الرئيسية / فكر ودعوة / شاب نشأ في عبادة الله
abd-ka7eel-58

شاب نشأ في عبادة الله

هو من الأصناف السبعة المتميزة، لكن ما معنى نشأته في العبادة؟ ما عليه الكثير اليوم هو التديّن الشكلي بالإضافة إلى التمسك بأركان الاسلام، وما أبعد هذا عن المعنى الأصيل للعبادة الذي يشير إلى القوة والحيوية ولإيجابية والنشاط الدؤوب لصناعة الحياة الدنيا التي تفضي حتماً إلى الحياة السعيدة في الآخرة.

الشاب المتديّن منشغل في زماننا بالجدال العقيم وهمُّه منصبٌ على الجزئيات والهوامش وما لا ينبني عليه عمل، هو في الغالب ليس متفوقاً في الدراسة بل من المفصولين من المدرسة قبل الباكلوريا، إذا عمل فإنه يجنح إلى الأعمال الصغيرة ، علموه ان هذه الدنيا كلها بدع ومحرمات ومنكرات فانكفأ على نفسه وحصر “طلب” العلم في الاكباب على مسائل العلمُ بها لا ينفع والجهلُ بها لا يضرّ، السواك والثوب وجلسة الاستراحة أهمّ عنده من الحرية والعدل وحقوق الانسان لأن شيوخه علموه أن هذه المفردات من ابتكار “الكفار” ولا علاقة للمسلم بها ، لذلك لا ينظم إلى جمعية خيرية ولا نادٍ ثقافي ولا نقابة عمالية فضلا عن الأحزاب السياسية لأن كل هذا لم يكن موجوداً زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، فتجمّدت حياتنا الاجتماعية وأصبح التدين مرادفاً للسلبية والانسحابية واللغو وسوء الخلق والسلوك، يعيش شاب متدين طول حياته ويموت وهو لم يقدم لدينه ولا مجتمعه أي إضافة نافعة، حتى عندما يتنادى المؤمنون بتنظيف المسجد أو الحي يفرّ ولا ينزل إلى هذا المستوى لأنه منشغل بمناقشة قضايا كبرى تتعلق بالمعتزلة والتداوي ببول الإبل وضلال الأغلبية الساحقة من المسلمين لأنهم ليسوا من الفرقة الناجية !!!

نشتكي من امتداد التنصير في افريقيا بل وفي ربوع الجزائر فأين الشباب المؤمن النشط المستعدّ لاقتحام الأدغال يحمل رسالة الاسلام ويحببها للناس ويتحمل في سبيل ذلك أنواعاً من المتاعب؟ – تحية خاصة لصديقنا الدكتور عبد الرحيم بن أحمد فقد فعل ذلك جزاه الله خيراً – أين من يفقه أن التدين هو التضحية بالوقت والجهد والمال في سبيل خدمة المحتاجين من مرضى وفقراء وأميّين ومظلومين وأنه ليس فقط عمارة المساجد فضلاً عن إطلاق اللحى وتقصير الثياب؟ وليس هو لعن الظلام فوق المنابر وإنما إيقاد ما استطاع من الشموع؟ شاهدتُ شريطاً حول نشاط المنصّرين في البلاد الإفريقية فرأيت فتاة فرنسية منهمكة في تبليغ رسالة المسيح للمسلمين وقد حلقت شعرها تماماً فسألوها عن سبب ذلك فأجابت أن لديها شعراً طويلاً تقصي وقتاً ثميناً في تسريحه كل صباح ففضلت حلقه لتوظيف ذلك الوقت في مهمتها… أيهما أدى وظيفته الدينية : هذه الفتاة أم أولئك الشباب الذين لا يتميزون إلا بالسلبية وسلاطة اللسان وقسوة القلب؟

كم تمنيت أن يكون لدينا فتيان وفتيات بأعداد كبيرة ، يتمسكون بدينهم وأخلاقهم من جهة ويقتحمون مجالان الحياة الدنيا من جهة ثانية، يقبلون على مخبر البحث إقبالهم على محراب الصلاة، ينشطون في خدمة المجتمع نشاطهم في قراءة الأوراد وصيام النوافل، فمن المؤسف حقاً أن يحشوا رؤوسهم بالحديث عن عذاب القبر (كأنهم لا يعرفون شيئاً عن نعيمه) ويتجنبون الاشتغال بفقه الحياة، فلماذا لا ينبري هؤلاء المتمسكون بالدين للتفوق العلمي ليكتشفوا أدوية للأمراض المنتشرة ويساهموا في تيسير حياة الناس بإنجازات علمية وتقنية كبيرة … وممّا يحزّ في الصدر أنهم تعلّموا من شيوخهم المترفين أن عليهم الاشتغال بالمستحبات لأن الله سخر لنا الغرب يبحث ويكتشف ويبدع وبالتالي سقطت عنا هذه الأشغال الشاقة !!! نحن نعبد الله وهم يخدموننا، وما دروا أننا عبيد حقيقيون عند هذا الغرب بسبب عجزنا وتخلفنا، وإمعاناً في إغلاق العقول والاستخفاف بالناس علّموهم السخرية من “الكفار” الذين اخترعوا المصباح الكهربائي والبنسيلين والكمبيوتر، لا يذكرونهم إلا باللعن والدعاء عليهم بالخلود في النار وكأنهم يتلذذون بتعذيبهم رغم انهم يعيشون في بركاتهم من المهد إلى اللحد.

لا بدّ من تصحيح المسار من أول نقطة ومرحلة ليعلم الشباب المغرر به أن الاسلام ليس تقليصيا كما يظنون بل هو حياة وإبداع وبحث في الكون والنفس للتمكين للحياة الطيبة التي يتحدث عنها القرآن، هذا أو سيبقون في ضياع وسعي إلى الخلف فيفرّ مزيد من المسلمين إلى الضفة الأخرى الزاخرة بما افتقدوه هنا، من الحرية والعدل إلى التقدم والرقي، وهناك يقولون لهم هذا ما فعلنا عندما طلّقنا الدين، فماذا فعلتم عندما تمسكتم به؟ وتلك هي الفتنة الكبرى، ومن قديم اشتكى الحكماء من قوة الفاجر وضعف التقي.

ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا.

wavatar

About عبد العزيز كحيل

كاتب متخصص في الفكر الإسلامي جزائري

عن عبد العزيز كحيل

wavatar
كاتب متخصص في الفكر الإسلامي جزائري

شاهد أيضاً

da7man337

النصر المستحيل في سورية

لا نصر محسوماً في سورية. لا طائرات بوتين تستطيع إنجاز هذه المهمة، ولا تراجعات أميركا …