m-kazar-almajali-44
الرئيسية / فكر ودعوة / “ما ذئبان جائعان أُرسِلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه”

“ما ذئبان جائعان أُرسِلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه”

حديث صحيح يرويه الإمام أحمد، وفيه إرشاد من الرسول صلى الله عليه وسلم لنا أن نتنبه لبابين عظيمين يفسدان دين المرء، شدة الحرص على طلب المال وطلب الشرف والشهرة، فإن كان الحرص ولا بد، ففي طلب الدين وما يقرّب إلى الله تعالى ويزيد في حسناته، ولا يتحدث النبي صلى الله عليه وسلم هنا عن الحرص على طلب هذين الأمرين بالحرام، بل بالحلال، ولكن المذموم هنا الحرص عليهما، والتركيز عليهما دون أمور الدين الحقيقية التي حث عليها الشرع، حيث ميادين الطاعة، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

قد تبدو الخصلة الأولى واضحة، وهي الحرص على طلب المال، وهو أحد شقي زينة الحياة الدنيا: “المال والبنون زينة الحياة الدنيا”، ولا مانع من السعي لطلب المال عموما، فاستعمار الأرض الذي طلبه الله منا ينبني على طلب المال واستثماره، ولا ننسى أن من الأمور التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة إضافة للمؤاخاة بين المسلمين وكتابة ميثاق أهل المدينة وبناء المسجد، فإنه بنى السوق حتى لا يكون حكراً بيد يهود، وهنا لا بد من تصحيح مفهوم الزهد، فليس في طلاق الدنيا حتى نكون عالة على غيرنا، بل باستثمار كل الطاقات الممكنة، ولا شك أن الاقتصاد عموما من أهم عوامل رخاء الأمم ونهضتها وقوتها، ولكن الحديث النبوي هنا يتحدث عن حالة خاصة، هي الحرص والشَرَه وما ينتج عنهما من بخل وكبر وطغيان، وربما يقود هذا إلى استحلال طلب المال بالحرام، وهو الأمر الذي يخشاه كل مؤمن.

ومن ضمن معاني الحرص على المال شدة محبته مع شدة طلبه والمبالغة في ذلك إلى درجة إجهاد النفس وإضاعة الوقت، كل ذلك على حساب أمور وواجبات أخرى قد تفسدها أو تقصِّر فيها، وفي هذا يقول الشاعر:

وَمَنْ يُنْفِقِ الأَيَّامَ فِي جَمْعِ مَالِهِ       مَخَافَةَ فَقْرٍ فَالَّذِي فَعَلَ الفَقْر

وَلَا تَحْسَبَنَّ الفَقْرَ فَقْراً مِنَ الغِنَى    وَلَكِنَّ فَقْرَ الدِّينِ مِنْ أَعْظَمِ الفَقْرِ

وهنا نستذكر قول الله تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم: “إِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالشُّحِّ، أَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا”، والشح هو الحرص الشديد الذي يحمل صاحبه على أن يأخذ الأشياء ولو بالحرام، ويمنعها حقوقها، وحقيقته أن تتشوف النفس إلى ما حرم الله، وأن لا يقنع الإنسان بما أحل الله له.

أما النوع الثاني الذي حذر الرسول صلى الله عليه وسلم منه فهو حرص المرء على الشرف، وهذا لا يقل خطورة عن الحرص على المال، ومرة أخرى فليس الذم في طلب الشرف بذاته، بل الحرص على ذلك، ففي ظلال كلمة الحرص ما فيها من اتباع سبل ملتوية ونفاق وتبذّل وبيع للدين في سبيل طلب الشهرة والمنصب، ولهذا فإن طلب شرف الدنيا والرفعة فيها، والرياسة على الناس، والعلو في الأرض، أضر على العبد من طلب المال، والزهد فيه أصعب، سواء شرف المسؤولية والحكم، وهذا غالبا يمنع خير الآخرة وشرفها وكرامتها، كما قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين﴾، ويقول صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة: “لا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ، فَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا”.

أم الجاه والعلو على الناس بالأمور الدينية كالعلم والعمل والزهد، فهذه يُطلب بها ما عند الله تعالى، قال سفيان الثوري: إنما فُضِّل العلم لأنه يُتقى به الله، وإلا كان كسائر الأشياء. ومن هنا فلا يجوز طلب العلم من أجل المال، قال صلى الله عليه وسلم قال: “مَنْ تَعَلَّمَ عِلْماً مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ، لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضاً مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ – يَعْنِي رِيحَهَا”، ومن يطلب بالعمل، والعلم، والزهد، الرئاسة على الخلق والتعاظم عليهم، وأن ينقاد الخلق ويخضعوا له ويصرفوا وجوههم إليه، وأن يظهر للناس زيادة علمه على العلماء، أو ليعلو به عليهم ونحو ذلك، فهذا من أخطر الأنواع، وربما ينطبق عليه قول الله تعالى: “قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً”، فهؤلاء سيدخل في نفوسهم شعور التكبر على الخلق، وهذا في نفسه محرم، فكيف إذا استُعمِل فيه مظهر الدين، فهو أقبح وأفحش، قال صلى الله عليه وسلـم: “مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّار”.

وعجيب فعل بعض هؤلاء حين يكون طلبهم للعلم ومحاولتهم إظهار الزهد وسيلة لاستغفال الناس العوام حتى يلتمسوا بركته ودعاءه وتقبيل يده، وهو يرغب بهذا ويفرح له ويسعى من أجله، وقد ورد عن بعض العلماء أنهم كانوا يهربون من الشهرة وهم لم يطلبوها، فكيف بمن طلبها! فهذا سفيان الثوري وأحمد والنخعي وغيرهم يفرون من مواطن الشهرة، فإذا عُرفوا في مكان ارتحلوا عنه، وكان خالد بن معدان إذا كثرت حلقته قام مخافة الشهرة، وورد عن الإمام أحمد بن حنبل قوله: (أريد أن أكون في شِعبٍ بمكة حتى لا أُعرَف، قد بُليت بالشهرة)، وكان كثير من السلف يكره أن يُطلب منه الدعاء فيقول لمن يسأله الدعاء: أي شيء أنا؟

وفي هذا كله ما يدعونا إلى التواضع في الأحوال كلها، وأداء حق الله تعالى، خاصة المال، ولا يستعظمن أحدٌ نفسه، فنحن مساكين فقراء إلى الله تعالى، ومرة أخرى لا يعني هذا أن يأخذ أحدنا بأسباب القوة والنهضة والرقي، ولكن من دون حرص، وهي الكلمة التي وردت في حديثه صلى الله عليه وسلم.

الغد الأردنية

عن أ. د. محمد خازر المجالي

wavatar
كاتب وأكاديمي وداعية إسلامي أردني

شاهد أيضاً

7essen-abdelazeez-70

موقع الرقة في معادلة الصراع السوري

لا شك أن هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في الرقة تشكل تحولاً مهماً على صعيد موازين …