الرئيسية / فكر ودعوة / “يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا”
m-kazar-almajali-22

“يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا”

هي دنيا، يعيش أحدنا فيها ما شاء الله له أن يعيش، وبعدها حتمية الموت وحتمية البعث بعد الموت، وأحداث الآخرة التي تتبع ذلك من حشر وحساب وميزان وتطاير الصحف والصراط والاستقرار، في جنة أو نار. دنيا نلهو بها كثيراً عن الجادة، وما ينبغي أن نشغل به أوقاتنا وحياتنا فندخره لآخرة هي حتماً قادمة، وقد ذكر الله سبحانه حالتي اللهو واللعب عدة مرات في كتابه الكريم، حين يتخذهما أحدنا منهجاً في حياته، ويبتعد عن الهدف الواضح من خلقه، ألا وهو عبادة الله وحده: “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”، فما خلقنا الله عبثا: “أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون؟”، فالعبثية مستحيلة عليه يسبحانه.

تستلزم الحياة الجادة، لا اللاهية ولا اللاعبة، أن يتفقد أحدنا نفسه ويراجع أمره، فالله سبحانه لم يكلفنا فوق طاقتنا، وجعل الدين يسراً، وشرّع كل ما ينظم حياته وعلاقاته ليكون إيجابياً معطاءً في دنياه، وفي جنة عالية في الآخرة. فما على الإنسان أكثر من أن ينظم أموره ويراعي ترتيبها ويعطي كل شيء حقه، فهي السعادة الحقيقية حيث الطمأنينة والرضى عن الله سبحانه.

وفي هذه الآية العظيمة حيث يذكر الله أحد مواقف الندم التي يستشعرها أحدنا يوم القيامة، فيقول سبحانه: “ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً. يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلاً. لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني، وكان الشيطان للإنسان خذولا. وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً”.

هنا يذكر الله بعض أسباب الضلال التي تؤدي بأحدنا إلى الندم يوم القيامة، فهو لم يسر على منهج الرسول صلى الله عليه وسلم، بل اتخذ أشخاصا ليكونوا له قدوة فصاحَبهم وسار وفق توجيههم، وهم أضلوه عن الذكر بعد إذ جاءه، ولا ننسى غواية الشيطان فجهده مستمر في إغواء الذين لم يتمسّكوا بالهدى، حين هجروا القرآن وأحكامه وتوجيهاته، هذا الروح والنور والهدى.

يتنكّب أحدنا سبيل الرسول الذي هو الإسلام، فلا يعنيه أو ربما يخلط أحكامه مع غيره، وربما يتكبّر على أحكامه أو يشك فيها وفي قدرتها على توجيه الحياة، فيضل ويضلل غيره، هذا الدين الذي أكمله الله وأتم به النعمة ورضيه لنا. والعجيب أن البديل الذي يتبعه أحدنا هو من صنع البشر القاصر، فيترك ما هو من توجيه الله تعالى، ويتبع ما ينتجه البشر.

وسبب آخر ربما يلتقي مع السابق أو هو سببه أن أحدنا يصاحب من هم بعيدون عن الله تعالى، والصاحب ساحب، ولا بد لأحدنا صغيراً أو كبيراً، أن يتأثر بهذه الصحبة، فيضله ويذهب به بعيداً عن سبيل الرسول صلى الله عليه وسلم، وعن الذكر الذي هو القرآن الذي جاءه، ويعلم بأنه الشيطان الذي أغواه وأغراه.

وهنا لا بد من وقفة، فالشيطان لا يملك إلا الإغواء والوسوسة فقط، وإلا فالقابلية للضلال موجودة في الشخص أسهمت عوامل عديدة في إظهارها وطغيانها على شخصيته، وهي مرتبطة بالاقتراب أو الابتعاد عن منهج الله تعالى، فأحدنا ينبغي أن يقترب من الأشخاص الذين يذكّرونه بالله، وينصحونه ويوجهونه، وكذا أن يتمسك بالقرآن والمسجد وشعائر الإسلام عموماً، فهي زاده في هذا الطريق وهذه الدنيا.

لقد اتخذ قوم الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن مهجوراً، وكأنهم كرّسوا حياتهم لهجر القرآن والتنفير منه والتشكيك به، ومن المسلمين من يهجر القرآن ولا علاقة له به، اللهم إلا في رمضان أو الجمعة، وهذا قد يكون من أسباب الغواية والضلالة، فالقرآن حياتنا الحقيقية ونورنا وهدانا وفرقاننا وشرفنا وشفاؤنا وبركتنا.

أعجب كل العجب من مسلمين لا تربطهم بالقرآن رابطة، كيف يترك كلام الله العظيم بآثاره وفضائله وتشريعاته، ويرضى لنفسه وروحه هذا الجفاف والجفاء، ويريد بعد ذلك النجاة!!

الأمة محتاجة وعياً وفهماً والتزاماً، كي ننجو أفراداً ومجتمعات، والمجتمع القوي الإيجابي المعطاء هو الذي إنسانه يعرف طريقه وحقوقه ويحب أن يترك آثاراً طيبة في دنياه، لا أن يكون عالة على مجتمعه وأمته.

الغد الأردنية

عن أ. د. محمد خازر المجالي

wavatar
كاتب وأكاديمي وداعية إسلامي أردني

شاهد أيضاً

abu-hassan-aldhahir-4

جماعة الإخوان المسلمين في سورية تنعى الأخ أبو حسان الضاهر

بمزيد من الرضا والتسليم لقضاء الله وقدره، تنعى جماعة الإخوان المسلمين في سورية الأخ عبد …