kameess-alnnaqeeb-36
الرئيسية / فكر ودعوة / استقبلوا شهر رمضان بالتوبة والإحسان

استقبلوا شهر رمضان بالتوبة والإحسان

بعد أيام قلائل يأتينا رمضان حيث سوق الحسنات، ومعرض النفحات، ومتجر الطاعات ..!!

بعد أوقات وجيزة يأتينا رمضان حيث القرآن والصيام والإفطار والتراويح والتهجد والسحور ..!!

بعد ساعات يأتينا شهر رمضان الذي أنزل فيه القران هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ..!!

بعد ليال سرعان ما تنقضي يأتينا شهر رمضان بكراماته وحسناته، برحماته ونفحاته، نفحة بعد نفحة ورحمة بعد رحمة وفرصة بعد فرصة، وفرحة بعد فرحة تذكرنا بالله إذا نسينا، وتدفعنا إلى الحق إذا فترنا، وتأخذنا إلى الطهر والنقاء إذا تلوثنا، فإذا أردت التطهر والتألق، وإذا رغبت السمو والعلو، وإذا أحببت الإنطلاق والاشراق فلبي النداء وتضرع بالإستغفار والدعاء، وناجي رب الأرض والسماء “ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون *  أياماً معدودات فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيراً فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون” البقرة

ذلكم خير لكم، الخير عند الله، والخير فيما اختاره الله، والخير فيما قدره الله، خطاب  للمؤمنين من هذه الأمة وآمراً لهم بالصيام، وهو: الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع بنية خالصة لله عز وجل، لما فيه من زكاة النفس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة وجواذب الأرض …!!

خطاب للمؤمنين بأن يجمعوا أمرهم ويشحذوا هممهم، ويحددوا أهدافهم، ويجددوا نياتهم، ويخلصوا غاياتهم.

خطاب للمؤمنين بهذا النداء المحبب إلى قلوبهم “ياأيها الذين آمنوا” فلنرعها سمعنا ونفتح لها قلوبنا،  ونرح بها أرواحنا، فتصوم الصوم المقبول: تصوم اليد عن البطش والنهب وتكن ممراً لعطاء الله، وتصوم القدم عن السير في الحرام وتسير إلى بيوت الله والإصلاح بين الناس ومساعدت المكلومين والمحتاجين، وتصوم العين عن النظر إلى الحرام وتتأمل فيما خلق الله من شئ وتنظر في كتاب الله، وتصوم البطن عن أكل الحلال في نهار رمضان لتصوم عن الأكل الحرام في رمضان وغير رمضان، ويصوم اللسان عن الغيبة والنميمة فضلاً عن الكذب والنفاق ويتلو كتاب ربه ولا ينطق إلا بالحق، ويصوم الفرج عن الحلال في نهار رمضان ليصوم عن الحرام في رمضان وغير رمضان.

ثم فرحة صلاة التروايح: لقد دعانا الله تعالى إلى لقاءه واستضافنا في بيوته، وشرفنا بالمثول بين يديه، تتصافح أيدينا فتتصافح قلوبنا، تلتقي وجوهنا فتلتقي آمالنا، تستقيم صفوفنا فتستقيم أخلاقنا، تتوحد قبلتنا فتتوحد في دنيا الناس غايتنا، هكذا الإسلام جماله وكماله،عظمته وعزته، منزلته ومكانته، تألقه وإشراقه شاء من شاء وأبى من أبى  …!!

المؤمن يشعر:  بندَمٍ على اقتراف الذنب والشعور بلَدغه وكيِّه وحصاره، والندم هو بيت القصيد، وحجر الزاوية، ورمانة المسزان في التوبة، فمَن لَم يَشعر به حسرة تَغمره، وناراً تتأجَّج في قلبه، فليس بتائب – وإن ادَّعى.

متى كان العبد دائم الصلة بربه: فقد أصبح أكثر خشية له من سواه، وأكثر حرصاً على طاعته، وأشد بعداً عن مخالفته، فإذا ما خدعه الشيطان، فأقدم على ارتكاب إثم، تذكر أنه بعد ساعة أو ساعتين سيقف بين يدي ربه، الذي يعلم السر وأخفى، فيستحي أن يقف بين يديه وهو آثم، فيستغفر من ذنبه، ويعود إلى ربه ويقال من عثرته وينهض من كبوته  كيف؟

 “إنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ” الأعراف ..ثم تكون النتيجة أن يتطهر من ذنبه “إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ” العنكبوت.

وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء قالوا لا يبقى من درنه شيء قال فكذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا … أيها الراغبون في التوبة، أيها المشتاقون إلى الأَوْبة، أبْشروا، أتاكم شهرُ الغُفران المُرتجى، والعطاء والرضا، والرأفة والرحمة، أتاكم شهر الصفح الجميل، والعفو الجليل، والعتق الأصيل، والأجر الكثير، أتاكم شهر النَّفحات والرحمات وإقالة العثرات، وتكفير السيِّئات، فليكُن شهركم بداية مولدكم ومؤشر رجوعكم، وإشراق صُبحكم وتَباشير فجركم، وأساس توْبَتكم، هَلُمُّوا إلى ربكم، فباب التوبة مفتوح، وعطاء ربِّكم ممنوح  …..!!

التوبة: حصن أمين وملاذ مَكين، ومَلجأ حصين، دَنَسُ المعاصي يُغسَل بماء التوبة، وزكام الآثام يُشفى بروائح الأوبة، ورائحة الخطايا تُزال بزُلال الاستغفار، والتوبة هروب من العِصيان إلى الأُنس بالرحمن، تحول من السيِّئات إلى الحسنات، إنها لجوء للرازق على أبوابه وفِرار من الخالق إلى أعتابه، وهروب من الجبَّار إلى رحابه ..

هذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ  .[ متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ].

التوبة لها شروط ثلاثة إذا كانت بينك وبين الله تعالى، الاقلاع عن الذنب، والندم على فعله، وعدم العود إليه مرة أخرى، أما إذا كانت التوبة بينك وبين العباد، فيضاف شرط رابع وهو رد الحقوق لأصحابها أولاً سواء مادية بالأداء أو معنوية بطلب العفو..!!

وللأمانة هناك ذنب يغفر ما كان بينك وبين الله، وهناك ذنب معلق لا يغفر ما كان بينك وبين العباد إلاّ بآداء حقوق العباد، لأن حقوق الله مبنية على المسامحة وحقوق العباد مبنية على المشاححة، وهناك ذنب لا يغفر أصلاً وهو الشرك بالله، الشرك الخفي خطير جداً، قال تعالى: “وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ” يوسف.

انتهز الفرصة لو أظلك شهر رمضان، فهو  شهر طاعة، شهر قرب، شهر استغفار، شهر عتق من النار،  شهر قرآن، شهر إنفاق، شهر قيام ليل، شهر صلاة الفجر في المسجد، (من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي، ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح). [ أحمد]  قال الإمام الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ: العبادات معللة بمصالح الخلق.

التوبة: افتقار إلى الله وانكسارٌ، وعود عن الذنب واعتذار، واستغفار إلى الله  في السحر والناس نيام، وتذلُّل بين يديه وخضوع، وإقلاع عن الذنب ورجوع، وعَزْم وعهْدٌ على الابتعاد عن المعاصي وأسبابها ومسبباتها، وعدم مصاحبة مُقترفيها أو ولوج أمكنتها فيما هو قادم، ورَدٌّ للمظالِم والحقوق المُغتصبة بغير حقٍّ إلى أصحابها.

وهذا  نداء الله -عزَّ وجلَّ- المتلطِّف لعباده المتحبب إليهم ألاَّ يَقنطوا من رحمته، أو يَيْئَسوا من مَغفرته؛ “قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ” الزمر .

 وما أجْمَل التصوير النبوي: لفرحة الله – عزَّ وجلَّ – بتوبة عبده، قال النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – من حديث ابن مسعود – رضي الله عنه -: لله أشدُّ فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرضٍ فَلاة، فانفَلَتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأَيِس منها، فأتى شجرة، فاضطجَع في ظلِّها وقد أَيِس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخَذ بخُطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربُّك، أخطأ من شدة الفرح… رواه مسلم… فيا له من فضْلٍ عظيم، وعطاءٍ جسيم من ربٍّ كريم، وخالق رحيم، أكرَمنا بعفوه، وغشَّانا بحِلمه ومغفرته، وجلَّلنا بسِتره، وفتَح لنا باب توبته …

احسنوا إلى أنفسكم بردها إلى الرحمن وعتقها من النيران، واحسنوا إلى الناس بالرفق بهم والدعاء له والصبر عليهم، وأحسنوا إلى شهركم بصيامه إيماناً واحتساباً، وقيامه إيماناً واحتساباً، وأحسنوا إلى ربكم بالإخلاص في طاعته، بالتوجه إليه والتوكل عليه والاستعانة به وطلب العون منه  فهو تعالى نعم المولي ونعم النصير ..

“إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون” النحل .

اللهم بلغنا رمضان، اللهم وفقنا لصيامه وقيامه وامنحنا أجره، اللهم سلمنا رمضان وتسلمه منا متقبلاً ….

عن خميس النقيب

wavatar
كاتب وداعية إسلامي مصري

شاهد أيضاً

m-kazar-almajali-55

“كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فساداً”

لا ينبغي للمسلم أن يجامل على حساب الحقائق القرآنية، ولو كان الواقع –فيما يبدو- معاكساً …