m-kazar-almajali-32
الرئيسية / فكر ودعوة / “ورحمتي وسعت كل شيء”

“ورحمتي وسعت كل شيء”

كنت وما أزال أتدبر لماذا ذكر الله تعالى في مطلع سورة الفاتحة بعد اسم (الله)، اسميْ (الرحمن والرحيم) حيث وردا في البسملة، ويتكرر هذان الاسمان مباشرة في قوله تعالى: “الرحمن الرحيم”، فلم هذا الحشد ابتداء باسمي (الرحمن الرحيم) في أول القرآن، فكأنها رسالة منه سبحانه لخلقه، أن هذه الرسالة هي رسالة رحمة، والدين رحمة، والنبي رحمة، ولا بد أن نتراحم فيما بيننا، فرحمة الله وسعت كل شيء.

والبسملة كما نعلم تضم هذين الاسمين، فلم تكن بأسماء أخرى لله تعالى، كالقدير والعزيز والحكيم وغيرها، وتقدير البسملة أنني أستعين بالله الرحمن الرحيم، فكأن موضوع الرحمة هو ذاته وفق حكمة الله تعالى وقدرته، ولكننا نؤكد على أننا فقراء إلى رحمته وعفوه، فبرحمته تعالى يهدينا ويرزقنا ويوفقنا ويبارك لنا وينصرنا، وهكذا شأنه سبحانه.

وفي قوله تعالى “ورحمتي وسعت كل شيء” من الشعور بالسكينة والطمأنينة ما فيه، فقد وسعت رحمته كل شيء يخطر ببال أحدنا، على صعيد الفرد نفسه والأفراد في المجتمع، وعند الحيوانات، وما سخّره الله تعالى للإنسان على وجه التحديد في هذا الكون، ولأنه تعالى قال (كل شيء) فاللفظ واضح في هذا الشمول، حيث تدخل الرحمة تفاصيل أدق الأمور، أدركناها أم لم ندركها، وشعرنا بها أم لم نشعر، حتى لو بدت في الظاهر أنها صعبة قاسية، فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً.

جاءت هذه الجملة (ورحمتي وسعت كل شيء) في سياق الحديث عن اليهود، في سورة الأعراف، حيث ذكر الله تعالى على لسان موسى عليه السلام بعد أن غضب من قومه حين عبدوا العجل، وغضب من أخيه هارون لمَ لمْ ينهاهم عن ذلك، وألقى الألواح التي أوحيت إليه، وبعد أن كانت الرجفة التي هلك على أثرها سبعون رجلا، فتوجه موسى عليه السلام بالدعاء: “واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك”، فأجابه الله تعالى: “قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء، فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون. الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويُحِل لهم الطيبات ويحرّم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، فالذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتبعوا النور الذي أُنزِل معه أولئك هم المفلحون”.

ونلاحظ كيف انتقل السياق من الحديث عن اليهود ليتحدث عن محمد صلى الله عليه وسلم والقوم الذين يؤمنون به، فقد توجه موسى صلى الله عليه وسلم بالدعاء أن يكتب الله له ولقومه في الدنيا حسنة وفي الآخرة، وأنهم هادوا إليه، أي تابوا ورجعوا، فهنا يأتي الكلام الفصل، ترغيبا وترهيبا، حيث العذاب على من كفر، والرحمة التي وسعت كل شيء، وكتبها الله للمتقين والذين يؤتون الزكاة، باعتبار الزكاة على وجه التحديد من مظاهر رحمة البشر ببعضهم، وأيضاً وصفهم الله بأنهم المؤمنون بآياته، وهم الذين يتبعون الرسول الأمي محمداً صلى الله عليه وسلم، وهو ذاته المذكور عندهم في التوراة والإنجيل، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهذه أيضاً من الرحمة بمفهومها الشامل، بأن يسير المجتمع كله في أمن واستقرار ورخاء، حتى في تفاصيل ومآلات الأحكام الشرعية، حين يحرم الله تعالى الخبائث ويحِل الطيبات، وحين يضع عن الأمم السابقة (خاصة اليهود) الشدة والحرج الذين كانا مكتوبين عليهم نتيجة لتشددهم. وهنا تأتي البشارة: بأن الذين آمنوا بهذا النبي وأيّدوه ونصروه واتبعوا القرآن الذي هو نور، فهؤلاء هم المفلحون، ومن جملة فلاحهم أن ينالوا هذه الرحمة.

