الرئيسية / فكر ودعوة / “اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة”
m-kazar-almajali-23

“اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة”

قليلة هي المواضع التي جمعت الصلاة مع تلاوة القرآن، منها هذه الآية من سورة العنكبوت: “اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون”، وأخرى في سورة فاطر، حيث جمعت معهما أيضاً الإنفاق في سبيل الله: “إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور، ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور”.

وهنا في سورة العنكبوت، حيث يذكر الله تعالى العنكبوت، وسياق ورودها حيث الولاء وما ينبغي بشأنه، أن يكون لله تعالى، فقال سبحانه: “مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون”، ومن هنا يمكننا القول إن ارتباط السورة باسمها واضح، فبيت العنكبوت أوهن البيوت، ومن لجأ لغير الله تعالى فكأنما لجأ لبيتٍ وهنٍ كبيت العنكبوت، لا يقدر على حماية ولا نصرة، فضلاً عن أن بنيانه المعنوي من أسوأ البنيان، فلا أمان فيه أبداً، ولا علاقات متينة بين أفراد العائلة.

ومن جهة أخرى، فقد ذكرت السورة الفتن من أولها: “أحسب الناس أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم، فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين”، وذكر الله تعالى في السورة بعض أنواع الفتن، وقد تحيط بالإنسان تماماً كبيت العنكبوت، منها ما هو من طبيعة الحياة، حيث مشيئة الله تعالى في أن يُخضِع عباده لبعض أنواع الفتن ليختبر إيمانهم، وتبيّن الآيات تقلّب أحوال الإنسان نتيجة لتردده وعدم يقينه، بل يسير حسب مصالحه الخاصة، فقص الله تعالى في السورة قصتي نوح وإبراهيم عليهما السلام، ومع قصة إبراهيم كانت قصة لوط عليه السلام مع قومه الذين خالفوا فطرة الله تعالى فحل بهم العذاب الأليم، وذكر الله جوانب مختصرة من قصص أقوام مدين وعاد وثمود وقارون وفرعون وهامان، والعامل المشترك بينهم جميعا هو جرأتهم على فعل المنكرات والإفساد في الأرض، فأخذ الله كلا بذنبه، وبعد هذا مباشرة يأتي الحديث عن الذين اتخذوا من دون الله أولياء، فقد اعتمدوا على من لا قوة له ولا حول، والأصل أن يُعبَد الله وحده.

في هذه الأجواء وهذا السياق يأتي قول الله تعالى: “اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة..”، ولعل موقعها بعد كل تلك الآيات ليعلمنا الله تعالى أن من آكد أسباب الثبات وحسن الصلة بالله تعالى والاعتصام به ومواجهة الفتن بأنواعها، والتوجّه بالولاء لمن يستحقه هو هذا الكتاب وهذه الصلاة، فمن شأن الكتاب أن يكون لتاليه زاداً روحياً وفكرياً على حد سواء، فيه الحياة الحقيقية والنور والهدى والفرقان والشفاء والبركة والرحمة، وهي أوصاف ذكرها الله نفسه عن القرآن.

ولا بد لتالي القرآن وصاحب القرآن الذي يقضي بعضاً من وقته معه أن تنعكس مثل هذه الأسماء والأوصاف القرآنية على تاليه، ومن هنا نفهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “إن لله أهلين من الناس، قيل من هم؟ قال: هم أهل القرآن، أهل الله وخاصته”، فالذي يلازم أي شيء يصبح صاحبه، فنقول أهل الصلاة وأهل الجهاد وهكذا، ونقول في المقابل أهل المنكرات وأهل الضلال وهكذا، وهنا في معرض هذا المدح فأهل القرآن الذين يعطونه وقتا يليق به، هؤلاء دون غيرهم هم أهل الله، بل خاصة أهل الله تعالى، لسبب بسيط أن القرآن كلام الله تعالى، ومن يعش مع القرآن فهو يعيش مع كلامه، وكلامه صفته، فكأنه يعيش مع الله تعالى، يناجيه ويتدبر كلامه ويخشع له.

ومع تلاوة القرآن ذكر الله تعالى الصلاة، فإقامة الصلاة بأدائها بشروطها والخشوع فيها هي معراج المؤمن، وهي صلته بالله تعالى، وهو يناجي الله تعالى ويستمد منه تعالى الثقة والقوة والاعتصام، ولن يترك الله تعالى العبد الذي لجأ إليه وشأنه، بل سيدافع عنه ويعصمه من كل ما يهدده ويفتنه، وصدق الله تعالى وهو يرد على إبليس: “إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين”، وقال: “إن الله يدافع عن الذين آمنوا، إن الله لا يحب كل خوّان كفور”، وقال: “ومن يعتصم بالله فقد هُدِي إلى صراط مستقيم”.

وذكر الله تعالى هنا أن من شأن الصلاة أن تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر، وهي حقيقة لا بد من فهمها وإدراكها، ومن لم يتذوق هذا الأمر فليراجع صلاته وعباداته، فالأصل في العبادات كلها أن تقرب العبد من الله تعالى، وأن تمنع صاحبها من كل ما يكرهه الله تعالى، وجاء ذكر الصلاة هنا على وجه التحديد باعتبارها عمود الدين أولاً، والفريضة الأكثر أداء، فهي في اليوم خمس مرات موزعة على النهار وجزء من الليل لغرض إدامة صلة العبد بربه تعالى، واستمداد العون منه، وبالتالي خشيته ومعرفته والأُنس به والثقة به تعالى، ومن كان هذا حاله مع الله تعالى في صلاته فهو بعيد عن كل ما يُغضِب وجه الله تعالى من فعل الفواحش والمنكرات، فلا يمكن بمنطق الأشياء أن أجمع بين ما يحبه الله تعالى وما يكرهه ويبغضه، وبالتالي فعندما أكون مع الله وفي كنف الله سبحانه أنتهي عن الفحشاء والمنكر.

هي دعوة لنا جميعاً أن نراجع أنفسنا وعباداتنا، وعلى وجه التحديد علاقتنا بالقرآن فلا نكون من الهاجرين له، وعلاقتنا بالصلاة أن نقيمها كما يحب الله تعالى، تصلنا به وتشرح صدورنا بالأنس به، لتكون لنا زاداً على الطريق، فذكْر الله أكبر من الدنيا وما فيها، والله يعلم ما نحن صانعون في هذه الحياة.

الغد الأردنية

عن أ. د. محمد خازر المجالي

wavatar
كاتب وأكاديمي وداعية إسلامي أردني

شاهد أيضاً

fares151

القيم العليا: مفهومها، وكيف نغرسها في نفوس أبنائنا

نذكّر أولاً بأن للتربية ثلاثة جوانب يكمّل بعضها بعضاً: 1- التربية العقلية والمعرفية 2- التربية …