taha-kaleefah-26
الرئيسية / أقلام وآراء / من درعا إلى الموصل

من درعا إلى الموصل

حدثان مهمان تشهدهما سوريا والعراق حالياً، يوم الجمعة الماضي تفاهم الرئيسان الأمريكي ترامب والروسي بوتين خلال لقائهما الأول على هامش قمة العشرين في ألمانيا على اتفاق خفض التصعيد العسكري في واحدة من المناطق الأربع في سوريا التي يجري النقاش بشأنها في اجتماعات أستانا في كازخستان، وهي لقاءات بين النظام والمعارضة، وغير مُثمرة حتى الآن.

هذه المنطقة تقع جنوب غرب سوريا وتضم درعا والسويداء والقنيطرة وتتواجد فيها قوات المعارضة، والاتفاق دخل التنفيذ أمس الأول، ولا أتوقع حدوث خروقات تطيح به وتشعل المواجهات مجدداً، كما حصل خلال عهد أوباما حيث تم التوصل للهدنة مرات لكنها لم تصمد طويلاً بعد خرقها.

 بوتين يُريد الاستفادة من حميمية يُكنها ترامب له، ومن رغبة في مد جسور التعاون معه، وإذا كانت سفن ترامب لم تسر كما كان يشتهي بعد دخوله البيت الأبيض من بناء علاقات جيدة مع روسيا، حيث تعثر هذا المسعى بعد توالي تكشف اتصالات سريّة ترقى لمستوى الفضيحة بين رجال إدارته مع الروس، وأدى ذلك لاستقالة مستشاره للأمن القومي مايكل فلين، وهي الأسرع في تاريخ هذا المنصب، وتعرض إدارته للارتباك والقلق بفعل التحقيقات في هذه القضية، علاوة على مسألة القرصنة الروسية للانتخابات الرئاسية بهدف التأثير والتشويش على صورة هيلاري وحرمانها من الفوز ليكون من نصيب غريمها ترامب، وهي القضية التي تجري فيها تحقيقات فيدرالية، وتضاعف الضغوط على الرئيس، وتمثل تهديداً لمستقبله، هذه التعقيدات التي وجد ترامب نفسه فيها جعلته يخضع لضغوط الحزب الجمهوري، ويهدئ من اندفاعه ناحية روسيا، وكان لافتاً أنه خلال زيارته لبولندا وقبل ساعات من لقائه الأول مع الرئيس الروسي فإنه هاجم بوتين، ولأن بوتين داهية سياسية فقد امتص الانتقادات الأمريكية، وعقوبات الكونجرس، وبعض الجفاء من البيت الأبيض تجاهه، والضربات الأمريكية لحليفه الأسد على أمل ألا يَفقد فرصة التواصل مع ترامب، ويُعيد ضخ الدماء في شرايين علاقات خاصة يُدرك أن ترامب يريدها، ولذلك جاءت تسهيلاته في اتفاق خفض التصعيد وإدخاله حيز التنفيذ كبادرة حُسن نية لبناء علاقات تعاون مع أمريكا في سوريا تمتد بعدها إلى أوكرانيا، وتستمر في مختلف الملفات والقضايا الدولية.

هذا التفاهم في الأزمة السورية المعقّدة ولو على خطوة تهدئة واحدة يُعطي أملاً بإمكانية استمرار العمل بين القوتين الكبيرتين القادرتين على التوصل لحلول لإيقاف أشرس حرب في العالم راح ضحيتها الملايين بين قتيل وجريح ومشرّد بجانب الدمار الهائل، كفى حرباً واقتتالاً وتدخّلات خارجية في هذا البلد المنكوب، وليكن التحرّك القادم يسير في خطوط متوازية عبر مواصلة حرب داعش للقضاء عليه، وتحجيم دور إيران وميليشياتها الداعمة للأسد، وتنفيذ خفض التصعيد في المناطق الثلاث الأخرى، ورعاية مفاوضات جديّة تنتهي بإنجاز حل نهائي يؤسس لسلطة انتقالية من المعارضة المعتدلة والأطراف المقبولة في النظام ويخرج الأسد في النهاية من السلطة كما عبّر عن ذلك وزير الخارجية الأمريكي ريكس تلريسون، أتصوّر أن التعاون الأمريكي الروسي سيكون مفيداً لكتابة النهاية في مأساة سوريا.

ومن سوريا إلى العراق الذي شهد نهاية داعش في الموصل ثاني أكبر مدينة بعد بغداد، ومن الجيد أن يتم تحريرها من ذلك الكابوس، لكن الكلفة فادحة، فالمدينة تدمّرت، وسقط ضحايا مدنيون كثيرون، ولم يبق فيها حي واحد على حاله، وسكانها فرّوا منها، والموصل قصة في غاية الغرابة فقد سيطر عليها التنظيم في أيام قلائل، لكن استغرق طرده منها تسعة أشهر بجحافل من قوات الجيش والشرطة العراقية، وميليشيا الحشد الشعبي، ودعم كبير من التحالف الدولي بقيادة أمريكا، كيف سقطت المدينة في قبضة هذا التنظيم بكل هذه السهولة؟، وكيف سقطت مدن أخرى حتى نجح في السيطرة على ثلث العراق تقريباً في وقت قصير، ثم يكون إخراجه من كل قرية ومدينة يستغرق شهوراً، وبخسائر هائلة على كل الأطراف؟.

الحكومة العراقية مُطالبة بتحقيق جديّ وشفّاف في هذا اللغز الكبير الذي يشمل لغز داعش نفسه كتنظيم، كما أن وضعية الحشد الشعبي بحاجة لحسم حتى لو كان تم إسباغ شرعية قانونية عليه من البرلمان فهو كميليشيا طائفية يُنسب إليه ارتكاب جرائم وانتهاكات فظيعة بحق العراقيين لا تقل عما يفعله داعش، بناء العراق المدني الحديث المتصالح مع نفسه لا يجب أن يكون فيه مكان للإرهاب أو الميليشيات أو الطائفيات أو المذهبيات أو المُحاصصات السياسية.

كاتب وصحفي مصري

الراية القطرية

عن طه خليفة

wavatar
كاتب وصحفي مصري

شاهد أيضاً

m-kazar-almajali-55

“كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فساداً”

لا ينبغي للمسلم أن يجامل على حساب الحقائق القرآنية، ولو كان الواقع –فيما يبدو- معاكساً …