الرئيسية / فكر ودعوة / “ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة”
m-kazar-almajali-21

“ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة”

منطق الأشياء أن من أراد فعل شيء فلا بد أن يهيئ له الأسباب ويستعد له، وهذا معروف في ديننا بالأخذ بالأسباب، ولذلك جعل الله في كونه سننا تجري وفقها الأمور، مشفوعة بعنايته وإرادته وحكمته سبحانه، فللنصر سنته وكذا الرزق والسعي والنجاح وهكذا، فلا يمكن لأحدنا أن يجلس ويتقوقع على نفسه، ويريد أن تتحقق أمنياته!

هذا مرض عام عند كثيرين ممن يحسنون الظن بالله تعالى، ولكنهم يجهلون سننه تعالى، وإن استقراءً سريعاً في القرآن يبين لنا كم تكون رعاية الله وتأييده لعباده ونصره لهم، ولكن بعد أن يتحركوا ولو خطوة واحدة، ويتوكلوا عليه سبحانه. وما كان منه تعالى لبعض عباده من دون جهد منهم، فله حالته الخاصة المعجزة.

إنه الجهل الذي يلامس حالة من الكسل والخمول عند بعض الناس المؤمنين، فيؤدي بهم إلى أن يطلبوا دون أن يعملوا ويأخذوا بالأسباب، وربما يتطور الداء عندهم إلى شك في الله تعالى، وبالتالي إلى قنوط شديد، ومعه حالة من الإلحاد والإنكار لوجود الله تعالى، فهي عوامل ضعف إن اجتمعت وزينها الشيطان في نفوسنا تصبح كارثة حقيقية.

وصنف آخر يتلكأ في الأخذ بالأسباب –وهو عنوان المقالة- هم المنافقون، خاصة في مواضع الجد والخطر، فغاية سعيهم هو القول، وكانوا يطمئنون الرسول صلى الله عليه وسلم بالخروج في سبيل الله تعالى، وواقع حالهم أنهم لا ينوون ذلك، فلو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة، لَبان حالهم من الإعداد والتجهيز، ولكن النص القرآن يرد: “ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين، لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ولأوْضعوا خلالكم، يبغونكم الفتنة وفيكم سمّاعون لهم، والله عليم بالظالمين، لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلّبوا لك الأمور، حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون”.

هذه الآيات في سياق النفير العام الذي طلبه الله من المؤمنين: “انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون”، وبيّن الله تعالى قبلها عتابا للمؤمنين أن بعضهم يُستنفَر ولا ينفر، وإن لم ينفر هؤلاء نصرة للدين وللرسول صلى الله عليه وسلم، فقد نصره الله إذ هو في الغار وصاحبه، وهو يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا، والعجيب في هذه الآية أنها تتحدث عن هجرته صلى الله عليه وسلم، ولم تنزل الآية في ذلك الوقت تخبر عما كان من حديث بين أبي بكر رضي الله عنه والرسول صلى الله عليه وسلم، بل جاء نزولها في هذا الوقت حيث شدة مكر المنافقين وتصريح بعضهم بعبارات التكذيب والعداوة للرسول صلى الله عليه وسلم والاستهزاء به، فكانت الآية مخبرة صراحة أنكم إن أعرضتم عنه ظناً أنه سيهزم، فسينصره الله تعالى كما نصره وهو في الغار ثاني اثنين.

ويخبر النص أنه لو كانت المسافة بسيطة قريبة لاتبعوك يا محمد، ولكن بعدت عليهم المسافة وهي شاقة عليهم (إلى تبوك)، وحلفوا الأيمان أنهم لا يستطيعون الخروج، يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون. ولأن الرسول بشر لا يعلم الغيب فقد أذن لبعضهم في القعود عن الجهاد، وعاتبه الله تعالى على ذلك، وبين سبحانه أن الأصل عند المؤمن أن لا يستأذن بالقعود إلا إن كان من أصحاب الأعذار الحقيقية، وإلا فالجميع يقف نصرة للحق، والذين استأذنوا بدون عذر فضحهم القرآن، فهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وارتابت قلوبهم، فهم في ريبهم يترددون.

لو أراد هؤلاء (وأي صنف آخر يريد المجد ولا يأخذ بالأسباب) الخروج في سبيل الله لأعدوا العدة الصحيحة، لا مجرد الكلام، ولكن لأنهم ليسوا أهلا للنصر وحب الله، فثبّطهم، وقعدوا مع القاعدين حين كانت ميادين الشرف والبطولة، وهؤلاء -كما أخبرنا الله- لو خرجوا ما زادوا المؤمنين إلا ضعفاً ونكداً وفرقة، فهمّهم هو إشعال الفتنة بين المؤمنين، ويكشف النص عن حقيقة مرّة وهي أن بعض المؤمنين يسمع لهؤلاء ويطيعهم ويقتنع بوساوسهم وأفكارهم الدنيئة، والله عليم بالظالمين، وهذا تهديد منه تعالى أن يثق الناس به تعالى، ولا يعوّلوا على هؤلاء وحججهم وادعاءاتهم وأساليبهم. وأخيراً يخبرنا الله تعالى عن حقيقة ما يريده المنافقون، فقد ابتغوا الفتنة، وقلّبوا الأمور ودبروها كي يتخلصوا من الرسول صلى الله عليه وسلم ودعوته، فليس الأمر مجرد كسل وضعف ووهن، بل أعظم من ذلك، فهم يلتقون مع أئمة الكفر وبالذات اليهود، ويمكرون معا للنبي ودعوته، ولكن فات هؤلاء أن الله عليم بذات الصدور، فقد جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون له، ونصر الله رسوله في تبوك بالرعب، واستقر أمر الرسول صلى الله عليه وسلم في الجزيرة كلها، وكان عام الوفود ودخول الناس في دين الله أفواجاً.

لقد تبين الحق وانجلى الأمر، ووعد الله تعالى حق لا يمكن أن يتخلف، ومن هذا مثلاً نصر المؤمنين، فالله تعالى بصريح العبارة يقول: “ولينصرنّ الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز”، وهو تحدٍ لنا معشر المسلمين أن نسأل أنفسنا سؤالاً واضحاً: هل نصرنا الله لينصرنا؟ هل نصرنا منهجه وسرنا على صراطه وأعددنا العدة من أجل ذلك كي ينصرنا الله تعالى؟!

الأمنيات جميلة كثيرة، ولكن لا نشغل أنفسنا في حدود الأحلام والأمنيات، فلا بد من العمل مع الأمل، فكم تغنى العرب بإعادة فلسطين –مثلاً- ولكن دون إعداد حقيقي، بل رأينا الإعداد السلبي تجهيلاً وإلهاء وإضعافاً للشعور الديني والوطني، فهل ترجع فلسطين بالكلام والتهديد والوعيد؟ أم ترجع بأنواع اللهو الذي خدّر قطاعات كبيرة من شباب الأمة، وأضاع هويتهم وأضعف شعور الانتماء عندهم؟ بل تكاد الإرادة الحقيقية تموت على مختلف المستويات، لنكون مجرد شعوب تلهو ولا تعرف بوصلة العزة والنصر.

عن أ. د. محمد خازر المجالي

wavatar
كاتب وأكاديمي وداعية إسلامي أردني

شاهد أيضاً

kameess-alnnaqeeb-37

نسمات إيمانية رمضانية (1).. حفاوة الاستقبال

ضيف كريم طالت غيبته، وافد عزيز أوشكت عودته، زائر رحيم حلت زيارته، فإن لكل غائب …