى، وهنا يبقى منطق الأشياء أن يتبع القومُ نبيَّهم، فلا مجال للتردد فضلاً عن التكذيب، ولكن القوم يصرون على موقفهم المكذّب، بل يتجاوزون ذلك إلى التهديد والقتل والتهجير والتعذيب.

ولنا في قصة سحرة فرعون عبرة؛ فهم أهل الصنعة، وجاء بهم فرعون ليبطلوا سحر موسى عليه السلام (كما زعم)، وطلب السحرة الأجرَ من فرعون، وهذا دليل أنهم مستضعفون مسخَّرون عنده، ووعدهم بالأجر، بل بأن يكونوا من المقرَّبين. فألقوا حبالهم وعصيّهم، وسحروا أعين الناس واسترهبوهم، وجاؤوا بسحر عظيم. ثم ألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون. هنا أيقن السحرة أن ما جاء به موسى ليس سحراً، فالسحر خداع، ولكنها الحقيقة، فهو ثعبان حقيقي. وفي هذه اللحظة سجدوا لله تعالى، واعتذروا عن سابق عهدهم، وتوعّدهم فرعون بالقتل والتمثيل والصلب، فكان جوابهم الأصلب من ذلك أن اقض ما أنت قاض، إنما تقضي هذه الحياة الدنيا. فثباتهم رغم التهديد دليل على قوة حجة ما رأوا.

وفي أحد مواضع قصة موسى عليه السلام مع فرعون، جاء قول الله تعالى: “فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ” (النمل، الآيتان 13 و14). وهنا أكثر من وقفة مع النص.

أولاً: رد المنكرين على الآيات رغم وضوحها، بأنها سحر أو كذب أو أي شيء آخر، كما اتهمت قريش محمداً صلى الله عليه وسلم بالجنون والكذب والكهانة وغير ذلك. وهذه الآيات مبصرة واضحة قوية في حجتها ودلالتها على صدق الرسول، ومع ذلك يجحدها هؤلاء لغايات في أنفسهم. وكم من نبي كفر به قومه للسبب ذاته، وكم من صاحب حجة لا يُسمع له ولو لم يكن نبياً، فقط لمجرد أنه شخص عادي، حين يسير الناس مع أهوائهم وطواغيتهم، ولا تهمهم حجة ولا حق، وهنا تضيع الحقائق والبينات وأسباب السعادة، حين يكون الهوى والتكبّر والضلال.

ثانياً: إن من أهم أسباب الجحود هذا الظلم والعلو. والظلم وضع الشيء في غير مكانه، أحكاماً كانت أم مواقف، فكان الأجدر بهم هنا وقد رأوا الآيات أن يتبعوا الحق كما فعل السحرة، ولكنهم بقوا على موقفهم، ثباتاً على الباطل، وهذا مذموم. فالممدوح هو الثبات على الحق لا الباطل، فظلموا أنفسهم حين قادوها إلى الهلاك مع هذا العناد. وسبب آخر لعتوّهم هو العلو الذي يقصد به هنا الكبر؛ فقد تكبّر هؤلاء على الحق الماثل أمامهم، لأي سبب من الأسباب. فالتكبر ينفخ صاحبه ليستصغر الآخرين ويسفّه شأنهم ورأيهم وحالهم. ولا يمكن أن يكون التكبر بمحضر العقل والمنطق، فهما مغيَّبان، ولا يحركه في حينها إلا شعور العظمة هذا واستصغار شأن الآخرين ولو كانوا صادقين.

ثالثاً: أنهم مفسِدون. ولا يكون أحدنا مفسداً إلا أن يكون فاسداً ابتداء؛ رضي لنفسه أن يسير في ركب الفساد ويطيع المفسدين، فيترقى بعد حين ليصبح مفسداً. وهذه البيئة من الفساد عموماً خطرة لا تسمح للحق أن يظهر، فهي تحاول طمسه والتشويش عليه وتشويهه، وبالتالي لا تسمح بنهضة المجتمعات، ولا بالإصلاح ولا حتى بالنصيحة، فالقوم المفسِدون يستشعرون قلة شأن الآخرين الذين لو سُمح لهم بالنصح والإصلاح فربما يأتون على مجد هؤلاء المفسدين، فتضيع مكتسباتهم التي نالوها بالظلم والباطل.

رابعاً: حين يلغي الإنسان عقله وإنسانيته، فهي كارثة حقيقية. وحين يتأخر عن نصح وغيْرة على وطنه ومجتمعه فهو سلبي راض بالدون. وهذا بحد ذاته يسمح للطغيان والفساد والظلم أن تنتشر، وكلها معيقات لتقدم المجتمعات.

خامساً: نفرّق بين من يتعنت في رأي شخصي ومن يتعنت في شأن مجتمع أو أمة. فعلى الصعيد الفردي ضرره محدود، ولكن المصيبة فيمن يمارس أخطاءه على مستوى المجتمع والوطن. وهذه كارثة يدفع الجميع ثمنها بسكوتهم وذلهم. نفرّق بين النصيحة والفضيحة، وبين نصح الحاكم وغيره، ولكن يبقى الشأن العام أن تكون الشعوب حيّة حرة.

والعجيب أن هذه السورة التي جاءت فيها الآيات (النمل) تحدثت عن سليمان عليه السلام وقدراته القيادية، وذكرت النمل وملكة سبأ، وهما نموذجان للقيادة الصالحة والحرص على الرعية، وذكرت ما يضيّع البلدان ويأتي بالهزيمة، ومنها هذا الفساد. ولذلك جاء عقب قصة سليمان حديث مختصر عن النفر من ثمود الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، ويبدو أنه فساد مادي عام. كما حديث مختصر عن قوم لوط، وأمرهم معروف في الفساد الأخلاقي، وبهما دمار المجتمعات.

وفي السورة التي تلي هذه وهي سورة القصص، جاء الحديث عن نموذجين للفساد آخرين، هما فساد الحاكم حيث طغيان فرعون، والفساد المالي حيث قصة قارون. وهذه المنظومة المتكاملة من الفساد بأنواعه تشكل مادة رئيسة لانهيار الأمم، بل كل واحد منها كفيل بتدمير المجتمع، فكيف إذا اجتمعت كلها أو بعضها؟! فحري بالجميع تفقد النفس والمجتمع، فلا ينبغي للفساد أن يستشري، ولا أن يُسكَت عنه، وهذا الذي يؤدي بالمجتمعات إلى الذل والطغيان والظلم والتخلف.

الغد الأردنية

عن أ. د. محمد خازر المجالي

wavatar
كاتب وأكاديمي وداعية إسلامي أردني

شاهد أيضاً

7ashani-zageedi-5

الدعاة وعبادة التسبيح

* كل شيء يسبح بحمده: يسبح الكون لله تعالى تسبيح إقرار واعتراف بالإله الواحد المستحق …