kameess-alnnaqeeb-33
الرئيسية / فكر ودعوة / إضاءات قبل شهر الرحمات (2)

إضاءات قبل شهر الرحمات (2)

* الأدب مع الله …

الله تعالى هو الخالق الرازق، المعز المذل، الغالب القاهر، المحي المميت، لذلك وجب على الإنسان أن يتأدب مع ربه، قوياً أو ضعيفاً، غنياً أو فقيراً، حاكماً أو محكوماً …

يتأدب المخلوق مع خالقه، والمرزوق مع رازقه، والعبد مع سيده، والحبيب مع حبيبه، إنه درس عظيم في التأدب مع الله “قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ”  البقرة

بدون طلب، بدون اقتراح، بدون إلحاح..!! أيقترح على ربه..! أيغير في الدين..!! كلا..! لذلك كانت الإجابة على وجه السرعة له ولأمته.. ” فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ”  البقرة

ياله من درس عظيم، وسلوك قويم، ينبثق عن تحويل القبلة، التأدب مع الله، في الدعاء، في الرجاء، في كيفية الطلب من السماء ..!!

فما بال الذين يغيرون الشرائع، ويحرفون الشعائر، ويتحايلون على الدين، يعطلون الحدود، ويأكلون العهود…كيف إذا وقفوا أمام الله؟!

طريق موصول بين الأنبياء والمرسلين والدعاة. الأدب مع الله رب العالمين:

* في المرض:

يتأدب الصابر الأواب مع ربه، فلا يتذمر، ولا يضجر ولا يشكو إلى مخلوق، أيوب عليه السلام: “وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ” الأنبياء، فكانت النتيجة ” فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ” الأنبياء

وإبراهيم الخليل عليه السلام: “الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ* وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ” الشعراء

تأدباً مع ربه لم يقل: وإذا أمرضني، إنما قال: “وَإِذَا مَرِضْتُ”: كأن سبب المرض يأتي من الإنسان لا من رب الإنسان، القرآن الكريم يشير إلى أن أصل المرض من صنع الإنسان، كيف؟ “مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ”  الملك

إتقانٌ ما بعده إتقان، ودقةٌ ما بعدها دقّة، وإحكامٌ ما بعده إحكام.

* في الاضطهاد:

موسى عليه السلام: مطارد ومجهد ومهدد ومع ذلك لربه يتودد “فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ” القصص، فكانت النتيجة “وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي” طه

* في الابتلاء:

من أقرب الأقربين، وضع في الجب، واتهم في شرفه، وبيع بثمن بخس دراهم معدودة لكنه تأدب مع ربه، يوسف عليه السلام: “رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ” يوسف.، فكانت النتيجة ” وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ” يوسف

* في التفكر والتدبر والمعاملة مع مخلوقات الله:

ها هو سليمان عليه السلام يحاور نملة ويبتسم من قولها: “فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ” النمل، كانت النتيجة مع مزيد من التواضع لله والأدب معه “قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ” النمل، كانت في حياته آيات: الطير تخدمه والريح تحمله، والجن تغوص له في الأرض تستخرج له من الكنوز ما يشاء، وتبني له من الصروح ما يريد، وكان مماته أيضاً آية  ” فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتْ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ” سبأ.

* الثبات أمام جدال قومه وطلباتهم التي لاتنتهي:

عيسي عليه السلام:  “وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ” المائدة،  كانت النتيجة “إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا” آل عمران.

* الخليل إبراهيم عليه السلام يتعرض للنيران: 

في الأثر: يوضع في النار، فيأتيه آتٍ هل لك حاجة؟ فيرد: “كيف احتاج إليك وأنسى الذي أرسلك إليَّ، علمه بحالي غني عن سؤالي”..الرد والنتيجة “قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ” وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ” البقرة

ثم يأتي الصادق الأمين فيتعرض لكل ماتعرض له الأنبياء عليهم السلام، كان يوعك كما يوعك الرجلين، وكان يربط على بطنه حجرين، وكان يتعرض لايذاء قومه، جحود وعناد وتكذيب وسخرية وسفه، حتى تعرض للاغتيال مرات، ولحق بالرفيق الأعلى متأثراً بالشاة المسمومة التي وضعتها له اليهودية، إلا أن محمد، صلى الله عليه وسلم كان متأدباً مع ربه في كل أحواله “اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقله حيلتي وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، لك العتبي حتى ترضى ولك العتبى إذا رضيت ولا حول ولا قوة إلا بك” يتجرد  من حوله وقوته إلى حول الله وقوته .. في الشدة والرخاء، في السعادة والشقاء، في الصباح والمساء، وهنا لايقترح ولا يطلب وإنما يقلب وجهه في السماء “قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ” فكانت النتيجة  “فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ” البقرة.

هذا طريق الأنبياء والمرسلين، وهذا سبيل المؤمنين، وهذا مسلك الصالحين إلى يوم الدين، الأدب مع الله رب العالمين التودد إليه، والتعلق بحبله المتين.

في حرم الله يتأدب زائره مع الله، فلا يقطع شجره ولا يروع طيره ولايقتل صيده ولا يسب من حضره ولا يلحد فيه بظلم “ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم” الحج .

كذلك قبل شهر الرحمات، ما أجمل التأدب مع رب الأرض والسموات، فالتأدب مع الله به تستقيم الجباة، وتحلو الحياة، وتحصل النجاة ..

إضاءات أخرى على طريق الحق بعد تحويل القبلة ليلة النصف من شعبان وقبل هلال شهر الرحمات وسوق الحسنات …

اللهم بلغنا رمضان وشفع فينا الصيام والقرأن واجعل ولوجنا من باب الريان …!!

عن خميس النقيب

wavatar
كاتب وداعية إسلامي مصري

شاهد أيضاً

kameess-alnnaqeeb-37

نسمات إيمانية رمضانية (1).. حفاوة الاستقبال

ضيف كريم طالت غيبته، وافد عزيز أوشكت عودته، زائر رحيم حلت زيارته، فإن لكل غائب …