m-kazar-almajali-46
الرئيسية / فكر ودعوة / “يا بنيّ”

“يا بنيّ”

كلاهما نبيان كريمان من أولي العزم نادا ابنيهما، هذا ناداه للذبح فأطاع، وهذا ناداه للحياة فأبى، وهي مسألة راجعة إلى الإيمان واليقين بالله تعالى، حين يلامس الإيمان شغاف القلب ويصل بصاحبه إلى اليقين المطلق بالله تعالى والرضى عنه، وفي المقابل حين يكون الجحود وحين يكون الران على القلوب بل الكفر بالله، حتى لو كان الرسول أباك، وهي جريمة فوق جريمة لا يمكن تخيلهما، الكفر من جهة، وأن يكون التكذيب لأبيك الذي يريد مصلحتك، والهول عظيم والأمر جد يعيشه هذا الابن فرارا من الطوفان، ويأبى أن يطيع والده حتى لا يؤمن، فكان من الهالكين.

يقص الله سبحانه علينا هذا القصص للعبرة: “لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب”، والتثبيت: “وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك”، والتفكر: “فاقصص القصص لعلهم يتفكرون”، ومع ذلك فهناك التشريع أحياناً، وبالجملة فينبغي أن نوظف هذا القصص في حياتنا وسلوكنا، ونوسع من خلاله مداركنا وتفكيرنا، فكم في قصة نوح عليه الصلاة والسلام مع ابنه من عبرة وجواب لكثيرين على وشك أن ييأسوا من أولادهم، فهذا نبي وحاول مع ابنه ولكنه كان من الهالكين، وفي المقابل مع الأبوة، فهذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام يحاول جاهداً مع أبيه أن يهديه، ولكنه أبى، وهكذا أمثلة كثيرة نأخذ منها أن علينا الأخذ بالأسباب، والباقي على الله تعالى، فبيده مقاليد الأمور، وهو العلي العظيم الحكيم والعليم.

ولفظ (يا بنيّ) فيه ما فيه من التلطف والتحبب والعطف، وهي مسألة فطرية في النفوس السليمة، فلا أحد يحب لابنه الضلال والخسارة والهلاك، بل يسهر على خدمته وربما يفديه بحياته، والأب السليم هو الوحيد الذي يتمنى أن يكون ابنه خيراً منه. بهذا اللفظ (يا بنيّ) نادى نوح ابنه: “ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين. قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء، قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، وحال بينهما الموج فكان من المُغرَقين”، هو خطاب الفطرة، هو الحريص على ابنه أن لا يغرق، وشرط ذلك الإيمان، ولكنه في الطرف الآخر العناد والثقة بغير الله حيث ظن أن الجبل سيعصمه، ولكن حال بينهما الموج فكان من المغرَقين، حين ظن أن الأمر سهل المنال، وأنه سينجو، وسيعتمد على نفسه وربما على غيره ولكن من دون الله، تكبراً وعناداً وكفراً، فلاقى المصير الذي لاقاه غيره من الغرق، وأهم من الغرق الدنيوي ذاك الغرق في نار جهنم في الآخرة.

ولأن الله وعد نوحاً عليه الصلاة والسلام بأنه سينجيه وأهله: “حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كلٍ زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن، وما آمن معه إلا قليل”، قال بلغة الإشفاق على ابنه، وهي عاطفة الأبوة الفطرية: “ونادى نوح ربه فقال ربِّ إن ابني من أهلي، وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين”، فهو استفهام من نوح عليه السلام أنْ لماذا حل بابني ما حل وهو من أهلي وأنت وعدت بأن تنجي أهلي، فكان الجواب من الله تعالى: “قال يا نوح إنه ليس من أهلك، إنه عمل غير صالح، فلا تسألن ما ليس لك به علم، إني أعظك أن تكون من الجاهلين”، وكان جواب التسليم من نوح عليه الصلاة والسلام: “قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم، وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين”، وهو تسليم مطلق منه عليه الصلاة والسلام لأمر الله، حين صحح له مفهوم (الأهل)، فليس النسب والبنوة والأبوة والقرابة، بل نسب الدين، هكذا بكل صراحة: “إنه ليس من أهلك”، سبحان الله، هو ابنه، ولكنه في ميزان الله تعالى ليس من أهلك كونه اختار الكفر، وهذا تصحيح لهذا المفهوم، فلأنه عمل غير صالح فما عاد من أهلك، فأهلك هم أهل الإيمان.

وفي المقابل نرى صورة مشرقة لابن ناداه أبوه لا ليحيا، بل ليُذبَح امتثالاً لأمر الله تعالى، في مسألة من أشد مسائل الابتلاء، فهو ابنه الوحيد، ورزقه الله إياه على كبر سنه، فرأى في المنام أنه يذبحه، ورؤيا الأنبياء حق، بل تشريع، ولذلك جاءت الآية هكذا: “فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ما ترى، قال يا أبت افعل ما تُؤمر، ستجدني إن شاء الله من الصابرين”، هكذا (افعل ما تؤمر)، فقد أدرك أنه أمر من الله تعالى، وحين يأمر الله فردة فعل المؤمن الاستجابة رغم قسوتها، فما كان للمؤمن إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون له الخيرة، ولا أن يتردد، بل الاستسلام لأمر الله تعالى، وهذا ما كان من هذا الابن المؤمن المطيع لربه البار بأبيه، ويا له من ابتلاء: “فلما أسلما وتلّه للجبين، وناديناه أن يا إبراهيم، قد صدّقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين، إن هذا لهو البلاء المبين، وفديناه بذبح عظيم”، فقد سلّما أمرهما معاً، هذا ليُذبح، وهذا ليذبَح، ومن المذبوح؟ إنه ابنه الوحيد، فتلّه للجبين أي أدار وجهه ليذبحه من خلف رقبته، فيخشى أن يتردد إن رأى وجهه، وحينها حصل الابتلاء والصبر من الطرفين، وأنجاه الله تعالى، وفداه بكبش عظيم، ومدحهما الله بأن صدقا الرؤيا وأنهما من المحسنين، وهذا فعلاً من البلاء المبين.

هما صورتان لابنين، والفارق بينهما هو في الإيمان، هذا يُدعى للحياة فيأبى، وهذا يُدعى للذبح فيطيع، ويا لها من مفارقة عجيبة، حين يكون الإيمان أو لا يكون، فالإيمان يكسو صاحبه حلة الطاعة والانقياد لله تعالى، وعكس ذلك هو انقياد أيضاً، ولكن للهوى والشيطان.

الغد الأردنية

عن أ. د. محمد خازر المجالي

wavatar
كاتب وأكاديمي وداعية إسلامي أردني

شاهد أيضاً

abu-hassan-aldhahir-4

جماعة الإخوان المسلمين في سورية تنعى الأخ أبو حسان الضاهر

بمزيد من الرضا والتسليم لقضاء الله وقدره، تنعى جماعة الإخوان المسلمين في سورية الأخ عبد …