m-kazar-almajali-49
الرئيسية / فكر ودعوة / “فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون”

“فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون”

عجيب شأن الكفر الممزوج بالكبر والعناد، حين تكون الآيات البينات دليلاً صارخاً على صدق النبي –أي نبي- ومع ذلك يعاند ويكابر، ويأبى إلا أن يتبع هواه، ولا يخطر ببال الإنسان حينها إلا مصالحه وهواه وشأنه الآني، ولا يسمح لنفسه أن يفكّر بعيداً عن ضوضاء المجموعة، لعله يهتدي أو يستنير، ولكنه يبقى أسير أهواء وتقاليد وأفكار، يرضي بها الشيطان ونفسه المكابرة العنيدة.

في قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام في سورة الأنبياء ما يثير كوامن النفوس، أنْ كيف لهؤلاء بعد أن نطقوا بأنفسهم عبارات الشك التي ربما تفتح لهم باب المراجعة الصادقة مع النفس، ومع ذلك أبوا إلا اتباع الباطل والدفاع عنه، هكذا ينتكس الإنسان حين يتخندق وراء أفكار بشرية مشوّهة، ويأبى الارتقاء أو على الأقل التفكير السليم، ليقوده إلى الهدى، ويرضى لنفسه الضلال المبين، وهو يعرف أنه يعيش في ضلال.

يقول الله تعالى: “ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالِمين، إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين، قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين، قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين؟ قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين، وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين، فجعلهم جذاذاً إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون، قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين، قالوا سمعنا فتى يذكرهم يُقال له إبراهيم، قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون، قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون، فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون، ثم نُكِسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون، قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم، أفٍ لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون، قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين، قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم، وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين، ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين”.

هو نبي وصفه الله هنا بالرشد، وللرشد دلالته العقلية والسلوكية، فلم يكن متهوراً، بل جمع الغيرة على الدين والأسلوب المنطقي في الحوار، فسأل أباه وقومه عن هذه التماثيل التي يعبدونها، فكان الجواب أنه فعل الآباء والأجداد، فصارحهم بأنهم جميعا في ضلال مبين، فكيف تعبدونها من دون خالق السماوات والأرض! فواجهوه: هل هو من اللاعبين أم معه دليل، هنا صمم إبراهيم عليه الصلاة والسلام على إقامة الحجة العقلية المقترنة بأمر يحرك مشاعرهم جميعاً، فحطم الأصنام إلا كبيرهم، ولما عادوا ورأوا الكارثة قالوا من فعلها؟ وأجيب بأنه إبراهيم، فاستدعوه للسؤال والعقاب، هل أنت فعلت هذا بآلهتنا؟ فأجابهم بأن الذي فعلها هذا الصنم الكبير، فاسألوها لعلها تجيبكم، هنا كانت الصدمة وإقامة الحجة عليهم، فصرحوا بما في أنفسهم وأنهم ظالمون، ولكن سرعان ما انتكسوا وعاندوا فقالوا إنها لا تنطق، هنا استغل إبراهيم كلامهم وبنى عليه الحجة من جديد، أنْ كيف تعبدون من دون الله من لا ينفعكم ولا يضركم، ولماذا لا تعقلوا وتفكروا؟ هنا ساد الحمق والعناد، فطلبوا عقوبته بالنار، ولكن هيهات، فقد نجاه الله تعالى منها وجعلها بردا وسلاما عليه، وهو مسبب الأسباب سبحانه، فرد الله كيدهم وجعلهم الأخسرين، ونجاه الله تعالى إلى الأرض المباركة، ليبدأ رحلة الدعوة مرة أخرى هناك.

وهنا وقفات، منها أنه لا بد للحق من قوة منطق وحجة، فإن كان أصحاب الحق مجردين من البرهان والحجة فدعوتهم ومواقفهم ناقصة، وهو درس للدعاة لا بد من فهمه. ومنها هذه الجرأة في الخطاب والإقناع، فإبراهيم لم يتردد ويخف، بل كان في قمة اعتماده وتوكله على الله تعالى، فلم يكن طائشا عندما سأل أباه وقومه عن هذه التماثيل، بل كان دقيقا صريحا في الانتقاد.

ومنها أنه عليه الصلاة والسلام لما صمم على تحطيم أصنامهم فقد أراد محاجتهم واستثارة مكنونات نفوسهم بهذه الفعلة، فهم قوم سُذّج فنال من آلهتهم ليقيم عليهم الحجة من الآلهة المزعومة إياها، فرأوا ما حل بها، وهنا كانت أجواء الحوار العام على أعين الناس، حيث وقعوا بما كانوا يحذرون، تماماً كأصحاب الأخدود، فكان الحوار المنطقي من جهته، الغوغائي من جهتهم، فهم أنفسهم لم يصدقوا أن هذا الصنم الكبير فعلها، وهذه الآلهة المزعومة لم تدافع عن نفسها، فكيف يعبدونها؟ وهنا دلالة كلمة (الظلم) حيث وضع الشيء في غير مكانه، ونُكسوا على أنفسهم فقالوا صراحة: لقد علمت ما هؤلاء ينطقون، وهنا استغل إبراهيم اللحظة فعاتبهم لماذا يعبدون ما لا ينفعهم ولا يضرهم؟ ولكن، لأن الكفر عناد وكفر، فقد صمموا على عقابه بالحرق، وتدخلت عناية الله تعالى فأنجاه.

ليس هذا هو الموضع الوحيد الذي تقام فيه الحجة على الغوغائيين من الكفار والمشركين، فكل نبي معه من المعجزات ما يؤيد صدقه، والمعجزة أمر خارق لا يستطيعونه، فبدل الإيمان المباشر –كما كان شأن سحرة فرعون وهم أهل الصنعة والدراية- كان الكفر والعناد والكبر.

هو الجواب الواضح على سلوك هؤلاء جميعاً الذين آذوا الأنبياء والرسل رغم وضوح الحجة، فلا يريد الطغاة أن يسلبهم الحقُّ مجدهم ومصالحهم وجاههم ومالهم، هم يعرفون في قرارة أنفسهم صدق النبي وأتباع النبي (أي نبي)، ولكنه الكبر والعناد والمصالح الآنية الزائلة، قليل من هؤلاء من يرى بعين الحق، ولكن الكثير هم الماضون بغيهم وضلالهم، فلم يلامس الإيمان قلوبهم، ولا يفكرون حتى بأمر الآخرة، فشأنهم دنيوي فقط.

دعوة لغير المسلم وللمسلم البعيد عن الحق والالتزام أن نرى ببصائرنا، ونتفكر في شأن الله تعالى بعيداً عن غوغائية المجموعة، وكلنا راحل عن الدنيا، ولا بد هناك مصير ينتظر الجميع، والكيّس من أبصر وتفكر واعتبر.

الغد الأردنية

عن أ. د. محمد خازر المجالي

wavatar
كاتب وأكاديمي وداعية إسلامي أردني

شاهد أيضاً

fares151

القيم العليا: مفهومها، وكيف نغرسها في نفوس أبنائنا

نذكّر أولاً بأن للتربية ثلاثة جوانب يكمّل بعضها بعضاً: 1- التربية العقلية والمعرفية 2- التربية …