7esen-ben-sa3eed-al7asaniah-1
الرئيسية / فكر ودعوة / دروس من سيرة سعد بن معاذ رضي الله عنه

دروس من سيرة سعد بن معاذ رضي الله عنه

هذه الأسطر عن رجل من الجيل الفريد، الجيل الذي تربى على يد محمد ﷺ، الجيل الذي سطّر أجمل بيان في الصحبة، وأعظم مقال في الأخوة، وأسمى عنوان في التضحية، الجيل الذي علّمنا أن لا عزة لنا إلا بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلّنا الله، الجيل الذي ندين الله جل وعلا بحبه، وبالاقتداء بمنهجه، جيل الآل والأصحاب، عليهم جميعاً رضوان الله تعالى.

ذلكم الرجل هو سعد بن معاذ رضي الله عنه، من بني عبد الأشهل، من الأوس، من الأنصار، من أجمل الرجال صورة، وأعظمهم طولاً، وأشرقهم وجهاً، وأجزلهم حديثاً، سيّد قومه وسديدها، ورئيسها الأول، وزعيمها.

ففي سيرة أبي عمرو رضي الله عنه وسير أصحاب محمد ﷺ ما يثلج الصدر، ويبهج الخاطر، ويعين على الثبات، ويدعو إلى الورود إلى المشرب الزلال.

فمن سيرته رضي الله عنه أنه لما علم بقدوم سفير الدعوة الأول: مصعب بن عمير رضي الله عنه إلى المدينة لينشر الإسلام، ويدعو إلى الله، أقبل إليه، ورحّب به، وسمع منه القرآن الكريم، فانتعش فؤاده بنسمات حلوة، هبت عليه هبوب العافية، وأضاءت روحه بنور الهداية، وأعلن إسلامه وهو في الثلاثين من عمره، ثم عاد إلى قومه داعياً لهم إلى الإسلام قائلاً لهم: “كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تسلموا، فأسلَموا”. فكان من أعظم الناس بركة في الإسلام.

ومن سيرته رضي الله عنه أنه كان شديد الغيرة على محارمه، فلما نزلت آية التلاعن قال سعد: يا رسول الله، إنْ وجدتُ مع امرأتي رجلاً أمهله حتى آتي بأربعة؟، والله لأضربنّه بالسيف غير مصفح عنه، فقال رسول الله ﷺ: “أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أغير منه، والله أغير مني”.

ومن سيرته رضي الله عنه موقفه قبل بدء غزوة بدر، فقد استشار محمد ﷺ أصحابه في الخروج إلى بدر لغزو المشركين، فسمع من أبي بكر وعمر والمقداد رضي الله عنهم وغيرهم، إلا أن الرسول ﷺ لا زال يقول: «ماذا ترون؟» كان ينتظر رداً من الأنصار؛ لأن مضامين الاتفاق بينه وبينهم أن يدافعوا عنه داخل المدينة، وبدر خارج المدينة، فقال سعد بن معاذ رضي الله عنه: يا رسول الله، إياّنا تريد؟ ثم قال: لقد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، فامض بنا يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجلاً واحداً، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا لصُبُرٌ في الحرب، صُدُقٌ في اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله، أهلّت كلمات سعد كالبشريات، وتألق وجه رسول الله ﷺ رضاً وسعادةً وغبطةً، فقال للجيش: “سيروا وأبشروا؛ فإن الله وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم”.

