ebraheem-terkawi-33
الرئيسية / فكر ودعوة / صوم رمضان .. “قوة الإرادة”

صوم رمضان .. “قوة الإرادة”

بعد أن تناولنا آيات الصيام – في المقال السابق – من زاوية الغاية “التقوى” والوسيلة الموصلة إليها “الصيام” نجيل النظر فيها – مرة أخري – لنتدبرها من زاوية جديدة، ألا وهي:” قوة الإرادة”.

فمن اتضحت له غايته من الصيام، واهتدى إلى طريقها، وهو يحمل مشعل الهداية بتدبر آي الفرقان، يلزمه أن يسعى إليها، بقوة الإرادة، وعزيمة الفتيان، مجتهداً، مشمراً، يقظاً، باذلاً غاية الجهد، مؤثراً مرضاة ربه على كل حظ للنفس، لينعم بخير هذا الشهر، ويجني ثمرة جهده عزاً وكرامةً في الدنيا، وفوزاً ونعيماً ورضواناً من الله في جنات النعيم.

هذا هو ثمن التقوى (سعي – إرادة صلبة – عزيمة فتية)، وتلك هي ثمرتها في الدنيا: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) الأعراف٩٦ (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) الطلاق ٢-٣ وفي الآخرة (لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ) آل عمران ١٥(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ..) الحجر ٤٥ (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ ..) الطور١٧(إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً..) النبأ ٣١، وغير ذلك كثير في كتاب الله..

وقد قيل: إن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه– سأل أبي بن كعب عن التقوى. فقال له: أما سلكت طريقاً ذا شوك؟ قال: بلى، قال: فما فعلت؟ قال: شمرت واجتهدت. قال: فذلك التقوى.

فالتقوى تحتاج إلى تشمير واجتهاد، أي إلى إرادة قوية، وعزيمة فتية.

ولن نجد ذلك في أسمي معانيه، وقمة غايته، إلا في مدرسة الصوم، التي يتربى فيها المسلم على تقوية الإرادة، ومقاومة الأهواء، والاستعلاء على الملذات وضرورات الجسد.

يتكرر ذلك نحو خمس عشر ساعة أو أكثر في كل يوم، وتسعة وعشرين يوماً أو ثلاثين في كل عام.

ترى هل توجد مدرسة – في دنيا الناس – كمدرسة الصيام، يتخرج منها المسلم وهو أصلب عوداً، وأقوى إرادة، وأشد عزيمة، يملك زمام نفسه ولاتملكه، ويقودها ولا تقوده، تالله هذا هو جوهر الجهاد في الإسلام (جهاد النفس) كما جاء في الحديث الصحيح: (المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله) جزء من حديث أحمد في المسند، 6/21، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، 1/11، قال الألباني في إسناد الإمام أحمد: “وهذا إسناد صحيح” انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة، 2/81، برقم 549 .

فميدان الانتصار الحقيقي، هو ميدان النفس كما قالوا: (ميدانك الأول نفسك، إذا قدرت عليها كنت على غيرها أقدر، وإذا عجزت عنها كنت عما سواها أعجز).

والمتأمل في قصص الأنبياء، وتاريخ الأمم – قديماً وحديثاً -، يجد صلابة الإرادة، وقوة العزيمة سر كل نجاح، ودعامة كل توفيق.

انظر إلى الخليل إبراهيم – عليه السلام – وقد وقف في الميدان وحيداً بمفرده، يجابه قومه، ويصدع بكلمة الحق، وهو الأعزل من كل سلاح إلا من إيمانه بالله ثم قوة إرادته، وشدة عزيمته. (قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ* فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ) الشعراء٧٥- ٧٦-٧٧

وانظر إلى سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، وإلى ثباته الراسخ، وإرادته الصلبة، وعزمه الأكيد في قوله:- وقد ساوموه على دعوته – (والله ياعم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله، أو أهلك دونه).

وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم ارتد العرب عن بكرة أبيهم، حتى فت ذلك في عضد البعض من الصحابة، وقالوا ياخليفة رسول الله، لا طاقة لك بحرب العرب جميعاً .. (الزم بيتك وأغلق بابك، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ..).فإذا بأبي بكر رضي الله عنه – وهو الرقيق اللين الرحيم – يزأر كالليث بإرادة قوية لا تعرف الضعف، وعزيمة فتية لاتعرف الوهن، ويصيح في وجه عمر: (أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام يابن الخطاب؟ .. والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه، ما استمسك السيف بيدي)!

ولو رحت أستقصي سر الإرادة في نجاح الأمم – أفراداً وجماعات – لتحول المقال لسفر كبير، ولكن حسبنا هنا أن نعرف أن الانتصارات الكبرى، والفتوحات العظيمة، والانجازات الكبيرة التي تحققت للمسلمين في رمضان – قديماً وحديثاً– وفي غير رمضان، ما كان لها أن تتم –بعد الله– إلا بصلابة الإرادة، وقوة العزيمة.

وشعوبنا لما أرادت الحياة الحرة الأبية الكريمة العزيزة كان لها ما أرادت، وخلعت أنظمة عتية تجذرت في الاستبداد، وتشعبت في الفساد – فلم يثنها منها وعيد، ولم يغرها إغراء، ولم تخدعها أماني كاذبة،.. بل بصلابة إرادتها، وقوة عزيمتها، تحقق لها على أرض الواقع ما لا يتوقعه الناس في عالم الأحلام، وضروب الخيال، وما زال يؤمل عليها الكثير والكثير، حتى تؤتي أكلها، وتكلل جهودها، بتطهير شامل، وبناء شامخ.. ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.!

ولذلك لا تتفاوت الشعوب في النجاح والتوفيق، وفي العزة والإباء، وفي التقدم والرخاء، إلا بقدر ما يملك أبناؤها من صلابة الإرادة، وقوة العزيمة، فتصبح إرادتها من إرادة الله، وقوتها من قوة الله، وهذا معنى قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ). الرعد ١١

إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر

ولا بد لليل أن ينجلـــــــي ولابــــــد للقيد أن ينكســـر

فبالصوم تقوى الإرادة، ومن قويت إرادته ملك نفسه، ومن ملك نفسه، ملك العالم..

قال أحدهم لبعض الشيوخ: أوصني. فقال له: كن ملكاً في الدنيا وملكاً في الآ خرة. فقال: وكيف؟ فقال: اقطع طمعك وشهوتك عن الدنيا تكن ملكاً في الدنيا والآخرة، فإن الملك في الحرية والاستغناء.

كل ذلك وغيره – مما نعلمه وما لا نعلمه – في قوله تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة١٨٣ .. وفي قوله تعالى (.. وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) البقرة ١٨٤

عن د. إبراهيم التركاوي

wavatar
باحث وأكاديمي ومفكر إسلامي مصري

شاهد أيضاً

ali-qardagi-48

النفاق من أخطر أمراض القلوب

إذا تدبرنا في كتاب الله تعالى، وفي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وفي سيرته …