7essen-abdelazeez-66
الرئيسية / أقلام وآراء / ترابط المصير بين محافظتي إدلب ودير الزور

ترابط المصير بين محافظتي إدلب ودير الزور

قبل أشهر قليلة، نشر الجيش التركي قواته عند الحدود السورية في محيط محافظة إدلب عبر ثلاث نقاط، في خطوة فسرت آنذاك باستعداد تركي لشن هجوم على المحافظة وإعادة ترتيبها ضمن تفاهمات مع روسيا والولايات المتحدة.

 

لكن، فجأة لم نعد نسمع أية أخبار عن هذا الانتشار العسكري، لينتهي الأمر بعد فترة بانقلاب نفذته «هيئة تحرير الشام» على حركة «أحرار الشام»، انتهى بطرد الأخيرة – حليفة تركيا – من المحافظة وتجريدها من المعابر الحدودية التي كانت تسيطر عليها.

الأمر ذاته حصل في الشرق السوري: الولايات المتحدة تعزز وجودها العسكري في قاعدة التنف، ثم تتقدم خطوة إلى الأمام بإقامة قاعدة الزكف إلى الشمال، ترافقت مع عمليات إنزال جوي في البوكمال، وتحركات لفصائل «الجيش الحر» قرب الحدود الإدارية لمحافظة دير الزور، في خطوة فسرت آنذاك على أنها استعداد أميركي للهجوم على المحافظة من الجهة الجنوبية الشرقية.

لكن فجأة يتوقف الزخم الأميركي، وتتوقف العمليات العسكرية نحو دير الزور، في وقت شهدت فصائل «الجيش الحر» تراجعاً في مواقعها، وأصبحت محاصرة في جيوب صحراوية ضيقة من جانب النظام السوري، ثم لم يمض وقت طويل حتى شهدنا قوات النظام تتقدم بثبات جنوب الرقة لتقتحم الحدود الإدارية لمحافظة دير الزور.

ما الذي حصل وأدى إلى هذه المتغيرات المفاجئة؟

سؤال تبدو الإجابة عنه صعبة، في ظل عدم جلاء المشهد العسكري تماماً في الشرق السوري وفي الشمال الغربي من سورية. لكن المعطيات الحالية تمنحنا قدرة على التفسير والتكهن الجزئي بأسباب هذا التغيير ومسار التطورات العسكرية وأبعادها الاستراتيجية.

هذه المتغيرات المفاجئة بدأت بعيد إعلان الاتفاق على هدنة الجنوب بين الرئيسين الروسي والأميركي، في مؤشر إلى أن الزعيمين قد حددا الحصص الجغرافية لكل محور، وأهمهما محافظتا ديرالزور وإدلب.

بالنسبة إلى دير الزور يمكن القول إنها تمثل درة التاج للنظام في المناطق الشرقية والشمالية الشرقية من سورية، لما تحويه من ثروات نفطية وزراعية وحيوانية، خصوصاً أن المحافظتين اللتين تتشابهان مع دير الزور من حيث الثروات هما بيد «قوات سورية الديموقراطية» (الحسكة والرقة).

وإذا أضفنا إلى ذلك موقع محافظة دير الزور على الحدود مع العراق، يصبح من المستحيل بالنسبة إلى النظام وروسيا وإيران الاستغناء عنها، وتحركات قوات النظام في الصحراء الشرقية خلال الشهرين الماضيين على رغم الضربات الأميركية تؤكد أن محافظة دير الزور خط أحمر، وتم إبلاغ هذا الأمر للرئيس ترامب.

ويمكن تلمس ذلك من خلال الانتشار العسكري لقوات النظام في محيط المحافظة ضمن محاور جغرافية متعددة (ريف الرقة الجنوبي الشرقي، محور ريف حمص الشرقي، محور ريف حمص الجنوبي).

ومع ذلك، ثمة سلوك أميركي غامض وغير معروف الأبعاد، فالولايات المتحدة طلبت من «مغاوير الثورة» الانتقال إلى قاعدة الشدادي في الحسكة للمشاركة في الهجوم على تنظيم «الدولة الإسلامية» من الجهة الشمالية لدير الزور، في وقت لا يزال التحالف الدولي يشن هجمات جوية على مدينة البوكمال، وكأن واشنطن تريد موطئ قدم في المحافظة وتحديداً عند الحدود مع العراق.

من المنظور العسكري، لن تكون لقاعدتي التنف والزكف الأميركيتين أية قيمة استراتيجية بمعزل عن البوكمال، لكن الوصول إلى البوكمال يبدو صعباً في ظل الحاجز الجغرافي الذي أقامه النظام بين المدينة وقاعدة الزكف.

ولذلك، تبدو الصورة غامضة، وأغلب الظن أنها مرتبطة بمصير محافظة إدلب، فإما أن يفتح النظام بالاتفاق مع الروس جيباً جغرافياً لمرور الفصائل المدعومة أميركياً نحو البوكمال، وإما أن تنسحب الولايات المتحدة نهائياً من الشرق السوري، وتنقل قاعدة التنف إلى العراق، وهو ما كشفه قائد «مغاوير الثورة» وقائد «أسود الشرقية» قبل نحو شهرين.

هذا الغموض في الشرق يمكن تعميمه على محافظة إدلب، فالنظام يستعجل الدخول إليها، لكنه يصطدم بفيتو روسي لاعتبارات كثيرة، أهمها أن الجيش السوري غير مؤهل لدخول المحافظة، وثانياً لأن موسكو لا تريد أن تشارك قوى محسوبة على إيران في العملية كي لا تثير حساسيات طائفية داخلية وإقليمية، ولأن روسيا ثالثاً لا تريد إعطاء النظام مكاسب جغرافية هائلة قبيل الاتفاق على مستقبل الهدنات العسكرية والمسار السياسي.

في المقابل، لا يزال الارتباك سيد الموقف التركي، وقد عبر عن ذلك قادة في حركة «أحرار الشام» من حلفاء تركيا، وهذا الارتباك ناجم عن عدم حصول تفاهم مع موسكو وواشنطن حيال محافظة ادلب، لأن واشنطن وإلى حد ما روسيا لا تريدان توسيع الرقعة الجغرافية التركية في سورية، ومن جهة ثانية لا وجود لبديل عن تركيا في تحديد مصير المحافظة.

وعليه، يمكن القول إن مصير محافظة إدلب يرتبط بمصير دير الزور والعكس صحيح، على رغم التباعد الجغرافي بينهما، لكن التأثير الاستراتيجي لهاتين المحافظتين في مستوى الإقليم يجعل مصيرهما متشابكاً.

* إعلامي وكاتب سوري

الحياة اللندنية

wavatar

About حسين عبد العزيز

إعلامي وكاتب سوري

عن حسين عبد العزيز

wavatar
إعلامي وكاتب سوري

شاهد أيضاً

rodwan-zeyadah-21

مستقبل الصراع الدولي على سورية

عندما كان مرشحاً يخوض حملته الانتخابية باسم الحزب الجمهوري؛ أثار دونالد ترامب مسألة المناطق الآمنة …