saree-3orai-1
الرئيسية / أقلام وآراء / رباط المقدسيين وثورة السوريين

رباط المقدسيين وثورة السوريين

تميّز رباط المقدسيين الأخير الذي كسر إرادة الكيان الصهيوني على المسجد الأقصى، وأزال إجراءات الصهاينة العدوانية على المسجد؛ بطابعه الشعبي العام، وأدواته التي لا تزيد على الجسد ذاته، بالصلاة والصمود في موقع الرباط حول بوابات المسجد الأقصى، ولاسيما باب الأسباط، مع قدرة هائلة على الضغط على العصب الصهيوني، وإمكانية توسيع الفاعلية بمحض الصمود.

وقد أخذت الأحداث تتسع فعلاً، إن بالمواجهات الشعبية بالضفة الغربية، أو بعملية طعن ناجحة نفّذها شاب فلسطيني من إحدى قرى رام الله بعد اقتحامه لواحدة من المستوطنات الصهيونية، ثم بدأت تمتد إلى بلاد عربية مجاورة، بما كان من شأنه أن يوجّه لطمة لكل جهود التطبيع الأخيرة ومحاولات ترتيب المنطقة وفق الأجندة الصهيونية، علماً بأن هذه الأحداث كلّها قد بدأت بعملية مسلّحة داخل المسجد الأقصى، ونفّذها ثلاثة شبّان قادمين من مدينة أم الفحم الواقعة دخل فلسطين المحتلة عام 1948م.

جوهر الفعل في هذه الحالة تمثّل في قدرة الفاعلين غير التقليديين -أي الجماهير العزلاء- على الحشد وفرض إرادتها، وهو جوهر ثابت في مجمل الكفاح الفلسطيبين ني، ولكنّه كان هذه المرّة أكثر عفوية من جهة التنظيم الشعبي، وتحرراً من إرادة الفاعلين التقليديين –أي الأنظمة والدول والحكومات-، وهو من هذه الجهّة، أي فاعلية الجماهير المتحررة من أي إرادة خارجية والقائمة بذاتها؛ يستدعي منطلق الثورات العربية عموماً التي بدأت على هذا النحو.

كانت الثورة السورية واحدة من أبرز تجليات قدرة الجماهير على الحشد والصمود، ابتداء من اقتلاع نفسها من أرض الخوف والرعب التي فرشها نظام البعث طوال العقود الأربعين الماضية، وتجاوز الذاكرة الدامية التي كبّلت السوريين، ثمّ الصمود الطويل طوال هذه السنوات من عمر الثورة.

صحيح أن الثورة السورية، قد دخلت على خطّها قوى كثيرة، لكن بدايتها كانت معجزة، بداية الحشد والاجتماع والصمود باللحم الحيّ أمام المدافع الرشاشة التي كانت تحصد الجماهير العزلاء، تلك الجماهير التي اعتمدت الجسد أداة وحيدة للنضال، بالتجمهر والمظاهرة والصلاة والهتاف والغناء.

وبالرغم من دخول قوى كثيرة، إقليمية ودولية على خط الثورة، فإنّ ذلك الدخول لم يغير جوهريّاً من حقيقة الخذلان التي طبعت السلوك العربي والإسلامي الرسميّ تجاه الثورة، ولا من المتاجرة بالثورة، كما حاولت دول عربية سرقة إنجاز المقدسيين والمتاجرة به.

والثورة السورية، إذ حافظت على ديمومتها، بالرغم أيضاً من كل التحولات التي طرأت في طريقها، أو غيرت من شكلها ومسارها؛ فإنّها بذلك كرّست واحداً من إنجازاتها، أي القدرة على الاستمرار، وأكّدت على فاعلية الجماهير إذا امتلكت الإرادة، وتسلّحت بالعزيمة والثبات والصمود.

وإن كان أهمّ درس متكرر في كل من انتصار المقدسيين الأخير، ومن الثورة السورية، بل ومن مجمل الثورات العربية، هو قدرة الجماهير على الفعل واقتراف الإنجازات ومغالبة العدم والافتقار للإمكانات الماديّة؛ فإن البناء على هذا الدرس ممكن بفضل هذه الإرادة.

من جهة يجدد هذا الدرس المتكرر الروح المعنوية، ويدافع روح اليأس، فالانكسارات في الطريق لا تعني انعدام القدرة على الفعل أو على تجديده أو نهاية التاريخ، وطالما أن الأمر كذلك، فإن الفلسطينيين يمكنهم الاستفادة من تجربة الرباط الأخير حول أسوار المسجد الأقصى لتطوير أشكال كفاحية جديدة، في الضفة الغربية، وربما بقية أماكن الوجود الفلسطيني، تراعي التغيرات التي طرأت على الاجتماع والسياسة في الحالة الفلسطينية، وأما سوريّاً، وقد جرت مياه كثيرة أسفل جسر الثورة، فإن ممكنات التصحيح والمراجعة ستظلّ قائمة ما دامت الجماهير موجودة.

وأخيراً، فإن ذلك كلّه يحدث في الشام، وفي القلب منها بيت المقدس، في ظرف يتكثّف فيه الزمن، وكأن القدر يسفر عن إرادته، “ولكنكم تستعجلون”.

عن ساري عرابي

wavatar
كاتب فلسطيني

شاهد أيضاً

mo3th-alssarraj-1

الإسلاميون ومسألة العنف: هوامش حول دراسة وايزمان “سعيد حوى والإحياء الإسلامي في سوريا البعث”

في ملاحظاتي على الدراسة التي أعدها البروفيسور اسحاق وايزمان تحت عنوان “سعيد حوى والإحياء الإسلامي …