deranya381
الرئيسية / أقلام وآراء / تحديات الأستانة

تحديات الأستانة

ذهب مَن ذهب إلى الأستانة -منذ الجولة الأولى وفيما بعدها- تحت الضغط والاضطرار وليس من باب السعة والاختيار، فمَن شارك تأوّلَ لمشاركته ومَن قاطع تأوّلَ لمقاطعته، ومع كلٍّ من الفريقين قَدْرٌ من الخطأ وقدر من الصواب، وأرجو أنهم جميعاً صادقون مخلصون استنفدوا الجهد لرفع البلاء عن الناس وتحصيل ما يمكن تحصيله من مصالح، فإنهم يستحقون الشكر الصادق كما يستحقون النصح الصادق، بلا لوم ولا تخوين وبلا تسليم مطلق ومتابعة عمياء.

*   *   *

فلنتذكر أمراً في غاية الأهمية ونحن نقترب من جولة جديدة خطيرة من جولات الأستانة: لقد كانت الأستانة خيار الاضطرار كما أسلفت قبل قليل، وإنّ مِن لوازم وتبعات الاضطرارِ الاقتصارُ والاختصار.

فلو أن امرءاً شارف على الموت حَلَّت له الميتة بلا خلاف، بل وجب عليه الأكل منها وجوباً ويأثم لو لم يفعل لأنه مكلَّف بحفظ النفس ما استطاع، لكنه لو وجد جيفةَ عجلٍ لم يَجُزْ له أن يقطّعها ويفرّمها ويتبّلها ويبهّرها ثم يجهّز منها وليمة عظيمة يأكل منها عامةَ يومه ويدعو إليها الجيران والأصحاب! إنما يأكل منها لُقَيمات يُنقِذْنَه من الموت ريثما يتيسر له المأكل الطيب الحلال.

هذه القاعدة هي ذاتها التي ينبغي علينا استصحابها ونحن ننتقل من جولة إلى جولة من تلك المفاوضات التي يعرف عدونا إلى أين تمضي، فيما يبدو أننا نذهب إليها كل مرة بلا مطالب ولا أهداف، وبلا سقف نثبته فلا ننزل دونه. النتيجة أقرب إلى المأساة: مع كل جولة من الجولات نقدم بعض التنازلات أو نسكت عن خروقات فاحشة لاتفاقات سابقة، فينزل سقفنا درجة، فما يزال السقف ينزل مع كل جولة درجةً حتى كاد ينطبق السقف على الأرض فنخسر كل شيء لا قدّر الله.

*   *   *

إن أكبر مخاطر وتحديات هذا المسار الذي سلكناه مضطرين هو أن نقبل بتحويله من علاج مؤقت إلى حل دائم، أو إلى بوابة لحل دائم يُنهي الثورة لمصلحة نظام الاحتلال الأسدي الطائفي. ومن مخاطره وتحدياته الكبيرة أن نقبل بتجزئة العلاج، فتعقد كل منطقة اتفاقاً منفرداً بمعزل عن المناطق الأخرى. ومن مخاطره وتحدياته الكبيرة أن ترضى أي منطقة بعقد اتفاق منفرد مع الروس بغياب الحضور والضمان التركي.

ذلك أن لروسيا مشروعها في سوريا كما أن لإيران مشروعها، ولن نقول إن كل واحدة منهما تقدّم مشروعها على مشروع الثورة، بل إنها تقدمه على مشروع النظام نفسه. وقد رأينا كيف غدرت روسيا بتركيا بعد الجولة الخامسة من مباحثات الأستانة وأبرمت صفقات مباشرة مع أمريكا، فإذا لم تكن روسيا وفيّة لاتفاقها مع تركيا القوية فمن أين نرجو أن تكون وفية لاتفاقها مع ثورتنا الضعيفة المنهَكة؟

*   *   *

على أنّ أكبر المخاطر وأسوأها على الإطلاق هو تحوّلُ مؤتمرات الأستانة من بوابة حل عسكري ميداني مؤقت محدود إلى بوابة حل سياسي دائم شامل، بعيداً عن مسار جنيف وبديلاً له، وتحت المظلة الروسية الإيرانية بدلاً من المظلة الدولية الأممية. ليس لأن مقررات جنيف هي الحل الأمثل الذي كنا نتمناه لثورتنا، بل لأنها تقدم الحد الأدنى الذي لا يمكن اعتبار الثورة ناجحة دونه.

الذي فهمناه أن أستانة تقتصر على تثبيت وقف إطلاق النار وتحديد “مناطق خفض التوتر” وتأمين وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المحاصَرة، وهذه الإجراءات تدخل في باب “الهدنة المؤقتة” لا في باب المصالحة الدائمة مع نظام الأسد، ولا ينبغي أن تحتكر المسار التفاوضي وتعزل عنه مكونات الثورة السياسية الأخرى، ولا يجوز أن تتطور إلى مشروع كامل يفرض دستوراً جديداً ومصالحة وطنية وتسوية سياسية شاملة.

*   *   *

يا أيها المفاوضون في الأستانة وفي جنيف: اعلموا أن الطريق طويل وأن العدو مَكيث خبيث، فواجهوه بسلاحه، بالصبر والأناة والرأي وحسن التدبير. وفقكم الله إلى ما فيه الخير لسوريا وشعبها الصابر وثورتها العظيمة.

عن مجاهد مأمون ديرانية

wavatar
كاتب سوري

شاهد أيضاً

fares151

القيم العليا: مفهومها، وكيف نغرسها في نفوس أبنائنا

نذكّر أولاً بأن للتربية ثلاثة جوانب يكمّل بعضها بعضاً: 1- التربية العقلية والمعرفية 2- التربية …