m-kazar-almajali-25
الرئيسية / فكر ودعوة / “وكان أبوهما صالحاً”

“وكان أبوهما صالحاً”

تفنن كثيرون وأبدعوا في شرحهم لسورة الكهف واستخراج دروسها وعبرها، بل بصنع خرائط ذهنية للفهم مرتبطة بها، وبغض النظر عن كثير من التفصيلات الواردة فيها، وهي التي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ندب قراءتها كل جمعة، فإنني أقف هنا عند هذا العنوان المهم الذي يبعث الأمل في النفوس، بشأن الأولاد وصلاحهم وسيرهم على الصراط المستقيم، ولعل هذا الهدف يتوق إليه كل أب عاقل، وكل عائلة ملتزمة، أن لا يشذ أحد من أفرادها ويجنح نحو الضلال.

وابتداء لا بد من تقرير حقيقة، أكدها الله سبحانه وتعالى من خلال قصص بعض أنبيائه، وهي إمكانية ضلال الأبناء أو أحدهم، وكذا الآباء أو الزوجات، فما قصة ابن نوح عليه اسلام ببعيدة، ولا آزر والد إبراهيم عليه السلام، ولا زوجتي نوح ولوط عليهما السلام، فقد قص القرآن هذا الأمر بصراحة، وبين حرص نوح على ابنه، وإبراهيم على أبيه، ولم يفصل النص القرآني بشأن زوجتي نوح ولوط، اللهم إلا أنهما خانتاهما: “ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما، فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً، وقيل ادخلا النار مع الداخلين”.

والعجيب ذلك المثل الذي ضربه الله للمؤمنين، فمقابل زوجتي نبيين، نلحظ النموذج المؤمن وهي امرأة فرعون الطاغية، فقال الله تعالى: “وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون، إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة، ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين. ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا، وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين”، وسبحان الله العظيم، زوجتا نبيين ضلتا، وزوجة طاغية اهتدت وثبتت وصبرت، وضربها الله مثلاً للمؤمنين عبر الزمان ليصبروا ويثبتوا على مبادئهم، ولو توعدهم أعداؤهم بكل سوء.

هي القلوب يقلبها الله كيف يشاء، وهو أمر الهداية والضلال، وهو سبحانه يعلم من عباده هذا الشيء، وفي الوقت نفسه فهو لم يجبرهم، بل بيّن المنهجين وأعطى الإنسان حرية الاختيار، ويحاسبه الله تعالى على اختياره، لا على علمه هو بهم، فالتكليف يقتضي أن يكون أحدنا مختاراً حراً، وقد أقام الله الحجة على الناس بإرسال الرسل وإنزال الكتب: “رسلاً مبشِّرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل”.

ولله تعالى حكم في ذكر هذه النماذج ووجودها، ففي النموذج السيئ كي لا يخرج أحدنا عن طوره وهو يدعو، فواجب أحدنا أن يدعو وينصح ويكون قدوة صالحة حسنة لمن يدعوه، والباقي على الله تعالى، وهذه الدعوة ينبغي أن تكون بشروطها من حيث الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، وأن تكون على بصيرة، وأن نخاطب الناس بما يعرفون، وعلى قدر عقولهم، ونتخوّلهم بالموعظة (باختيار الزمان المناسب والكلمات المناسبة)، وأن تكون النصيحة لا الفضيحة، ففي النصيحة حسن اختيار الكلمات، والرفق بالمدعو، وبسرية كاملة بينهما، بينما الفضيحة فيها العلانية، ويرافق ذلك غالباً شدة في الكلام وتعنيف، وربما يكون في ذلك إعانة للشيطان عليه.

وأيضاً فمن فوائدها أن لا نيأس ولا نحزن كثيراً، صحيح أننا نتألم لضلال ولد أو والد، ولكن ماذا أفعل في النهاية إن أصر أحدهما، وهنا نستذكر معاتبة الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم حين كان يتألم لعدم إسلام بعض الناس، فقال الله تعالى: “إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء”، وقال: “فلا تذهب نفسك عليهم حسرات”، وهكذا، فلا نحمّل الأمور أكثر من طاقتها، ووجود نماذج في بيوت النبوة يخفف على الناس هذا الأمر، ولكن لا بأن يتقاعسوا عن التبليغ والدعوة مرات ومرات، وتنويع الأساليب، كما فعل نوح عليه السلام، وقص الله علينا شأنه في هذه الفنون للدعوة، في سورة نوح.

وفي النموذج الإيجابي الشيء الأعجب، حين يخرج من بيت الكفر من يعبد الله ويصبر على طاعته، رغم الضلال الشائع والأجواء السلبية، حينها نستشعر فعلاً رحمة الله تعالى وقدرته، ولا نستهين بأي إنسان أن يكون على الحق وإن كان كل ما حوله يحثه على الكفر.

وعودة إلى عنوان المقال، فقصة الجدار في القرية، حين استطعم موسى والخضر أهلها فأبوا أن يضيفوهما، ووجدا جداراً يريد أن ينقض فأقامه الخضر، وهنا يستغرب موسى عليه السلام لم تقابل فعلهم السيئ بفعل جميل، فكانت هذه هي الثالثة التي بسببها تبين عدم صبر موسى عليه السلام على الخضر، وبدأ يقص عليه شأن السفينة التي خرقها، والغلام الذي قتله، والجدار الذي بناه، وهي أمور في ظاهرها شيء، بينما حقيقتها تنبئ عن شيء آخر، وهي دعوة أن ننتظر ولا نتسرع فنحكم على ظواهر الأشياء. وصحيح أن الخضر عقّب في النهاية بأن ما فعله لم يكن عن أمره، بل أخبره الله به، ولكننا نستلهم من النص عدم التسرع والنظر في بواطن الأمور قدر الإمكان.

وبين الخضر أن الجدار كان لغلامين يتيمين، وكان تحته كنز لهما، وكان أبوهما صالحا، فلصلاح أبيهما حفظ الله جدارهما وما تحته من كنز حتى يكبر الغلامان ويستخرجا كنزهما، وهي رحمة الله تعالى، ولكن الجميل هنا أنه لصلاح الأب حفظ الله حق الابن، وهي مسألة تدعو الآباء والأمهات جميعاً إلى إحسان الظن بالله تعالى، واستيداع الأولاد جميعاً عنده تعالى.

إنه العمل الصالح الذي لن يضيع الله تعالى أثره ولو بعد ممات صاحبه، بل ينعكس أثره على الأبناء ولو بعد حين. أملٌ بالله عظيم، وثقة عجيبة، أن نحسن الظن بالله. ومرة أخرى فلا يعني هذا أن لا يشذ من القاعدة شيء، كما بينت من شأن الأنبياء عليهم السلام.

لنحرص على العمل الصالح، بصدق وإخلاص، ونحسن الظن بالله تعالى، وفي شأن الأولاد خاصة أن نكون قدوات صالحة طيبة، فلن يضيع الله تعالى أثر عملك حتى على أولادك بعد مماتك، وهي نعمة عظيمة لا يستشعرها إلا من جربها، وما ذلك على الله بعزيز.

الغد الأردنية

عن أ. د. محمد خازر المجالي

wavatar
كاتب وأكاديمي وداعية إسلامي أردني

شاهد أيضاً

osamah-she7adah-49

لا تخرجونا من النور إلى الظلمات!

الهداية للنور وترك الظلمات هي غاية إنزال الوحي الرباني على نبينا الخاتم محمد صلى الله …