ebraheem-terkawi-36
الرئيسية / فكر ودعوة / متى نرتقي إلى هذا الأدب النّبويّ الرفيع؟

متى نرتقي إلى هذا الأدب النّبويّ الرفيع؟

ما استحقّ أحد من البشر – سواء كانوا من الأنبياء المرسلين أو من الملائكة المقربين – كما استحقّ النّبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، ثناء ربه – عز وجل – عليه بقوله تعالى: “وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ” (القلم :4)

لنعش في ظلال هذا الثناء الرباني للنّبي – صلى الله عليه وسلم – مع صاحب الظلال – رحمه الله -: (.. ثم تجيء الشهادة الكبرى والتكريم العظيم: {وإنك لعلى خلق عظيم}، وتتجاوب أرجاء الوجود بهذا الثناء الفريد على النبي الكريم؛ ويثبت هذا الثناء العلوي في صميم الوجود! ويعجز كل قلم، ويعجز كل تصور، عن وصف قيمة هذه الكلمة العظيمة من رب الوجود، وهي شهادة من الله، في ميزان الله، لعبد الله، يقول له فيها: {وإنك لعلى خلق عظيم}.

ومدلول الخلق العظيم هو ما هو عند الله مما لا يبلغ إلى إدراك مداه أحد من العالمين!

ودلالة هذه الكلمة العظيمة على عظمة محمد صلى الله عليه وسلم تبرز من نواح شتى:

تبرز من كونها كلمة من الله الكبير المتعال، يسجلها ضمير الكون، وتثبت في كيانه، وتتردد في الملأ الأعلى إلى ما شاء الله.

وتبرز من جانب آخر، من جانب إطاقة محمد صلى الله عليه وسلم لتلقيها. وهو يعلم من ربه هذا، قائل هذه الكلمة. ما هو؟ ما عظمته؟ ما دلالة كلماته؟ ما مداها؟ ما صداها؟ ويعلم من هو إلى جانب هذه العظمة المطلقة، التي يدرك هو منها ما لا يدركه أحد من العالمين.

إن إطاقة محمد صلى الله عليه وسلم لتلقي هذه الكلمة، من هذا المصدر، وهو ثابت، لا ينسحق تحت ضغطها الهائل ولو أنها ثناء ولا تتأرجح شخصيته تحت وقعها وتضطرب.. تلقيه لها في طمأنينة وفي تماسك وفي توازن.. وهو ذاته دليل على عظمة شخصيته فوق كل دليل.. ).

وتتجاوب الغاية من بعثة النّبي مع هذا الثناء الرباني الفريد “وإنك لعلى خلق عظيم”، في قوله – صلى الله عليه وسلم -: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” (السلسلة الصحيحة للألباني :45 ).

وقوله – صلى الله عليه وسلم -: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، يمثّل القمة السامقة – التي لا تطاول – في مكارم الأخلاق!

تأمّل قوله – صلى الله عليه وسلم – “لأتمّم”، إنه يشير – صلى الله عليه وسلم – إلى الالتقاء مع إخوانه السابقين من الأنبياء في الدعوة إلى القيم العالية، ومكارم الأخلاق، مع أن رسالات السماء انتهت إليه وما اكتملت إلا به، وشريعته نسخت ما قبله من الشرائع، وجمع الله له كل ما تفرق في إخوانه الأنبياء من محاسن الخصال ومزايا الفعال .. ولكنّه الأدب الجمّ، والذوق الرفيع، والخلق العظيم..!

إنّ الإنسان ما جاء إلى الدنيا ليهدم ما بناه غيره، ولا ليرتفع على أنقاض الآخرين، ولا ليتجاهل ما قدّمه السابقون من خير للإنسانية ..

إنّ فلسفة النظرة الأحادية المُشبَعة بالأنانيّة أورثت العالَم – أفراداً وجماعات ودولاً – العداوة والبغضاء، وجعلت الاختلاف في الفكر وتعدد الرؤي، اختلاف تضارب وتناقض، لا اختلاف تنوع وتكامل ..!

فهل تتعلم الأمة – لتتعلم البشرية من بعدها – هذا الأدب الرفيع والخلق العظيم من نبيّها – صلى الله عليه وسلم – مع إخوانه الأنبياء، فتتعالى على خلافاتها، وتلتقي عند القضايا المصيرية، والهموم المشتركة، فتتعاون فيما بينها، ليكمل بعضها بعضاً، ويشدّ بعضها أزر بعض، ولتكون كما أرادها الله – عز وجل – في كتابه: “إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ” (الأنبياء: 92) ؟!!

وهل يتعلم عقلاء العالم وأتباع الرسالات من نبيّ الإنسانية – صلى الله عليه وسلم – في أدبه مع إخوانه الأنبياء، فيتعاونون على تثبيت الإيمان، وعلى محاربة الإلحاد، وعلى محاربة الظلم والإباحية والتحلل .. ؟!!

وما أسّسه الحديث النبوي السابق من أدب رفيع وخلق عظيم، أكّده وعزّزه حديث آخر: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَال:

“إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتاً فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ، وَيَعْجَبُونَ لَهُ، وَيَقُولُونَ: هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ. وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ”. (البخاري ومسلم)

النبيُّ محمد – صلى الله عليه وسلم – الذي ختم الله به المرسلين، وأكمل به شرائع الدين، في تواضعه الجمّ، وأدبه العالي، وخلقه الرفيع، يمثّل لبنة في هذا الصرح الكبير، الذي شيّده إخوانه الأنبياء من قبل!

إنّ الإنسان الكريم – كبير الهمة، عظيم الشأن – لا يتطاول على غيره بما عنده من المواهب وإنْ عظمت، ولا يستخفّ بما عند الغير من المواهب وإنْ صغرت!

ما أجدر الإنسان اليوم وهو يرى صرح الإنسانية الكبير – الذي بناه الأنبياء جميعاً – يحترق بنيران الجشع والظلم والعداوة والبغضاء، أن يصغي لنبي الرحمة ورسول الإنسانية – صلى الله عليه وسلم – فيصبّ ولو قليلاً من الماء ليطفيء ما يستطيع أن يطفيء، وليكون لبنة صالحة تسد ما ثلم من البناء..!

وصدق الله العظيم إذ يقول: ” .. وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبَرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ” (المائدة : 2)

ويبقي السؤال: متى نرتقي إلى هذا الأدب النّبوي الرفيع؟!

عن د. إبراهيم التركاوي

wavatar
باحث وأكاديمي ومفكر إسلامي مصري

شاهد أيضاً

fares151

القيم العليا: مفهومها، وكيف نغرسها في نفوس أبنائنا

نذكّر أولاً بأن للتربية ثلاثة جوانب يكمّل بعضها بعضاً: 1- التربية العقلية والمعرفية 2- التربية …