الرئيسية / أقلام وآراء / كيف يمكن لروسيا تحمّل مسؤوليتها في سوريا؟
abd-badrakan-402

كيف يمكن لروسيا تحمّل مسؤوليتها في سوريا؟

في نهاية المطاف لا تسعى الولايات المتحدة وروسيا إلى صدام عسكري يُعرف كيف يبدأ ولا يُعرف كيف ينتهي. والأكيد أنهما لن تشتبكا في سوريا أو من أجلها. ربما تتبادلان ضربات غير مباشرة، وعبر المحاربين بالوكالة، في انتظار مَن منهما يتوجّع أولاً فيتنازل. وإذا كان الرئيس الروسي فهم شيئاً من الضربات الصاروخية لمطار الشعيرات في حمص فهو أن إدارته للأزمة السورية آيلة إلى فشل واضح، إذ حقق المكاسب التي ابتغاها، وبإمكانه أن يحافظ عليها، باعتراف الأميركيين وسواهم، لكن ليس بالطريقة التي اتّبعها في إفساد وقف إطلاق النار، ولا بالعقلية التي نظّم بها مؤتمرات أستانا، ولا بتلاعبه المستمر بمقوّمات الحل السياسي في مفاوضات جنيف.

كان ولا يزال بإمكان روسيا إنهاء الصراع المسلّح شرط أن تتوفّر لديها الإرادة، أما إبقاؤها الحرب مشتعلة لأنها تبحث عن مساومة لا تبدو الولايات المتحدة مهتمّة بها، فمن شأن ذلك أن يقودها إلى الغرق في المستنقع السوري. لا يمكن لأحد أن يصدّق أن الهجوم الكيماوي على خان شيخون حصل بقرار منفرد من بشار الأسد من دون علم الجانب الروسي وموافقته، ومن دون أن يكون نظامه معرّضاً لخطر سقوط وشيك. لم يعد هناك مجال لإخفاء شيء في بلد واقع تحت مجهر الأقمار الصناعية ومزدحم بالأجهزة والجواسيس من كل حدب وصوب. قد يكون صحيحاً قول فلاديمير بوتن إن إدارة دونالد ترامب استغلّت الهجوم الكيماوي لتغيير توجهها، لكنها قبل يومين من الهجوم أقرّت بأن الأسد موجود كـ «أمر واقع»، ولم تعد إزاحته من أولوياتها. الصحيح أيضاً أن بوتن بالغ في قبول استخدام السلاح الكيماوي، واعتباره مجرد تفصيل لا يستحق كل هذا الاهتمام.

كيف يمكن للأمم المتحدة، فضلاً عن الولايات المتحدة وسواها من الدول، بالأخص العربية، أن تساهم في إنهاء الأزمة السورية، طالما أن روسيا وإيران والنظام السوري مستفيدة من هذه الأزمة وترى مصلحتها في إطالتها. كلٌّ من هذه الأطراف يتصرّف غير معنيّ بأي حلٍّ لا يبقي على مصالح تحصّل عليها بالحرب ويريد لها ضمانات مستقبلية. لكن ما العمل حين تتضارب هذه المصالح؟ فعلى سبيل المثال، حوّل النظام وإيران الجيش السوري إلى ميليشيات تتقاسم المناطق والسرقات والخوّات، فيما ركّزت روسيا على إعادة تنظيم الجيش وتوحيد قيادته من أن تحرز النتيجة المتوخّاة. مثال آخر: إيران مهتمّة بشراء الأراضي والعقارات لتثبيت التغيير الديموغرافي، والنظام مهتمّ بعدم تسهيل عودة النازحين، أما روسيا فتواصل العمل على الإمساك بمفاصل الدولة من دون أن تتنبّه إلى الانعكاسات السلبية لممارسات النظام وإيران على أي حل سياسي.

إذا كانت هيئات الإغاثة الأممية تخضع لابتزازات روسية وإيرانية وأسدية لقاء كل رغيف خبز وحبة دواء وجرعة حليب للأطفال تحاول إيصالها إلى السوريين المحاصرين، وإذا كانت روسيا وإيران تضمنان وقف النار، وتضمنان بل تشاركان في انتهاكه، وإذا كانتا تحميان جرائم النظام (وتشاركان فيها) وترفضان تحمّل أي مسؤولية عنها… فكيف يمكن والحال هذه أن يتعامل المجتمع الدولي مع الوضع السوري؟ البداية تكون، بالنسبة إلى إدارة ترمب، أن تثبت روسيا أنها دولة كبرى وموجودة في سوريا لتسوية الأزمة لا لتأجيجها، وأن تُلزم نظام الأسد بوقف إطلاق النار والانخراط في المفاوضات بأطروحات جدّية واقعية. قد تكون روسيا مستعدّة وقادرة على ذلك، لكنها تسأل أولاً عما تجنيه في المقابل.

العرب القطرية

عن عبد الوهاب بدرخان

wavatar
كاتب وصحفي ومحلل سياسي لبناني مقيم في لندن

شاهد أيضاً

7essen-abdelazeez-70

موقع الرقة في معادلة الصراع السوري

لا شك أن هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في الرقة تشكل تحولاً مهماً على صعيد موازين …