m-kazar-almajali-36
الرئيسية / فكر ودعوة / في التعامل مع الفتن

في التعامل مع الفتن

 

ذكرت في المقال السابق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يتحدث فيه عن الفتن وإقبالها على الناس، وأن نبادر بالأعمال الصالحة، لأن هذه الفتن كقطع الليل المظلم، ومن لا يأخذ حذره ويحتاط لها فقد يصبح كافراً ويمسي مؤمناً، يبيع دينه بعرض من الدنيا، وهذه الفتن قد تكون على المستوى الشخصي الفردي، وقد تكون على المستوى الجماعي المجتمعي، فالحذر عموماً مطلوب، وينبغي أن نكون على أعلى درجات اليقظة والوعي والبصيرة، حتى لا نُؤتى من قِبل أنفسنا.

ثمة أمور لا بد من التنويه عليها بشأن الفتن إن وقعت أو لاحت، فالمؤمن لا تحركه أهواء ولا مصالح ذاتية، وهو يعلم أن تصرفاته كلها معلومة عند الله ومحاسَب عليها: “إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً”، ومن هذه الأمور التي ينبغي الانتباه إليها:

أولاً: اجتناب الفتن، بأن لا يعرّض نفسه لها ابتداء، وأن لا يكون جزءا منها، ولا أحدَ مسبّباتها، فالفتنة إن وقعت فإما أن تحاصَر وإما أن تنتشر، فلينظر أحدنا أين هو؟ والله سبحانه يقول: “واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة”، فهي إن وقعت تعم، ولذلك ينبغي أخذ الحيظة والحذر، ومحاصرة هذه الفتن حتى لا تنتشر.

ثانياً: ويترتب على النقطة السابقة أن لا يخوض أحدنا في أمر الفتنة، ولا يشارك فيها ولو بكلمة، فبعض الناس قد يؤجج الفتنة بكلمة، أو بموقف، وربما من غير قصد، ولكنه لم يحسب للكلمة حسابها، فيكون تأجيج الموقف، ومن هنا ينبغي أن نحتاط وننتبه، فكم من كلمة أشعلت حرباً، أو دمرت أسرة، أو سببت قتلا، أو أثارت عداوة.

ثالثاً: الأصل في الفتن أن يكون أحدنا مصلحاً، أن يطفئ النار لا أن يشعلها، سواء على المستوى الفردي أم الجماعي، وفي حال الفتن الكبرى التي يُفتَن الناس فيها بين خير وشر أو حق وباطل، فلا بد من بيان الحق وعدم المجاملة فيه، ولا ينحاز أحدنا إلى قوم أو بلد أو عشيرة، بل يعتصم بالله تعالى، وما شرعه الله سبحانه من خير، فالخير كل الخير فيما شرعه الله، لأنه سبحانه هو الأعلم بما يصلح للناس، فهو خالقهم والعليم بشؤونهم.

رابعاً: ليقل أحدنا خيراً أو ليصمت، وهي وصية النبي صلى الله عليه وسلم، فبعض الناس يظن أن قوة الشخصية مرتبطة بكثرة الكلام، أو تصدره دون غيره، فالعبرة هي بنوع هذا الكلام هل هو خير أم لا، فليقل أحدنا خيراً أو السكوت فهو أفضل له، والكلمة في فم أحدنا يملكها، فإن خرجت فهي تملكه، وكم من عداوات نشبت بين الناس بسبب كلمة، وأسوأ من هذا النميمة بين الناس واستغابتهم، فللناس حرمات لا يجوز الاعتداء عليها، ومنها دماؤهم وأموالهم وأعراضهم.

خامساً: لا بد من التثبت من الأخبار قبل أن يتصرف أحدنا أي تصرف، فقد قال الله تعالى: “يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين”، فلا بد من التريث والتأكد من الأخبار، فبعض الناس يريدونها فتنة وإيقاعاً بين الناس، وأحياناً فإن حرفاً واحداً ربما يغير في الكلمة ومعناها، فلا بد من البحث والتبيّن كي لا يكون التصرف الذي نندم عليه فيما بعد، حين نتعجل وتأخذنا الحمية وننحاز إلى الخطأ، فالخير كل الخير في التأني وحسن الظن والتماس العذر، وهي شيمة الكبار والحكماء.

