m-kazar-almajali-44
الرئيسية / فكر ودعوة / “ما علمت لكم من إله غيري”

“ما علمت لكم من إله غيري”

هي مقولة فرعون لقومه، حين استخفهم فأطاعوه، لينكر على موسى عليه الصلاة والسلام دعوته إلى توحيد الله تعالى، فنادى فرعون في قومه أنه ما علم لهم من إله غيره، بل تحداهم باستخفاف وطغيان وكبر: “وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى فَأَوْقِدْ لِى ياهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّى صَرْحاً لَّعَلِّى أَطَّلِعُ إِلَى إِلهِ مُوسَى وَإِنِّى لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَذِبِينَ”، وهي حالة الاستبداد التي تعتري جهة الحكم (الأوطان، المؤسسات، الأسرة، إلخ)، لسبب ما، يساعده في ذلك الملأ الذين خصهم النص هنا بالذكر، كي يعينوه على تبني هواه وأفكاره، ليأتي العامة بعد ذلك في أقسامهم المعتادة، وهكذا يكون فساد الناس والأوطان، حين لا يكون الحق، ولا يكون من يدعو إلى الحق، وحين يغيب العلماء أو يُغَيَّبوا، فهم صِمام أمان للمجتمعات، لا لشيء إلا أنهم أقرب من غيرهم إلى حيث منهج السماء الأرقى والأبعد عن الأهواء، والأنقى من أن تدركه مصالح البشر، بل هو الذي يراعي بحق مصالح البشر، فالشريعة خير كلها، جاءت لدرء مفاسد وجلب مصالح، ومن أحسن من الله حكماً!؟ ومن أحسن من الله قيلاً!؟

وكنا نظن إلى عهد قريب أن نموذج فرعون لم يتكرر عبر التاريخ حتى ضُرِب به المثل في الطغيان، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصف أبا جهل بأنه (فرعون هذه الأمة)، لشدة طغيانه وهيمنته على عدد كبير من قريش فأوردهم موارد الهلاك، ولكننا سمعنا وقرأنا ورأينا نماذج ربما يكون فرعون (في غير معتقده) أفضل منهم جميعا، قتلا وفتكا وفتنة، وهي أمور –بلا شك- شاءها الله تعالى حين تمر البشرية بحالة من الإغفاءة والفتور، حين تسكت على الظلم والطغيان، ولا تقول للظالم كفى، ولا تقول لأصحاب الأهواء حسبكم مكانكم، فهناك بشر من حقهم العيش الكريم، وإننا جميعاً بشر من ذكر وأنثى، ليس بيننا فرق إلا بالتقوى.

وكنا نظن أن مثل هذه النماذج الفرعونية بعيدة كل البعد عن الإسلام نفسه، حتى وجدنا في تاريخنا وحاضرنا نماذج ربما أيضاً يضعف معها نموذج فرعون، فعلى الأقل أعلنها فرعون صراحة، وهي كلمة كفر واضحة، لكن غيره يقولها في سره، ويدفع الملأ حوله لتعميقها وتطبيقها، ويستأجر علماء يزيفون الدين لصالح الحاكم، خاصة موضوع الطاعة، فالحق والعدل والنظر العميق والفهم وعلم ما يصلح للناس هو بيد وعقل ذاك الحاكم، وأي تشكيك في ذلك فهو مؤامرة وتعدٍ وانتقاص من هيبة الحاكم، وهكذا تختلط الأمور، وتضيع الحقوق، ويُستَعْبَد الناس من حيث يدرون ولا يدرون.

في قراءة سريعة لكل نماذج الطغيان عبر التاريخ، حتى في أوروبا، حين تجبرت الكنيسة وظلمت وقهرت العلماء، بل قتلتهم، فإنه خلل المعادلة إياه، حين لا يعرف كلٌ حدَّه، فللشعب حقوقه، وللحاكم حقوقه، والعلماء يرشِّدون المسيرة، فإن وقع خلل ما، حصل ما يعكّر الصفو ويجلب الخلل، وبالتالي انشغال الناس عموما بما يضرهم ولا يصلحهم.

