m-kazar-almajali-38
الرئيسية / فكر ودعوة / “فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا”

“فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا”

هي سورة الإسراء نفسها، وتسمى أيضا سورة (بني “إسرائيل”)، حيث بدأ الله تعالى السورة بالحديث عن حادثة الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، ليُري النبي صلى الله عليه وسلم من آياته سبحانه، فيزداد يقيناً وثباتاً، سيما وأن حادثة الإسراء والمعراج كانت بُعيد رجوعه عليه الصلاة والسلام من الطائف، حيث آذاه أهلها وأدموا قدميه الشريفتين، وجاءه الملك يستأذنه في إهلاك قريش ويطبق عليهم الأخشبين، ليقول وهو بهم رؤوف رحيم: “لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله”.

وبعد الحديث عن الإسراء يأتي الحديث عن إفساديْ بني “إسرائيل” في الأرض، وقد تناولته في المقال السابق، وخلاصته أن الإفساد الأول كان زمن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، والثاني هو ما نحياه منذ عقود، وذلك أن بني “إسرائيل” في تاريخهم لم يعلوا العلو الكبير في إفسادهم مثلما هم عليه بعد تمكنهم من السيطرة على عواصم القرار العالمي، والسيطرة المالية والإعلامية، وتوعدهم الله في كلا الإفسادين أن يبعث عليهم عباداً له صالحين، وجاء ذكر المسجد في المرة الثانية: “وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة”، وهو المسجد الأقصى بإجماع، وهو وعد غير مكذوب، حاصل إن عاجلاً أم آجلاً، حين يأذن الله تعالى بالنصر والتمكين.

والعجيب في هذه السورة كثرة ذكر القرآن فيها، فهي أكثر سورة ذُكِر فيها القرآن، وهذا متناسب من أكثر من جهة، فهي سورة الإسراء، ومن معاني الإسراء السير ليلاً، وكأنها رسالة إلى أهل القرآن بأن يستغلوا الليل قياماً لله ودعاء وتهجداً، فهو وقت سمو الأرواح وتعلقها بالله تعالى، حيث يدل اللفظ والحدث أيضاً على هذا السمو والتألّق حين يرتبط أحدنا بالله تعالى، ويعتز به، ويلوذ به، ويعتصم به.

وكأني بهذه السورة تقول للمؤمن إن ثمة من يفسد في الأرض ويعبث فيها، ولا يجوز لك أن تبقى بعيدا عن المواجهة، فلا بد من الحركة، ولا بد من استنشاق عبير القرآن والسير في هديه لتكون النجاة لك وللمجتمع كله، فإفساد بني “إسرائيل” على وجه التحديد سيكون عظيماً، ولا بد من مواجهته ودفعه وإلا تمكن هذا الفساد واستشرى تأصّل، فبالقرآن يمكن شحذ الهمم وتعزيز القيم، وبه تُحفَظ هويتنا ونبني إرادتنا، وحينها نحن الأعلون باعتصامنا بالله لا هم، كما قال الله تعالى في سورة آل عمران: “ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين”.

وفي سورة الإسراء أكثر من بشارة بحتمية انتصار هذا الدين، فآيات إفساد بني “إسرائيل” نفسها تتحدث عن النصر: “فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة، وليتبِّروا ما علو تتبيرا”، ومنها ما جاء في آخر السورة: “وقلنا من بعده لبني “إسرائيل” اسكنوا الأرض، فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا”، حيث كان الحديث عن ظلم فرعون لهم، وكيف نجاهم الله تعالى منه ومكّنهم، فسكنوا الأرض، وذهب كثير من المفسرين إلى أن المقصود بالآخرة هنا هو اليوم الآخر الذي يجمع الله به الخلائق، وذهب بعض المعاصرين إلى أن المقصود هو المرة الآخرة من إفساديْ بني “إسرائيل”، وفي الآية حينئذ من الإخبار عن الغيب ما يعزز معجزة القرآن، حيث يتحدث النص عن مجيء بني “إسرائيل” إلى فلسطين لفيفاً، جماعات جماعات، حين أذن الله تعالى بأن يجتمعوا مرة أخرى ليفسدوا ويعلوا.

وحين صدّر الله السورة بكلمة (سبحان)، وهي مشعرة بتنزيهه تعالى وتعظيمه، فلا يعجزه شيء، وهي مشعرة بما سيكون من احتجاج قريش في اعتراضها واستخفافها بما سيحدثهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم من قصة الإسراء والمعراج، وهو الشيء نفسه الذي نقوله لكل من يستخف ويستهجن ويستبعد انتصار المسلمين على يهود، فالأيام دول، ولا بد أن يتحقق وعد الله، ووعد رسوله صلى الله عليه وسلم وهو يتحدث عن قتال المسلمين لليهود وانتصارهم عليهم، فروى البخاري عن عَبْداللَّهِ بن عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَال: “سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ تُقَاتِلُكُمْ الْيَهُودُ فَتُسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ يَقُولُ الْحَجَرُ يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ”، وروى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: “لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ فَيَقْتُلُهُمْ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوْ الشَّجَرُ يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ إِلَّا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ”.

إن إفساد بني “إسرائيل” وعلوهم وظلمهم واستكبارهم لا يمكن أن يدوم، وما اعتبروا من ظلم فرعون لهم، لا عقدياً ولا اجتماعياً وأخلاقياً، فطلبوا عبادة إله آخر بعد إذ نجاهم الله بآية عظيمة من بطش فرعون، وبعد أن تشتتوا في الأرض، ولم يحمهم ويعطف عليهم إلا المسلمون، فكان الجزاء أن ينكّلوا بأهل الأرض ويحلّوا مكانهم، ومع هذا علو وتجبّر وظلم، فنسوا ما كانوا عليه، وأذاقوا الفلسطينيين سوء العذاب، وهذا غياب لأبسط القيم الإنسانية.

لقد عقب الله تعالى بعد الحديث عن جمع بني “إسرائيل” لفيفاً بقوله عن القرآن: “وبالحق أنزلناه وبالحق نزل، وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً”، وفي النص ما يشعر بحتمية وعد الله تعالى، فهو حق كله، وما علينا إلا الثقة بوعده والعمل في سبيل هذه العزة وهذا التمكين، وحين نسير في الأرض مبشرين ومنذرين ذوي مسؤولية راقية في هداية الناس وتعبيدهم لله تعالى، فهذا هو الطريق إلى النصر، فقد حفلت السورة بذكر كثير من الأخلاق والقيم، ابتداء بتوحيد الله تعالى وعبادته، وطيب المعشر مع الناس جميعاً، وهذا الاتباع للقرآن الذي يهدي للتي هي أقوم، حينها لن يتأخر النصر إن شاء الله تعالى، هي سورة ابتدأت بـ (سبحان)، وانتهت بـ (وكبّره تكبيراً)، فهي دعوة عامة أن نثق به سبحانه ونعظمه، ونلوذ به ونستنصره، وهو نعم المولى ونعم النصير.

الغد الأردنية

عن أ. د. محمد خازر المجالي

wavatar
كاتب وأكاديمي وداعية إسلامي أردني

شاهد أيضاً

7essen-abdelazeez-70

موقع الرقة في معادلة الصراع السوري

لا شك أن هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في الرقة تشكل تحولاً مهماً على صعيد موازين …