ومن سيرته رضي الله عنه موقفه من قبيلة غطفان، لما تحالفت مع قريش ويهود في موقعة الخندق، فلما خانت يهود وغدرت خاف ﷺ من غزوٍ محتوم على المدينة من داخلها، ففكر في أن يعزل (غطفان) من تحالفها مع قريش ويهدد، وفاوضهم على أن ينفضوا أيديهم من هذه الحرب ولهم لقاء ذلك ثلث ثمار المدينة، ورضيت غطفان بذلك العرض، فشاور ﷺ الأنصار، فتقدم سعد بن معاذ رضي الله عنه قائلاً: “يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء – يعني غطفان- على الشرك، وعبادة الأوثان، لا نعبد الله، ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا من مدينتا إلا قرىً أو بيعاً، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، ووالله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم”، وعلى الفور عدل رسول الله ﷺ عن رأيه، وأخبر زعماء غطفان أن أصحابه رفضوا مشروع المفاوضة، وأنه أقر رأيهم والتزموا به، ولبس المسلمون لباس الحرب، وخرج سعد حاملاً سيفه وهو يقول:

لبّث قليلاً يشهد الهيجا جمل ما أجملَ الموت إذا حان الأجل

ومن سيرته رضي الله عنه أنه أصيب في الخندق، فضرب له الرسول ﷺ خيمةً في المسجد ليعوده من قريب، وكان الجرح مؤلِماً وشديداً، وأحسّ سعد أن الموت منه قد دنا بسبب ذلكم الجرح فقال: “اللهم إن كنت قد أبقيت من حرب قريش فأبقني لها، فإنه لا قوم أحبَّ إلَيّ أن أجاهد من قوم آذوا رسولك، وكذبوه وأخرجوه، وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعل لي شهادة في سبيلك، ولا تُمتني حتى تقرّ عيني في بني قريظة”.

وقد وضع الله الحرب بين المسلمين وبين قريش، أما بنو قريظة فقد حاصرهم ﷺ وأصحابه ما يزيد عن خمسة وعشرين يوماً، ثم طلبوا أن يحكم فيهم سعد بن معاذ رضي الله عنه، فقد كان حليفهم في الجاهلية، فأتوا بسعد محمولاً على السرير، والرسول ﷺ يقول: ” قوموا لسيدكم ” ثم قال له: ” احكم يا سعد في بني قريظة ” فقال سعد: إني أرى أن يقتل مقاتلوهم، وتسبى ذراريهم، وتقسم أموالهم. فقال ﷺ: ” الله أكبر، لقد حكمت بحكم الله وحكم رسوله ” وهكذا لم يمت سعد حتى شُفي صدره من بني قريظة.

ومن سيرته رضي الله عنه أنه لما مات اهتز له عرش الرحمن، وفتحت لوفاته أبواب السماء، وشيّعه سبعون ألف ملك، لم يطؤوا الأرض قبل ذلكم اليوم، وكان عمره يوم مات ستةً وثلاثين عاماً، بمعنى أنه عاش في الإسلام ست سنوات فقط، صنع سعد ما صنع في ست سنوات، حتى اهتز لموته عرش الرحمن، فماذا صنعت أنا وإيّاك ؟!!

* ختاماً:

فإن من أعظم الدروس التي نستقيها من سيرة سعد بن معاذ رضي الله عنه، أن العمر ليس بالشهور والسنين، وإنما هو بالآثار الباقية والبصمات الشاهدة، وكلما كانت حياة أحدنا مع الله كلما كانت مليئةً بتلك الآثار والشواهد.

ومن الدروس أيضاً من سيرة سعد بن معاذ رضي الله عنه أنه بقيمة ما تقدمه لدينك وأمتك من جهدك ووقتك ونفسك ومالك وعلمك وعملك ودعوتك، تكون قيمتك عند الله أسمى وأعلى وأغلى.

ومن الدروس أيضاً أنه من تتبع سفاسف الأمور، وعاش بهمم الصغار، وتمثل بالقدوات الساقطة، كان من الخاسرين المنسيين.

قد هيؤوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهملِ

رضي الله عن سعد بن معاذ، وعن جميع الآل والصحب الأفذاذ، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم المآل.

 

صيد الفوائد

عن عبدالرحمن

شاهد أيضاً

m-kazar-almajali-55

“كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فساداً”

لا ينبغي للمسلم أن يجامل على حساب الحقائق القرآنية، ولو كان الواقع –فيما يبدو- معاكساً …