m-kazar-almajali-40
الرئيسية / فكر ودعوة / ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير

ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير

أمة الإسلام أمّة حية إيجابية، أفراداً ومجتمعات، الإيمان فيها يدفع صاحبه إلى المسؤولية والعطاء والحب لمجتمعه وأمته، فلا ينطوي أحدنا على نفسه ويقول بأنه لن يتدخل في شؤون غيره، ولا تهمه إلا مصلحته لأن الله تعالى قال: “عليكم أنفسكم”، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”، فهو يفهم مسؤوليته في هذه الحياة، وينأى بنفسه بأن يكون أنانياً، ويفهم النصوص القرآنية والنبوية بشكل صحيح.

يفهم أحدنا قول الله تعالى: “يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم” خطأ، فيظن أن النص يأمره بالإعراض عن الآخرين ما دام الله قد هداه، فلا يتدخلن في شؤون غيره! وهذا فهم عجيب، فالمعنى الصحيح هو أن يدعو الإنسان الآخرين، فإن أصروا على موقفهم فهنا لا يتحمل المسؤولية لأنه بلّغهم وأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر، وحينها لا يضره كفر هؤلاء أو ضلالهم أو معاصيهم لأنه قام بواجب النصح والدعوة، ولا يمنعه هذا من الكرّة الثانية والثالثة، ولا ييأس.

ويفهم أحدنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: “من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”، بأن لا ينصح أو يدعو ابتداء، ظناً منه أن هذا تدخّل في شؤون غيره، والحقيقة أن النص يتحدث عن التدخل في مسائل جانبية هي من باب الفضول، فيعفّ عنها ويترفع عنها، ولا يدسّ أنفه فيها، أما مسألة النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهي مهمة مفيدة للطرفين، فكلنا بحاجة إلى نصح وتوجيه، بالأسلوب الحسن والنيّة الصافية الخالصة لله تعالى.

أمتنا أمة حية، وهي أمة المسؤولية لأن الله تعالى يقول: “ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون”، و(من) هنا ليست تبعيضية بأن يكون جزء من الأمة مسؤولاً، بل هي بيانية، بمعنى (كونوا أمة تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر..)، وفي هذا التوجيه ما فيه من تربية روح المسؤولية، ومن التعاون بين أفراد المجتمع، والتراحم فيما بينهم، فالله يوجهنا أن نكون دعاة إلى الخير، ولن يكون أحدنا داعية إلى الخير مُصلِحاً إلا إن كان صالحاً في نفسه متفاعلاً مع قضايا مجتمعه وأمته، ومجتمع بهذه المسؤولية لا يمكن أن يُهزَم، فضلاً عن أن تصيبه الآفات، لأنه مجتمع حيّ معافى.

الأصل في الدول والحكومات أن ترعى جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله، وأن تكون المؤسسات الدينية راعية للشأن الديني مرغِّبة فيه لا منفِّرة عنه أو معيقة لنشره، ولا بأن تضع العراقيل أمام توجه الشباب لدراسة العلم الشرعي مثلاً، كأن ترفع معدل دراسة العلم الشرعي، أو تكون رواتب الوظائف الدينية أدنى من غيرها، أو حتى نظرة المجتمع إلى الوظائف الدينية نظرة فيها ازدراء واحتقار، ولا تكون الرعاية الحقيقية لهؤلاء، وهم من أهم الأفراد العاملين في المجتمع لطبيعة العلاقة الروحية بينهم وبين الأفراد.

الناس متدينون في العموم، وهناك كثير من الشبهات والانحرافات التي تؤثر فيهم، فطبيعة العصر من جهة، وشدة وطأة أعدائنا وتفننهم في غزونا ثقافياً وأخلاقياً وقيمياً أدت إلى تغيرات كثيرة متطرفة، في نوعي التطرف، حيث التشدد والإفراط، أو التهرّب من الدين والتفريط فيه. وهذا يستدعي وجود الدعاة المؤهلين المُصلحين، بأن نكثّرهم لا بأن نضيّق عليهم أو نقلل عددهم.

يقول الله تعالى: “فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم، واتبع الذين ظلموا ما أُترفوا فيه وكانوا مجرمين”، وقد جاءت هذه الآية في سورة هود التي تخصصت بقصص الأقوام العتاة الظلمة، وقد قص الله تعالى علينا كيفية إهلاكهم، فقال تعالى: “وكذلك أخْذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة، إن أخذه أليم شديد”، فكانت خاتمة السورة في غاية التحذير من سلوك منهج الظالمين المجرمين، أو ترك هؤلاء بلا دعوة ونصح، فحينها يعم العذابُ الجميعَ، فيقول الله إنه لو كان في تلك الأقوام المُهْلَكة مَن ينهى عن الفساد والمنكر لما حل بهم ما حل من العذاب، وهنا يوجه الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم وأمته: “فاستقم كما أُمِرت ومن تاب معك ولا تطغَوا إنه بما تعملون بصير. ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تُنصَرون. وأقم الصلاة طرفي النهار وزُلَفا من الليل، إن الحسنات يُذْهبن السيئات، ذلك ذكرى للذاكرين. واصبر فإن الله لا يُضيع أجر المحسنين. فلولا كان من القرون..”، وهي إرشادات في غاية الروعة، حيث الاستقامة والولاء الخالص لله والصلاة والصبر، وهي أمور تؤدي بصاحبها إلى مرتبة الإحسان.

مطلوب من الأمة أن تحافظ على كيانها الوجودي القوي المتين المتماسك، وذلك بتوثيق عرى العلاقة مع الله تعالى، وهذا لا بد له من متخصصين مرشدين هداة دعاة، إضافة إلى ضرورة وجود التخصصات الأخرى كافة التي تسهم في حضارة أي أمّة، وكما بينت فوجود الدعاة حائل بين الناس وعذاب الله، وحائل بينهم وبين الانحراف والتطرف الذي سيحدث لا محالة إن غاب المصلحون الحقيقيون، لأن الناس ستلجأ إلى جهّال فيسألونهم، فيضلوهم عن الجادة والطريق الصحيح، وهنا يحدث ما لا تُحمد عقباه.

إن وجود التديّن والمتديّنين والدعاة وفق المنهج السليم هو علامة إيجابية صحية، وغياب ذلك أو تغييبه هو جهل وحماقة، وسيذكر التاريخ أفعالهم الشنيعة وجرأتهم على الدين والنتائج المقابلة لذلك حيث ترك فسحة للإلحاد واللاتدين والانفلات من الدين، وهنا يحل عذاب الله، ولن يختص بالمجرمين فقط، بل يعم الجميع ويُبعثوا على نيّاتهم، فاللهم سلّم واحفظ بلادنا من سفهاء الأحلام وجهلهم، فخطرهم لا يقل عن المتطرفين، وكلهم بلاء.

الغد الأردنية

عن أ. د. محمد خازر المجالي

wavatar
كاتب وأكاديمي وداعية إسلامي أردني

شاهد أيضاً

mo3th-alssarraj-1

الإسلاميون ومسألة العنف: هوامش حول دراسة وايزمان “سعيد حوى والإحياء الإسلامي في سوريا البعث”

في ملاحظاتي على الدراسة التي أعدها البروفيسور اسحاق وايزمان تحت عنوان “سعيد حوى والإحياء الإسلامي …