سادساً: من مبادئ الإسلام والإنسانية عموماً عدم التعصب، سواء كان هذا التعصب للرأي أو القبيلة أو الفكرة أو المذهب أو غيرها، فالتعصب يعمي عن ملاحظة الحق، والأوْلى بالاتباع هو الحق، فرأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب، فكيف أتبع الحق إن وجد التعصب أو الأنانية!؟ فلا بد من بحبوحة الفكر ورحابة الصدر إن كنا نريد فعلاً النجاة والحضارة والتقدم، وأن نجتنب الفتن وكل ما يهدد أمن المجتمع واستقراره.

سابعاً: لقد يئس الشيطان من أن يُعبَد في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش بينهم، وما يكون من عداوة على مستوى فردي أو مجتمعي أو أوطان يلعب الشيطان فيه دورا، ولا يملك الشيطان التأثير إلا إن كانت عند نفوسنا قابلية للشر، نتيجة لضعف إيمان أو تلوّث فكر أو انحراف سلوك، فقد بين الله تعالى أن الشيطان عدو، وينبغي أن نتخذه عدواً: “إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً، إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير”، وبيّن سبحانه أن غاية ما يستطيعه الشيطان هو الوسوسة، فيقول على لسان الشيطان: “وما كان لي عليكم من سلطان إلا أنْ دعوتكم فاستجبتم لي، فلا تلوموني ولوموا أنفسكم”، فهو يتبرأ من فعل الإنسان، لأنه مسؤول عن تصرفاته، فالله وعد، والشيطان وعد، فاتبع كثير منهم الشيطان وتركوا الله تعالى.

ثامناً: لا بد من الاعتراف أن عندنا قابلية للانقسام والتعصب والكراهية بمستوى عال، ولا أتحدث عن علاقتنا بغير المسلمين التي ينبغي أن تُبنى على البر والقسط كما أمر الله تعالى، بل بين المسلمين أنفسهم، وهذا أمر محيّر، كيف ينسى أحدنا في لحظة واحدة علاقة الأخوة والدين والإنسانية، وفجأة نجده ينحرف ويتعصّب ويعادي الآخر ويمكر له ويفتري عليه وربما يقاتله، وما العداوة والعنف المجتمعي إلا حصيلة هذا الشيء، فأين الدين والقرآن والرسول من واقعنا!؟

تاسعاً: ولا بد من أن نعترف أن الدين ما عاد يؤثر فينا كثيراً، فالأصل الذي ينبغي أن نلوذ به هو الله تعالى: “ومن يعتصم بالله فقد هُدي إلى صراط مستقيم”، فالدين يعصم أحدنا من الانزلاق في الفتن صغيرها وكبيرها، ولكنه التديّن على بصيرة، لا التقليد والانغلاق والجهل.

عاشراً: لا بد من تحكيم القيم الإسلامية بل الإنسانية، من عدل واستشعار كرامة الإنسان وتحريم الاعتداء عليه، فمقياس التكريم هو التقوى: “إن أكرمكم عند الله أتقاكم”، لا اللون ولا النسب ولا اللغة، وقد ارتقى المجتمع الإسلامي بهذه القيم وغيرها، فلا التفات إلى قيم الجاهلية التي تغزونا من جديد.

الغد الأر دنية

عن أ. د. محمد خازر المجالي

wavatar
كاتب وأكاديمي وداعية إسلامي أردني

شاهد أيضاً

fares151

القيم العليا: مفهومها، وكيف نغرسها في نفوس أبنائنا

نذكّر أولاً بأن للتربية ثلاثة جوانب يكمّل بعضها بعضاً: 1- التربية العقلية والمعرفية 2- التربية …