m-kazar-almajali-47
الرئيسية / فكر ودعوة / “وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد”

“وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد”

هي مفارقة عجيبة، أن يحث المشركون أنفسهم على التحمّل والصبر، فما يقال في حق الآلهة إنما هو شيء مُدَبَّر، وفي المقابل –في زمننا- نجد مسألة التهرّب من الدين الحق ومستلزماته عند فئة من المسلمين أمراً عادياً، قد نفهمه من قِبَل أعداء الدين، ولكن الطامة الكبرى أن تُقتَرَف جريمة تهوين الدين واستصغاره من قِبَل المسلمين أنفسهم، وربما ممن هم محسوبون على أهل العلم!

هي افتتاحية سورة (ص)، يقول تعالى: “ص والقرآن ذي الذكر، بل الذين كفروا في عزة وشقاق، كم أهلكنا قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص، وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذّاب، أجعل الآلهة إلهاً واحداً؟ إن هذا لشيء عُجاب، وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يُراد، ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق، ءأُنزل عليه الذكر من بيننا؟ بل هم في شك من ذكري، بل لما يذوقوا عذاب”.

تذكر غالبية كتب التفسير (ومنها تفسير ابن عطية) أن الآيات نزلت في أشراف قريش، وذلك حين مرض أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم، فتحاوروا فيما بينهم وقالوا إن من القبيح علينا أن يموت أبو طالب ونؤذي محمدا بعده فيقول العرب: تركوه مدة عمّه فلما مات آذوه! فاتفقوا أنْ يذهبوا إلى إبي طالب لينصفهم منه، فقالوا: يا أبا طالب، إن محمدا يسب آلهتنا ويُسفّه آراءنا وآراء آبائنا، ونحن لا نقره على ذلك، فافصل بيننا وبينه في حياتك، بأن يقيم في منزله يعبد ربه الذي يزعم، ويدع آلهتنا وسبها، ولا يعرض لأحد منا بشيء من هذا، فاستدعى أبو طالب النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: يا محمد، إن قومك قد دعوك إلى النَّصفة، وهي أن تدعهم وتعبد ربك وحدك، فقال: أوغير ذلك يا عم؟ قال: وما هو؟ قال: يعطونني كلمة تدين لهم بها العرب والعجم، قالوا: وما هي؟ قال: (لا إله إلا الله)، فنفروا عند ذلك وقالوا: ما يرضيك منا غير هذا؟ قال: والله لو أعطيتموني الأرض ذهباً ومالاً، وفي رواية: لو جعلتم الشمس في يميني والقمر في شمالي ما أرضاني منكم غيرها، فقاموا عندها وهم يرددون: أجعل الآلهة إلها واحدا، إن هذا لشيء عُجاب!؟ ومنهم من يقول: امشوا واصبروا على آلهتكم.

ولعل سبب النزول يوضح كثيراً من معاني الآيات، فقد اتخذوا قرار الكفر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الذي تحداهم بالقرآن، وهم يعلمون في قرارة أنفسهم أنه صادق، بل هم الذين وصفوه ابتداء منذ صغره بالصادق الأمين، وهذه المعجزة متلائمة مع جنس ما اشتُهِروا به، وهم أهل الفصاحة والبيان، ولكنه الكبر والعناد، فكان من جملة أقوالهم وحججهم ما جاء في هذه الآيات.

والعجيب من أمرهم أنهم ذووا أنفة وفخر، فلا يريدون أي شيء يجرح مهابتهم وسمعتهم أمام العرب، فلا يريدون قتال محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن كان عمه يحميه، وهي من أخلاقهم عموماً، ولكن الأعجب هو هذا الأسلوب في إنكارهم الرسالة، بل كيف يحثون أنفسهم على الصبر على الآلهة، فعقدتهم كانت –كما تقول الآيات: بأنه رسول منهم، وأنه جعل الآلهة إلهاً واحداً، ولماذا هو دونهم؟

وكان من شأنهم أيضاً أنهم نفروا من جواب الرسول صلى الله عليه وسلم، وأوصى بعضهم بعضاً بالثبات على العقيدة، وأن هذا مكر يحاك ضد آلهتكم، وهو أمر جديد مبتَدَع ما سمعوه في الملة الآخرة، مصطلحات نطقوا بها في تثبيت بعضهم بعضاً على العقيدة الفاسدة. فهم يعلمون من آبائهم أنهم كانوا يعبدون إلهاً واحداً على ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، بل قالوا بأنهم يعبدون هذه الآلهة لتقرّبهم إلى الله زلفا، وهم في قرارة أنفسهم يعلمون أن خالقهم وخالق السماوات والأرض هو الله وحده، ولكنهم أشركوا معه غيره، فالعجيب هو صنعهم لا ما يدعوهم إليه محمد صلى الله عليه وسلم.

وهناك بعض الوقفات الأخرى مع هذه الآيات، منها –ومن باب الإنصاف- هذه الأخلاق التي تحلوا بها رغم كفرهم، من الأنفة والعزة. ومنها أن الكفر عناد وكبر، فالذي منع الكافرين (خاصة الذين واجهوا الأنبياء عليهم السلام) هو الكبر والعناد، فمعجزات كل الرسل والأنبياء كانت واضحة لا يمكن الإتيان بمثلها، ومع ذلك كفروا وأنكروا واتهموهم بالسحر والكذب والجنون وغير ذلك، مع أن الأصل أن يؤمنوا، تماماً كما فعل سحرة فرعون (وهم المتخصصون في السحر) فحين ألقى موسى عصاه عرفوا أنه ليس سحرا، فكانوا أوّل من آمن رغم تهديد فرعون لهم.

ومنها هذا الثبات من رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد وصل الأمرُ بقريش (وهم يشاهدون أن عدد المسلمين في ازدياد) أن يعرضوا على النبي بأن يعبد ربه ولكن لا يدعو غيره، ولا يسفّه آلهتهم وآراءهم، وهي مرحلة متقدمة من يأس هؤلاء من واقع الدعوة، وما أشبه اليوم بالبارحة، فالإسلام اليوم ينتشر رغم محاربته، ولكن المعاصرين يشنون حربا أخرى هي في التخويف منه، واتهامه بالتخلف والتطرف، والذين يباشرون حربه هم من المسلمين أنفسهم ممن تشوهت صورة الإسلام في عقولهم، ورضوا بأن يكونوا أدوات بأيدي أعداء الأمة.

ومنها أن نصبر نحن على الطريق، فهؤلاء رغم كفرهم يدعون بعضهم إلى الثبات، ونحن الذين نزعم أننا أهل الدين الحق حري بنا أن نمضي على الطريق ونصبر ولا نجزع أو نيأس، فاليأس أولى درجات الهزيمة. هناك مبشرات كثيرة من القرآن والسنة، بأن هذا الدين منتصر لا محالة، ولكن لا بد من الجهد والعمل والانطلاق، تماماً كما كان قدوتنا رسول الله، ولا بد من الثقة المطلقة بالمنهج، وبالله سبحانه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

الغد الأردنية

عن أ. د. محمد خازر المجالي

wavatar
كاتب وأكاديمي وداعية إسلامي أردني

شاهد أيضاً

fares151

القيم العليا: مفهومها، وكيف نغرسها في نفوس أبنائنا

نذكّر أولاً بأن للتربية ثلاثة جوانب يكمّل بعضها بعضاً: 1- التربية العقلية والمعرفية 2- التربية …