الحاكم العاقل هو الذي يحرص على أن يكون شعبه حراً ناصحاً متفاعلاً مع قضايا وطنه، فالكل شركاء في المسؤولية، والكل يكمّل بعضهم بعضا، وإذا ساد العدل فهو أساس الحكم، وحينها يؤيد الله الدولة العادلة مهما كانت مرجعيتها، ولا يؤيد الدولة الظالمة مهما كانت مرجعيتها، ولو إسلاماً مزعوماً، وإلا فلا ظلم مع الإسلام أو مع الدين الحق عموماً، وحين تُحترم حقوق الإنسان التي أكدها الإسلام فحينها يكون حسن الانتماء والمواطنة الصالحة الإيجابية، التي يرتاح حينها الجميع بسببها، فالكل حريص على وطنه وأمنه ونظامه، طاعة يبتغي معها أجراً، وانتماء هو في أساسه عبادة قبل أن يكون مظاهر تخفي في طياتها كثيراً من التلوّن والنفاق والريبة، مما لا نرضاه لأوطاننا وشعوبنا.

تقدمت معظم شعوب العالم وبقيت شعوب منها العرب على وجه التحديد يراوحون مظاهر العمران والمدنية الزائفة، ويرزح معظمهم تحت خط الفقر، والمبكي أن بعضهم استخدم الدين وسيلة لترسيخ الظلم والركود والصبر السلبي الذي لا يوافق الأخذ بالأسباب، ومفهوم الزهد الذي تشوّه وأفسد الحياة، حين ظن بعضهم طلاق الدنيا هو نيلٌ للآخرة، فخسرنا الأمرين معاً حين نسينا أن الله جعلنا خلفاء في الأرض واستعمرنا فيها، وحين حثنا على القوة بأنواعها والقيام بأمر الله تعالى، وموضوع الآخرة بناء على ما قدمنا لا ما تمنينا.

بإمكان الجميع أن ينهض لو تتحرر الإرادة، ونعيش الاستقلال الفعلي بقراراتنا ومرجعيتنا القيمية الهائلة، ومعها الفكر السليم والتجارب الكثيرة التي مر بها الناس، وتبدأ المسألة بأن يعرف كل إنسان ذاته وحدوده وحقوقه، وأنه مكرَّم حر عضو في مجتمعه، فلا فرق بين هذا وذاك، ولو ظلمك المجتمع فسر في المنهج الصحيح، ولا تيأس ما دمت مع الله، فلن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً، ولن يدوم الظلم ما دام هناك من يسعى إلى التغيير، فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

وظننا أن نموذج فرعون لا يكون إلا في الحكم والولاية العظمى، لنجد فراعنة كثراً في مؤسساتهم ومسؤولياتهم، حتى في بيوتهم مع زوجاتهم وأولادهم، فالرأي رأيه، وهو الأفهم والأحرص والأقدر، يرى بنور الله ويحكم بأمر الله، لا رأي إلا رأيه، مع أنه جُرّب وأثبت فشله، لكنه وحيد عصره وفريد دهره، وربما يضيف لك بعضهم (قدَّس الله سره ونفعنا ببركته)، وهكذا تضيع شعوب ومجتمعات في المجاملات والاحترام الكاذب، على حساب المصالح الحقيقية للشعوب والمؤسسات والأوطان.

الطغيان منهج بشري لا ينتهي إلا بالفهم والوعي، وحين يدرك أحدنا أبسط ما يراه كل يوم وهو الرحيل عن هذه الدنيا، فلم تدم لأحد، وليس انتهاؤها نهاية كل شيء، بل بعدها بعث وحشر وحساب، ولو استشعر كل واحد موقفه بين يدي الله، لهان عليه أن يحاسب نفسه في الدنيا قبل الآخرة، فلنعقلها قبل أن يحل بنا ما حل بفرعون نفسه حين أدركه الغرق وقال: “آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا “إسرائيل” وأنا من المسلمين”.

الغد الأردنية

عن أ. د. محمد خازر المجالي

wavatar
كاتب وأكاديمي وداعية إسلامي أردني

شاهد أيضاً

7essen-abdelazeez-70

موقع الرقة في معادلة الصراع السوري

لا شك أن هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في الرقة تشكل تحولاً مهماً على صعيد موازين …