نحن في عشر أواخر من شهر رمضان حيث تتجلى الرحمات، ويعتق الله تعالى من عباده ما يعتق، وفيها ليلة هي خير من ألف شهر، فيا أيها العبد المقصر، لا تقل فاتني الشهر، فما بقي هو الخير كله، حيث الرحمة والمغفرة والعفو والعتق من النار، ولنا أن نتفكر فيما أرشد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم من الدعاء إن أدرك أحدُنا ليلةَ القدر، فهو فقط: (اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا)، ومن عفا الله عنه فقد رحمه ووفقه وأيده ونصره وبارك فيه، لسبب بسيط أن الله اختصه في هذه الليلة، بل أعطاه صكا بأنه قد عفا عنه وأعتق رقبته من النار، فهنيئاً لمن حاز هذا الخير.

ومن الرحمة فيما بيننا أن نتفقد بعضنا، بأن يكون مجتمعنا متراحماً، قولاً وسلوكاً، فيحرم أحدنا على نفسه إيذاء الآخرين أنى كانوا، فلا يؤذيهم بكلامه ولا بسلوكه، بل يغلّب جانب الرحمة، عطفاً وحباً ومعاملة.

ومن الرحمة أن ننزع من قلوبنا الغل والحقد والحسد، أفرادا ومجتمعات ودول، ولا نسمح لأنفسنا أن نتناحر ونتباغض، ولا نسمح للسياسة أن توغل صدورنا على بعض، ولا للاختلاف الذي هو من سنة الحياة أن يسبب العدوانية والكراهية، بل نرتقي ونفقه سنن الحياة.

كتب ربنا على نفسه الرحمة، وسبقت رحمتُه غضبَه، وسبق لطفُه انتقامَه، فهو لطيف خبير حليم سبحانه، لو يؤاخذنا بما كسبنا لما ترك على الأرض من دابة، ولو يعاملنا بما نفعل ونقول، وبعض كلامنا وفعلنا كفر، لعذّبنا مباشرة، ولكنه الحليم الرحيم سبحانه، كم نعصيه وكم نكفره، وكم نقصر في طاعته، ومع ذلك يعطينا ويرزقنا ويرحمنا. ولكن لا بد من إدراك حقيقة أنه تعالى يعذب من يشاء، ويملي للظالم، وأنه تعالى ينتقم من الكافرين والظالمين، فلا بد من فهم قوله تعالى: “نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم، وأن عذابي هو العذاب الأليم”.

ولا بد حتى ندرك الرحمة –كما بين الله تعالى- من الاتباع لهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وفي الاتباع التزام وأداء لواجبات وابتعاد عن نواهي، لا مجرد ادعاء بالالتزام، وشتان بين الادعاء والاتباع، ذاك نظري يمنّي صاحبه، وهذا عملي قد تفاعل صاحبه معه.

أوشك الشهر على الانقضاء، وما تبقى فيه كل الرحمات، فهل من مشمّر عن ساعد الجد، فاللهم رحماتك وبركاتك وعتقك لنا من النار.

الغد الأردنية

 

عن أ. د. محمد خازر المجالي

wavatar
كاتب وأكاديمي وداعية إسلامي أردني

شاهد أيضاً

m-kazar-almajali-55

“كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فساداً”

لا ينبغي للمسلم أن يجامل على حساب الحقائق القرآنية، ولو كان الواقع –فيما يبدو- معاكساً …