abdullah-alssalamah-63
الرئيسية / فكر ودعوة / هل الحماقة شرط لازم، للحماسة .. في الدين ، أو في السياسة !؟

هل الحماقة شرط لازم، للحماسة .. في الدين ، أو في السياسة !؟

الصلة بين الحماقة والحماسة، في العمل العامّ، غامضة في كثير من الأحيان، لا تبدو معالمها إلاّ لمن يتأمّلها بعمق، وتكون لديه القدرة، على التأمّل الصحيح العميق! وأكثر ماتبدو للعيون: نتائجها، التي تكون، في أحيان كثيرة، كارثية مدمّرة!

وإذا كان حرف واحد في اللفظ (حرف السين في الحماسة، أو حرف القاف في الحماقة) يجعل المسافة بين الكلمتين، كالمسافة بين الأرض والقمر، من حيث ضرورة الحماسة للعمل العام، وخطورة الحماقة فيه، وعليه .. فإن التطبيق العملي على الأرض، يكشف عجائب تذهل الألباب، في كثير من الأحيان، على مدار التاريخ الإنساني، القديم والحديث! وهذه نماذج قليلة، نحسبها تعبّر، عمّا نرمي إليه:

1)  الحماسة:

أبو بصير: الشابّ الشجاع المتحمس، الذي جاء إلى النبيّ يعلن إسلامه، بعد أن تمّ توقيع صلح الحديبية، فسلّمه النبيّ إلى وفد قريش، الذي حضر من مكة لاستلامه، وذلك؛ التزاماً من النبي، بالشرط الوارد في المعاهدة، الذي ينصّ، على إعادة كل من يسلم من قريش، دون إذن أهله .. أبو يصير هذا، تغلّب على من كان معه من الحراس، جامعاً الذكاء والشجاعة .. وفرّ إلى مكان قصيّ حصين، يقع على طريق قوافل قريش .. فأذاقهم الويل، لكثرة ما كان يغير على قوافلهم، ويصادر من أمتعتها وأموالها! ولقد  قال عنه رسول الله: ويلمّه مِسعرَ حرب، لو كان معه رجال! وقد ضجّت قريش منه، ومن أنصاره الذين انحازوا إليه، لتشابُه أحوالهم.. فأرسلت وفدها إلى النبيّ، تناشده الله والرحم، أن يلغي من بنود المعاهدة، البند الذي يلزم المسلمين بردّ أبناء قريش، الذين يسلمون دون إذن أهليهم.. ذلك البند الذي أثار ألماً شديداً، في نفوس الصحابة، يوم توقيع المعاهدة، والذي دفع فتيان قريش، المؤمنين الجدد، إلى البحث عن منهج لهم، خاصّ بهم، يوجعون به أعداءهم، دون أن يحمّلوا المسلمين تبعات أعمالهم؛ فيعطي ذلك قريشاً، حجّة، للتشهير بالمسلمين؛ بأنهم ينقضون عهودهم ومواثيقهم!

2)  الحماقة:

نماذجها اليوم كثيرة جدّاً، وكلها ترتدي ثوب الحماسة، مع الأسف! وسنذكر بعض نماذجها، دون أن نسمّي أحداً:

*) مَن يُصرّ على رفع راية سامية نبيلة، فوق جرائم وحشية، لاتبيحها حتى شريعة الغاب – التي يَقتل فيها القويّ، من الضعاف، بقدر حاجته إلى الطعام-!  فيَقتل، تحت هذه الراية السامية: الطفلَ والمرأة، والمسنّ والعاجز.. انتقاماً من مجرمين يقتلون أهله، وذلك، بدلاً من رفع راية الانتقام – إن كان لابدّ فاعلاً – ضمن مبدأ المعاملة بالمثل .. وهو الأمر الذي يجعل انتقامه أشدّ ردعاً للمجرمين، وأكثر صوناً لحرمة الراية المقدّسة، التي تُرفع فتلوّث، ويشهّر الأعداءُ القتلة، بها وبأصحابها، ويعدّونهم جميعاً مجرمين، لأن (مبدأهم إجراميّ في الأصل!) .. فيكون الحمقى، بهذا، أشأمَ على أنفسهم ورايتهم، وأهلهم وبلادهم .. مِن بَراقش، التي جنت على أهلها، حين دلّت أعداءهم عليهم، ليلاً، بنباحها.. فأدركوهم فأبادوهم!

ومن الطريف، أن بعض هؤلاء المجرمين، يسمّي نفسه: أبا بصير!

(حين بدأت طائرات الألمان، تقصف لندن بالقنابل، في الحرب العالمية الثانية، تعامل الإنجيز مع الألمان، بالمثل ؛ فطفقوا يقصفون برلين، بالقنابل، عبر طائراتهم .. ومالامَ أحدٌ، بريطانيا، على هذا!).

*) مَن يتحمّس لشعارات زائفة برّاقة، ورايات خادعة مضلّلة .. ويغفل عمّا يفعله أصحاب هذه الشعارات، ورافعو هذه الرايات، على الأرض! وحين يلـفت أحدُهم نظرَه، إلى ممارسة أصحاب الشعارات والرايات، يغمض عينيه، ويصمّ أذنيه، ويتّهم مَن ينبّهه إلى مايجري على الأرض، بأنه: عميل للاستعمار، أو متخاذل جبان، أو متآمر مخرّب، أو جاهل أحمق ..أو غير ذلك، من الصفات المناسبة، لمزاج المتحمّس الأحمق ..!

وسبحان القائل: فإنّها لا تَعمى الأبصار ولكن تَعمى القلوبُ التي في الصدور.

عن عبدالله عيسى السلامة

wavatar
كاتب وشاعر وسياسي سوري

شاهد أيضاً

ali-qardagi-48

النفاق من أخطر أمراض القلوب

إذا تدبرنا في كتاب الله تعالى، وفي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وفي سيرته …